انتهت الحرب العالمية الثانية، بهزيمة مذلّة للأمة الألمانية، بعد تضخّم قومي أوهمها بتفوّق عرقي وإرث تاريخي يخولها حكم العالم. هو طموح كافٍ لإسكات صوت الضمير أو العقل، وتسويغ أي فعل مهما كانت انتهاكاته مرعبة ومنفّرة. استفاق الألمان على الكارثة، وظنّوا أنها نهاية لوجودهم ومستقبلهم، واستمر الكثير من نخبهم بإلقاء اللوم على غيرهم أو إدانة بعض القادة منهم، وتصاعدت أصوات الشعور بالاضطهاد والمظلومية وندب مصائرهم، وتنصّل آخرون من فظائع الجرائم النازية بأنهم لم يكونوا يعلمون، وعلى فرض علمهم لا يملكون القوة لمنعه.
حينها كتب الفيلسوف كارل ياسبرز كتاباً بعنوان *”الذنب الألماني”* (The German Guilt)، ليضع يده على الجرح ويوجّه النقاش الوجهة الصائبة لإحداث التحوّل التاريخي المطلوب من الألمان. أثار نقطة الحقيقة التي لا تُكتشف في الخارج، وإنما تفصح عن وجهها في لحظة اتصال شفّاف وعميق بين الذات وذاتها. لحظة المسؤولية عن كل ما حصل، والتخلي عن اللوم المُقَنَّع (Blanket Blame)، بلوم الآخرين للتغطية على الذنب الحقيقي الذي يجب أن نواجهه أمام ذواتنا.
حين يُقتل الآخرون وأبقى حيّاً، أو أقف متفرجاً على مذبحة اليهود (وفي زماننا على مذبحة أطفال غزة)، ولم أفعل شيئاً، فالذنب يغمرني ويملأ كامل كينونتي حتى لو لم تكن لدي القدرة على منع هذه الجرائم
الذنب الماورائي واليقظة الروحية
يأخذك ياسبرز إلى الذنب الماورائي، القابع وراء كل ذنب ويتعالى عليه. هو وراء الذنب القانوني الذي يستدعي تبعات جرمية عليه، ووراء الذنب الأخلاقي الذي يشعرك بوخز الضمير والندم على الفعل الشرير، ووراء الذنب السياسي الذي يضعك أمام مسؤوليتك المدنية كمواطن وعضو في المجتمع لسكوتك عن الاستبداد أو السماح به بسبب الخوف أو الجبن.
أما هذا الذنب فميتافيزيقي، كونه يخاطب الروح لتستيقظ من سباتها، ويحثّ على ولادة أخلاقية جديدة، وبداية تحوّل إلى الأمام، وشق وجهة لوعي ذاتي بالحرية وتأسيس أرضية أخلاقية صلبة قائمة على الحقيقة، يكون الهروب من هذا الذنب هروباً من الحقيقة نفسها. إنه الذنب الذي يلاحقك في داخلك، ويلقي عليك السؤال: أين كنت حين كان الآخرون يُهانون ويُقتلون ويُعذَّبون؟ هل فعلت شيئاً كإنسان في تضامنك مع الآخرين، أم تراجعت وانكفأت إلى خوفك وأنانيتك؟
الإنسان مجبول على الذنب، ومواجهته والاعتراف به بشجاعة هو فعل حر ومسؤول. فالذين يعرفون الذنب هم فقط الذين يعرفون معنى المسؤولية، كون الذنب يفترض الحرية مسبقاً، ومن دون حرية لا ذنوب بل أحداث محكومة لعلاقات الأسباب الضرورية. أن تعترف بالذنب يعني قدرتك على مواجهة الشر في داخلك وخارجك، أن تتعرف على الإمكانات المفتوحة لوجودك.
هذا الذنب هو من النوع الذي يطل بك على معنى وجودك وحقيقتك، على معنى أن تكون إنساناً، بالتضامن والتكافل مع الكائن البشري أينما كان. فحين يُقتل الآخرون وأبقى حيّاً، أو أقف متفرجاً على مذبحة اليهود (وفي زماننا على مذبحة أطفال غزة)، ولم أفعل شيئاً، فالذنب يغمرني ويملأ كامل كينونتي حتى لو لم تكن لدي القدرة على منع هذه الجرائم.
الاعتراف بالذنب طريق للتحوّل
كل فرد في ألمانيا بعد الحرب العالمية مذنب بنظر ياسبرز، من دون أن يتساوى الجميع في درجة الذنب، لكن يعني أنه لا أحد بريء بالكامل. الناس يتعافون فقط حين يعون ذنبهم ويواجهون الحقيقة كمدخل وحيد للشفاء من هذا الجرح الباطني النازف. بالتالي علينا مواجهة حقائق ما حصل وأن يقبل كل فرد مسؤوليته بالاعتراف بهذا الذنب وتحمله، وتجنب كل التبريرات التي يصوّر فيها الألمان أنفسهم ضحايا حرب أو مُدمَّرين ومُعذَّبين. فالتعرّض لعذاب أسوأ لا يعفينا من مسؤولية جرائم أخرى ارتُكبت باسمنا وعلى أرضنا.
