لماذا فوجئ حزب الله بالقرار الحكومي، طالما أنه كان قد وقّع بتاريخ 27 تشرين الثاني 2024 على اتفاق يتضمّن آليات وقف الأعمال العدائية، ويشمل 16 نقطة، من بينها حصر السلاح بيد الدولة الشرعية، بدءًا من جنوب الليطاني وصولًا إلى كامل الأراضي اللبنانية؟
هذا الاتفاق أُقرّ بموافقة الحزب، والرئيس نبيه بري، وحكومة نجيب ميقاتي. كما أن القرار 1701، بكل مندرجاته، يتضمّن أيضًا القرارين 1559 و1760. فاليوم، عندما طُرحت ورقة الموفد الأميركي طوم باراك، والتي تتضمّن آليات تنفيذ القرار 1701 ضمن مهلة زمنية محددة، برز التباين في المواقف. فقد فضّل الثنائي الشيعي عدم تحديد مهَل زمنية في العلن، رغم موافقته على مناقشة الورقة وبنودها.
الدوران في حلقة مفرغة!
في هذا السياق، يرى الكاتب والناشط السياسي يوسف مرتضى أن الثنائي الشيعي كان على علم مسبق بالقرار، ولم يُفاجأ به، لكنه قدّم اقتراحًا عبر الرئيس نبيه بري إلى رئيس الجمهورية جوزيف عون، يقضي بإحالة الملف إلى الجيش اللبناني لتولّي وضع الترتيبات والآليات التنفيذية، مع التمنّي بعدم ذكر مهَل زمنية صريحة.
لكن القرار صدر بنصّ واضح، يُلزم بإنهاء وجود السلاح غير الشرعي مع نهاية هذا العام، ووضع خطة تنفيذية بحلول نهاية شهر آب، أي خلال أسابيع قليلة.
ويؤكد مرتضى أن موقف حزب الله كان متجهًا نحو تسهيل انعقاد الجلسة، وقد أبدى تعاونًا ومرونة، كما كان هناك تفاهم مسبق بين الرئيس بري ورئيس الجمهورية، إذ كان الجو العام قبل الجلسة إيجابيًا. غير أن “الصدمة التي تلقّتها البيئة الشيعية جاءت في بيان حزب الله بعد صدور القرار”، بحسب تعبيره.
ووفق معلومات متداولة، فإن رئيس الجمهورية طرح مطلب “الثنائي الشيعي”، غير أن رئيس الحكومة نبّه إلى أن هذه الصيغة لن تُقنع الرأي العام الدولي، وأن الدولة اللبنانية ستظل تدور في حلقة مفرغة إذا لم تُحدّد مهلة زمنية واضحة. لذلك، قرر رئيس الحكومة، بموافقة عدد من الوزراء، المضي في التصويت على القرار، وفق ما ينقل مرتضى.

إحراج أمام البيئة الحاضنة!
طرح الثنائي الشيعي تكليف الجيش اللبناني بمتابعة تنفيذ قرار حصر السلاح، لكن دون تحديد مهَل زمنية، وهو ما اعتبره مرتضى بمثابة “التفاف شكلي على القرار”، إذ بدا واضحًا أن هناك ارتباكًا وإحراجًا للحزب داخل بيئته الحاضنة. ويُفهم من بيان حزب الله أنه موجّه لجمهوره في محاولة لطمأنته من جهة، وللضغط على الأطراف الأخرى من جهة ثانية، في ظل مأزق يعيشه الحزب نتيجة تحوّله التدريجي من حزب جهادي إلى حزب سياسي.
ويرى يوسف مرتضى أن حزب الله يناور لتأجيل تنفيذ قرار حصر السلاح، حرصًا على شدّ عصب جمهوره حتى انتخابات أيار المقبل. ويقول: “الموافقة على جدول زمني لحصر السلاح تعني عمليًا نهاية التنظيم المسلّح قبل نهاية العام، وهذا ما قد يدفع الناس في بيئة الحزب إلى البحث عن خيارات أخرى”.
رئيس الجمهورية طرح مطلب “الثنائي الشيعي”، غير أن رئيس الحكومة نبّه إلى أن هذه الصيغة لن تُقنع الرأي العام الدولي، وأن الدولة اللبنانية ستظل تدور في حلقة مفرغة إذا لم تُحدّد مهلة زمنية واضحة.
