يعيش مئات الآلاف من اللاجئين السوريين في لبنان على وقع حالة معقدة من التردد بين خيارين أحلاهما مرّ: العودة إلى بلدهم أو البقاء في لبنان وسط تضييق متزايد.
وبرغم التسهيلات المعلنة من السلطات اللبنانية والسورية، إضافة إلى الحوافز المالية التي تقدمها المنظمات الدولية، لا يزال كثيرون عاجزين عن اتخاذ القرار النهائي، بفعل عوامل أمنية واقتصادية متشابكة.
مع نهاية شهر يوليو (تموز) الماضي، سجّلت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة أول دفعة «تجريبية» من العائدين ضمن برنامج العودة الطوعية المنظمة، حيث عاد 71 لاجئاً فقط، رغم أن نحو 17 ألفاً أبدوا رغبتهم في الاستفادة من البرنامج منذ إطلاقه مطلع يوليو.
إقرأ أيضا: «مسألة حياة أو موت».. علي الأمين يكشف: كيف يواجه «الحزب» أسوأ أزماته المالية؟
البرنامج يقوم على مسارين: الأول عودة فردية غير منظمة يحصل فيها اللاجئ على 100 دولار كمساعدة أولية، إضافة إلى 400 دولار للعائلة عند وصولها إلى سوريا، والثاني عودة منظمة عبر حافلات، مع تقديم الدعم النقدي ذاته.
التحول اللافت في موقف المجتمع الدولي، والمفوضية تحديداً، برز في تصريحات ممثلها في لبنان، إيفو فرايسن، الذي أكد أن «العودة هي الحل الأمثل»، مشيراً إلى أن تخصيص مبالغ لتحفيز العودة يمثل «تطوراً كبيراً» في طريقة التعاطي مع هذا الملف.
هذا الموقف يعكس تراجعاً عن سنوات من التحفظ الدولي على فكرة العودة قبل «تأمين ظروف آمنة»، ويشير إلى توافق ضمني على تخفيف عبء النزوح عن لبنان.
لكن في المقابل، تتحرك السلطات اللبنانية بخطوات أكثر تشدداً، إذ أعلنت نيتها إسقاط صفة «نازح» عن كل سوري مقيم في لبنان «لانتهاء الأسباب التي كانت تمنحه هذا الوصف»، ما يعني أن من لا يملك إقامة قانونية سيُعتبر وجوده غير شرعي، ويخضع للإجراءات الأمنية والترحيل.
ومنحت المديرية العامة للأمن العام مهلة حتى 30 سبتمبر (أيلول) المقبل للاستفادة من إعفاءات الرسوم والغرامات للراغبين في المغادرة، على أن يبدأ بعدها تطبيق أكثر صرامة للقوانين.
الأحداث الأخيرة في سوريا، خصوصاً في الساحل ومدينة السويداء، أضافت طبقة جديدة من التعقيد، حيث تدفق إلى لبنان أكثر من 100 ألف نازح جديد هرباً من التوترات، فيما دفع انعدام الاستقرار الأمني في بعض المناطق كثيراً من اللاجئين إلى التريث في العودة.
بالمقابل، يرى آخرون أن تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في لبنان لا يقل قسوة، ما يجعل العودة – برغم المخاطر – خياراً أفضل.
إقرأ أيضا: الحقائق والمحبة أساس بناء الدولة وتحرير الأرض
وزيرة الشؤون الاجتماعية، حنين السيد، كشفت عن إغلاق 162 ألف ملف لنازحين عادوا بالفعل إلى سوريا، إضافة إلى 71 ألف طلب جديد بانتظار التنفيذ.
أما نائب رئيس مجلس الوزراء، طارق متري، فأكد وجود مساعٍ لإنجاز المرحلة الأولى من خطة العودة الحكومية قبل بدء العام الدراسي في سبتمبر، متوقعاً أن تشمل ما بين 200 و300 ألف شخص.
هذا التداخل بين الضغوط اللبنانية، والتغير في الموقف الدولي، والتباين في أوضاع الداخل السوري، يجعل قرار العودة مسألة شخصية معقدة لكل لاجئ، تحكمها معايير الأمن، والقدرة المعيشية، وروابط العائلة، وحتى حسابات المستقبل.
وبينما تتحرك الحافلات في بعض المعابر، لا تزال القلوب معلقة بين وطن لا يضمن الأمان، وبلد مضيف يضيق يوماً بعد يوم.

