تعيش الساحة اللبنانية لحظة دقيقة، مع اقتراب موعد الجلسة المنتظرة لمجلس الوزراء الثلاثاء المقبل، والتي يُتوقع أن تبحث بشكل مباشر في ملف “حصرية السلاح” بيد الدولة، وهو ما يشكّل مفترق طرق سياسياً وأمنياً داخلياً، في ظل رفض حزب الله المعلن لأي نقاش جدي بهذا الشأن. وتأتي هذه الجلسة في وقت تتزايد فيه الضغوط الأميركية والدولية على الدولة اللبنانية، خصوصاً بعد زيارة المبعوث الأميركي توم باراك، وتقديمه ورقة تفاهم تحمل بنوداً حساسة، منها نزع سلاح الحزب وتسليمه للجيش اللبناني.
المصادر السيادية تؤكد أن حزب الله لن يسلم السلاح، بل يواصل وضع الشروط التعجيزية، كما أعلن مجدداً الأمين العام المساعد للحزب الشيخ نعيم قاسم، الذي اعتبر أن الحديث عن تسليم السلاح يصبّ في خانة “تسليمه لإسرائيل”، مطالباً بوقف العدوان الإسرائيلي وانسحاب تل أبيب من الأراضي المحتلة قبل أي نقاش داخلي.
تهويل إعلامي وضغط سياسي… هل تفقد الجلسة مضمونها؟
في هذا السياق، تحذّر أوساط سياسية متابعة من حملة ضغط منسّقة يشنّها الحزب ومؤيدوه، هدفها فرملة أي قرارات قد تصدر عن جلسة الحكومة وتضع جدولاً زمنياً واضحاً لحصر السلاح بيد الدولة. وقد بدأت هذه الحملة عبر تهديد مبطن بالمقاطعة، والتلويح بالانسحاب من الحكومة في حال تمسّك الوزراء بمناقشة بنود تتعلق بإجراءات تنفيذية أو تحديد مهلة زمنية لنزع السلاح.
بحسب معلومات موثوقة، فإن رئيس الجمهورية جوزاف عون، بالتنسيق مع رئيسَي الحكومة نواف سلام والمجلس النيابي نبيه بري، يحاول إيجاد صيغة وسط تحفظ الاستقرار، وتلبي في الوقت عينه المطالب الدولية. وتشير التسريبات إلى أن ما يُبحث هو إدراج موضوع السلاح ضمن “استراتيجية دفاعية” تربط بين الانسحاب الإسرائيلي وتسليم السلاح، بما يشبه “صفقة سياسية” تُرضي الجميع ولو مؤقتاً.
الرد الأميركي قريب… وخيبة دولية من موقف بيروت
على الضفة الأخرى، تستعد واشنطن لتقديم ردّ رسمي على التعديلات التي أدخلها لبنان على ورقة باراك. وتشير أوساط متابعة إلى أن الأجواء الأميركية ليست مشجعة، وأن البيت الأبيض منزعج من ما يعتبره “مراوغة لبنانية” وتضييعاً للفرص. وتؤكد مصادر دبلوماسية أن الرد الأميركي قد يحمل نبرة تصعيدية، في حال لم يلمس جدية واضحة من الجانب اللبناني في التجاوب مع الطروحات الدولية، خصوصاً ما يتعلق بنزع سلاح حزب الله وتمكين الدولة من فرض سلطتها.
صحيفة “الجمهورية” نقلت عن مصادر مطلعة أن الولايات المتحدة قد تنسحب من وساطتها إذا شعرت أن لبنان غير مستعد للحسم، ما سيترك تداعيات سلبية على الدعم الدولي للبنان، في وقت تتزايد فيه التهديدات الأمنية على الحدود الجنوبية وتتسع رقعة الاشتباكات بين المقاومة والجيش الإسرائيلي.
الورقة اللبنانية: توازن دقيق بين السيادة والمطالب الدولية
خلال زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون لوزارة الدفاع في عيد الجيش، كشف عن تعديلات طرأت على الورقة الأميركية. التعديلات تضمنت نقاطاً محورية أبرزها: وقف العدوان الإسرائيلي فوراً، انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، تحرير الأسرى، سحب سلاح جميع القوى المسلحة، ومن ضمنها حزب الله، وتسليمه الى الجيش اللبناني، تأمين دعم مالي للقوى الأمنية، عقد مؤتمر دولي لإعادة الإعمار، ترسيم الحدود مع سوريا، وحل أزمة النزوح.
وتُسجل للمرة الأولى حسب كلمة الرئيس عون، ان وثيقة التعديلات التي ستطرح على مجلس الوزراء الثلاثاء المقبل، تسمي حزب الله بشكل صريح انه قوة خارج اجهزة الدولة وانه يجب نزع سلاحه، ما يعد تطوراً لافتاً، غير أن غياب مهلة زمنية واضحة لتسليم السلاح يترك الباب مفتوحاً أمام التأويل والمماطلة، وقد يشكل عقدة في مسار التفاهم، لكن رئيس الجمهورية كان واضحا في كلمته نفسها عندما فتح الباب امام تحديد المهلة بقوله، ان “التعديلات على الورقة الأميركية ستطرح على مجلس الوزراء مطلع الأسبوع المقبل وفق الأصول، ولتحديد المراحل الزمنية لتنفيذها”.
لبنان أمام استحقاق تاريخي… التردد لم يعد خياراً
بين جلسة الحكومة المقبلة، والرد الأميركي المرتقب، والانقسام الداخلي حول سلاح حزب الله، يدخل لبنان نفقاً معقداً. أيّ قرار سيُتخذ في الجلسة المقبلة سيُقرأ محلياً وإقليمياً كإشارة إلى نوايا الدولة اللبنانية بشأن مستقبل سلاح الحزب. فإما تثبيت الدولة وفتح الباب أمام استقرار مشروط بالدعم الدولي، وإما استمرار المراوحة والتصعيد، ما قد يجر البلاد نحو عزلة جديدة أو ربما إلى مواجهة لا تُحمد عقباها.
فهل يجرؤ مجلس الوزراء على الحسم؟ أم تنتصر من جديد سياسة الترقيع وتأجيل الانفجار إلى إشعار آخر؟
اقرأ أيضا: سلاح الحزب بين الضغط الدولي والجمود اللبناني: اختبار السيادة يتعمّق