اكثر مرونة ..والشيعة أكبر الخاسرين أمل
جاء بيان حركة أمل بلغة أكثر مرونة من بيان حزب الله، ما يُظهر رغبة في إعطاء فرصة للحكومة رغم انسحاب وزيرها من الجلسة عند التصويت. ويُتوقع حضورها جلسة الخميس المقبلة لمحاولة تعديل موقف الحكومة وكسب المزيد من الوقت.
رغم مرور أكثر من ثمانية أشهر على اتفاق وقف الأعمال العدائية، تواصل إسرائيل هجماتها التي أسفرت عن أكثر من 231 قتيلًا ودمار واسع، في ظل غياب أي رد فعّال. في المقابل، خسر لبنان دعمًا عربيًا ودوليًا كان من الممكن استثماره للضغط على إسرائيل.
يعتبر يوسف مرتضى أن حزب الله يواصل رهن قراره لطهران على حساب بيئته. ويقول: “أول المتضررين من المماطلة هو الحزب نفسه، إذ إن إسرائيل ستواصل استهداف عناصره، ما يرفع الكلفة البشرية دون قدرة على الرد”. ويحذّر مرتضى من أن البيئة الحاضنة ستدفع الثمن، إذ إن إعادة الإعمار مشروطة بحصرية السلاح بيد الدولة. ويقول: “نحن على مشارف عام كامل من التهجير، والحزب أمام استحقاق دفع بدل سكن للناس… فإلى متى؟”. ويُشكّك مرتضى بجدوى السلاح، متسائلًا: “إذا لم يُستخدم حتى بعد اغتيال السيد حسن نصرالله، فمتى سيحين أوانه؟”.
صراع أجنحة داخل الحزب!
يشير مراقبون إلى أن بعض الأطراف داخل حزب الله لا تزال ترفض التحوّل إلى العمل السياسي، بسبب ذهنيتها العسكرية والأمنية، رغم تضرر البرنامج العسكري للحزب. كما أن موقف الحزب مرتبط بتطورات إقليمية تشمل سوريا والعراق والمفاوضات الإيرانية-الأميركية، إلى جانب نتائج حرب غزة، وكلها عوامل مؤثرة.
يعتقد مرتضى أن هناك ورشة قائمة داخل الحزب، لكن الصعوبات كبيرة للتغيير، خاصة مع وجود العامل الإيراني المؤثر داخل الحزب. واليوم، لا وجود لشخصية بوزن الـسيد حسن نصرالله الذي يأمر فينفذ الآخرون، فلا وجود لهيبته التي تؤثر حتى على القرار الإيراني. ويرى مرتضى أن “الارتباط بين الحزب وإيران لا زال قويًا جدًا، ولا يجب أن نستبق الأمور، فإيران تريد استخدام ورقة حزب الله في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة الأميركية”.
بعض الأطراف داخل حزب الله لا تزال ترفض التحوّل إلى العمل السياسي، بسبب ذهنيتها العسكرية والأمنية، رغم تضرر البرنامج العسكري للحزب.
قطار الدولة على السكة الصحيحة!
رئيس الجمهورية والحكومة لا يمكنهما الرجوع إلى الوراء، ومصلحة حزب الله وبيئته الحاضنة ومصلحة لبنان تقتضي عدم العودة إلى الوراء، لأن ذلك يعيق التقدم نحو الحلول باتجاه إعادة الإعمار، وتنشيط الحياة الاقتصادية، وبناء الاستقرار، وجذب الاستثمارات، وبذلك يعرقل مسار الدولة. فلأول مرة منذ اتفاق الطائف، عمليًا وجديًا، وُضع قطار الدولة على السكة الصحيحة نحو دولة القانون.
ويعتقد مرتضى أن حتى حزب الله وحركة أمل حريصان على الاستقرار وعدم الفوضى، وأن انكفائهما عن تحريك الشارع وصدور بيان حركة أمل الرافض لأي محاولات للتلاعب بالشارع ونأي الحركة بنفسها عن الدخول في مشكلات أمنية، خير دليل على ذلك.
اقرأ أيضا: قرار حكومي حاسم وتاريخي: تكليف الجيش بخطة «حصر السلاح».. والمواجهة بدأت

