ثمة وضوحٌ تام تميزت به كلمة رئيس الجمهورية يوم أمس في عيد الجيش الثمانين، والتي ألقاها في وزارة الدفاع، حيث تميزت بصراحةٍ تامة، مسمّياً الأشياء بأسمائها. وقد أتت متممةً لخطاب القسم، وأوضحت الكثير من الأمور التي كانت بحاجة لتوضيح، بعد الصمت المريب الذي اتسمت به المرحلة الفاصلة بين خطاب القسم والبيان الوزاري من جهة، وكلمة الأمس من جهة أخرى، التي اتسمت بصراحةٍ مطلقة، مسمياً الأمور بمسمياتها، وموضحاً كل ما دار حوله لغط أو بعض من الغموض حتى أصاب البعض شيء من الريبة، واعتبر أن الرئيس تراجع عن خطاب القسم، وكأنه قد استهوته الإقامة في قصر بعبدا وبدأ يتراجع عما قاله في التاسع من كانون الثاني في بداية هذا العام، يوم انتُخب رئيساً للجمهورية.
بين السيادة والمقاومة: الرئيس يتقدم الجميع
لكن كلمة الأمس، بدا وكأن رئيس الجمهورية وضع نفسه على يسار اليسار في تحرير ما تبقى من أرض محتلة واستعادة الأسرى وإعادة الإعمار، وهو بذلك متقدماً على جماعة المقاومة وأعوانها. كما أنه وضع نفسه على يمين اليمين حين طرح الحفاظ على السيادة في حصر السلاح بيد الدولة، من كل القوى المسلحة، ومنها حزب الله. وهي المرة الأولى التي يُقدم فيها على تسمية حزب الله، وخصوصاً في مجرى كلامه عن “الحروب العبثية” و”حروب الآخرين”، وهي كلمات مشفّرة واضحة المعالم والمقصد.
في ذلك، وضع الرئيس النقاط على الحروف، متقدماً على كل القوى التي تدّعي السيادة وقوى محور المقاومة، لا بل سابقاً لها بأشواطٍ وأشواط. هذا الأمر أعاد خلط الأوراق، ما أدى به إلى تسجيل نقاط قد تستطيع سحب البساط من تحت أقدام كثيرين داخلياً وخارجياً وفي الإقليم أيضاً، حيث لم تترك مجالاً للشك بشأن جدية الدولة اللبنانية والعهد في تنفيذ كل مندرجات خطاب القسم وما ورد في البيان الوزاري، وما تضمناه من جدية في الوصول إلى حصر السلاح، وتطبيق إمساك الدولة وحدها بقراري الحرب والسلام واحتكارها للقوة والسلاح دون جميع المتواجدين على الأراضي اللبنانية.
وبذلك، وضع الرئيس بكلمته أمس الأمور في نصابها، مستعيداً طموحات اللبنانيين، وواضعاً حداً لكل تأويل أو مماحكات من حزب الله وأعوانه وأتباعه وخطاباته، كما المعارضة التي قد تكون تُزايد على العهد ورئيسه وحكومته. وهو بذلك وضع حداً للجميع ووضعهم أمام مسؤولياتهم، وكأنه قال: “انتهينا من المزاح واليوم بدأ الجد، وعليكم جميعاً أن تكونوا في إمرة الدولة اللبنانية وبتصرفها، لأن أزفت ساعة العمل وانتهينا من الكلام المباح وبدأنا بالجد”.
جلسة مجلس الوزراء المنتظرة: مرحلة مفصلية
هذه الكلمة بالأمس، وخصوصاً مع قوله إن مطلع الأسبوع القادم سيكون على طاولة مجلس الوزراء مواضيع للبحث وإقرارها، هذا الأمر حدّد بعنايةٍ تامة ووضوح لا لبس فيه أن أيام التسامح انتهت، واليوم دقّت ساعة الحقيقة، وانتهينا من المزاح ودخلنا مرحلة الجد، وهذا ما انتظره وينتظره اللبنانيون منذ سنوات ويتمنّون تحقيقه.
فكلمة رئيس الجمهورية بالأمس خاطبت اللبنانيين بكل أطيافهم وألوانهم السياسية، ووضعتهم للمرة الأولى أمام حقيقة الأمور وخطورتها، فخاطب ضميرهم وعواطفهم، وهذا ما أثار لغطاً كبيراً في صفوف الجميع، خصوصاً أنها أتت بعد كلمة “عنتريات وأهازيج” نعيم قاسم، أمين عام حزب الله، والتي اتسمت كلمته بالتهريج عن قرار احتفاظ حزب الله بسلاحه برغم إرادة كل اللبنانيين. وفي ذلك تحدٍ للداخل والخارج، وهذا ما أثار – ليس بلبلة في صفوف أتباع حزب الله ومناصريه فحسب – بل كانت الرسالة أبعد من الحدود اللبنانية، بل وصلت إلى مسامع “آباء حزب الله” في طهران، كما وضعت حزب الله أمام حقيقته، بأن المكابرة والتهريج السمج قد انتهى أوانه، لأن لبنان أمام تحديات جسام، أقل ما يُقال فيها إنها مصيرية وحاسمة، خصوصاً أنها أتت مترافقة مع غارات صهيونية على مناطق في الجنوب اللبناني والبقاع الشمالي وصولاً إلى الحدود السورية.
إلى الثلاثاء تشخص الأبصار
هذا الأمر، وما ينتظره لبنان يوم الثلاثاء القادم، وما يترصده اللبنانيون من نتائج جلسة مجلس الوزراء وما سيتمخض عنها من قرارات، كما من تصرفات القوى السياسية، وخصوصاً جماعة الثنائي التي تحتكر التمثيل الشيعي وتغتصب إرادة أبناء الطائفة الشيعية رغماً عن القانون ومجرياته، ستكون ردّات الفعل هي الفاصلة، وسيراها جميع اللبنانيين. فإلى الثلاثاء تشخص الأبصار وتتشوق الأفئدة، وكلها أمل ببزوغ فجرٍ جديد يُشرق على لبنان، قد يكون بارقة أمل ينتظرها ويتشوق لها اللبنانيون من عقودٍ وعقود.
اقرأ أيضا: عون يسمي سلاح «حزب الله» ويدعو لتسليمه..ولتنفيذ «ورقة براك» بمراحل «زمنية محددة»