لا نتكلم عن الذنب الذي يفقدنا كرامتنا أو يشعرنا بالإهانة والذل، بل عن الذنب الذي ننضج من خلاله بأن يحدث في داخلنا تحولاً روحياً يمكننا من مواجهة الحقيقة بشفافية ونتواضع في استحضار تاريخنا. علينا أن لا نخجل من أن نكون ألماناً ولكن نخجل من الجرائم التي ارتُكبت في ألمانيا وتسامحنا معها ولم نفعل أكثر من إشاحة الوجه عنها.
يتحدث ياسبرز عن الذنب الذي يعكس الرابط العميق بين الكائنات البشرية، وعن الفشل في منع أي انتهاك ضد الإنسانية، الذي هو فشل في أن يتصرّف أحدنا ككائن إنساني حين يحضر الظلم. كأن يبقى صامتاً وغير مبالٍ أو حيادياً أو ينكفئ إلى حياته الخاصة. فلا يكفي القول إنه لم يؤذِ أحداً أو لم يعرف، كون هذا الذنب ينبع من باطنك وصميم وجودك، الذي يطالبك أن تكون إنساناً في شروط لا-إنسانية.
الذنب الذي لا نتحرر منه إلا بالاعتراف به وتحمل كامل المسؤولية بتبعاته وتبصّر الارتكاس الذي لحق بإنسانية كل ألماني، لا بفعله فقط بل بامتناعه عن الفعل.
هذا الذنب يُحدث يقظة روحية، لا يوفر راحة ضمير ولكنه يهزّ حقيقتك الإنسانية، يضعك في منطقة التخوم التي تجعلك مسؤولاً أمام الحقيقة المطلقة التي لا يمكنك الهروب منها، كونها تحيط بك من كل جانب. ذنب يعتقك من أنانيتك ومحدوديتك ولامبالاتك ويجعل وجودك منفتحاً على إمكانات الوجود المطلقة، التي هي إمكانات وجودك الإنساني التي لا تتكشف لك إلا حين تواجه حريتك بمسؤولية، لا بما فعلته فقط وإنما بما لم تفعله وكان يفترض بك أن تفعله.
هكذا واجه ياسبرز مأساة ألمانيا بعد هزيمة الحرب العالمية الثانية وكارثة الخيارات المتهوّرة وجنون ادعاء التفوّق والنقاء العرقي وحتى الاصطفاء الإلهي. واجهها بالاعتراف بالذنب كطريق وحيد للخروج من المأزق. ذنب لا ينمحي بالنحيب على المصير القاتم أو تلبّس دور الضحية المعذَّبة أو تضخيم كره الآخرين وتنكيله. فهذا كله هروب لا من الذنب بل من الذات نفسها، من وقوفها أمام الحقيقة التي يمكن التلاعب بمضامينها مع الآخرين ولكن لا يمكن حجب إطلاقها ووضوحها المشع أمام الذات.
الذنب الذي لا نتحرر منه إلا بالاعتراف به وتحمل كامل المسؤولية بتبعاته وتبصّر الارتكاس الذي لحق بإنسانية كل ألماني، لا بفعله فقط بل بامتناعه عن الفعل. اعتراف مسؤول يكفل التحرر من وجود زائف راهنت عليه أمة بأسرها، وظنت أن فيها عظمتها ومجدها وارتقاءها المتعالي.
مع ياسبرز أدركنا أن الارتقاء ليس بالزهو وتخمة الادعاءات وكثافة اليقينيات، وإنما بالوقوف المتواضع والشفاف أمام الحقيقة المطلقة، وأن الذنب ليس فيما اقترفت من آثام فحسب، ولكن في الامتناع عن فعل تستوجبه إنسانيتك الحقة ويستدعيه وجودك الأصيل. هو نداء ساعد الألمان على صحوة الروح من جديد، والعبور بأمان وثبات إلى منطقة اليقظة الإنسانية والحرية المسؤولة، التي وجدت في الذنب لا عقدة بل مدخلاً للتحوّل الخلاق.
في لبنان، هل من ذنب لبناني عموماً وذنب شيعي خصوصاً يفترض بأصحابه مواجهته لإسقاط أقنعة الذات وتبصّر الأرضية الهشّة والمزيّفة التي نقف عليها جميعاً؟
للكلام صلة.
إقرأ أيضا: بعد خطاب نعيم قاسم.. «الحزب» نحو العزلة السياسية!

