على هامش أحداث السّويداء: الأقليّات في الشّرق بين التّاريخ والمصالح الدّوليّة

هشام حمدان

على أثر الأحداث الأليمة التي وقعت في سوريّة خلال الأشهر القليلة الماضية، ونالت من الأقليّات المقيمة هناك: العلويّة، المسيحيّة والدّرزيّة، والتّهديد التّركي الأخير بالتحرّك العسكري ضدّ الأكراد، بدأت تظهر مقالات وآراء موجّهة ضدّ العرب والعروبة، إضافة إلى زيادة الحديث عن تقسيم سوريّة واحتمالات حرب جديدة في لبنان والمنطقة. وفي هذا الإطار، نعتقد أنّ النّقاش بشأن هويّتنا المشرقيّة خطأ، ويفترض أن لا نتحدث بهذا الصّدد. من يراجع التّاريخ يرى أنّ شعوبنا نسيج مختلط تكرّس عبر حركة القبائل والسّكّان طوال قرون من الزّمن، فأنتج خليطًا لا يمكن بنتيجته أن نبني حقيقة علميّة لهويّة ثابتة تبرّر الخروج من الواقع القائم. إنّ أيّ نقاش موضوعيّ بشأن الأحداث الجارية، سواء في سوريّة أو في فلسطين المحتلّة أو لبنان، يفترض أن ينطلق من حقائق اليوم التي تكرّست ولا شكّ، على ضوء الواقع الذي قام بعد الحرب العالميّة الأولى، وتكرّس بعد الحرب العالميّة الثّانية.

العروبة بين الهويّة والمصلحة

أمّا العروبة، فمفهوم يُفترض أن لا يُنظر إليه في قالب هويّة كيانيّة، بل في إطار المصالح التي تعني كلّ المكوّنات الاجتماعيّة في البلدان العربيّة المعنيّة. فهل العروبة مفهوم دينيّ أم مفهوم سياسيّ؟ لقد كانت العروبة أيّام جمال عبد النّاصر مفهوما قوميًّا، يقوم على أساس التّرابط الثّقافي التّاريخي، بما في ذلك الدّيني، الذي جعل مصير شعوب هذه المنطقة مشتركا، وأسّس لمصلحة مشتركة لها في مواجهة الاستعمار (والإمبرياليّة) للتّحرّر الوطني وللنّضال من أجل تحرير فلسطين. اعتمد عبد النّاصر المفهوم الإيديولوجي الاشتراكي مستندًا إلى واقع الحرب الباردة من أجل تحقيق غرضه. قامت عام 1979 ثورة الخميني برعاية غربيّة، دفعت بالبعد الدّيني كشعارات للتّحرّر الوطني ولتحرير فلسطين، وذهبت إلى تصدير هذه الثّورة إلى العالم العربي، ما خلق داخله صراعًا بين الجماعات الدّينيّة والجماعات الإيديولوجيّة السّياسيّة.

يدرك كلّ مؤرّخ متابع، أنّنا في مرحلة جديدة من مفهوم المصالح، نشأت بشكل خاص بعد سقوط الشّيوعيّة وتفكّك الاتّحاد السّوفياتي، وسيادة الولايات المتّحدة على النّظام الدّولي الجديد. رأينا تطوّر الأحداث في الشّرق الأوسط منذ ذلك الحين. سقط مفهوم المواجهة الإيديولوجيّة السّياسيّة مع الاستعمار والإمبرياليّة، وورثت الجماعات الدّينيّة الشّيعيّة (الخمينيّون) والسنّيّة (الإخوان المسلمون) شعارات التّحرّر الوطني و”النّضال” من أجل فلسطين. رفعت هذه الجماعات الدّينيّة شعارًا مشتركًا هو تحرير القدس. استخدمت إيران هذه الشّعارات لاختراق العالم العربي وممارسة الضّغوط لتأمين موقع أساسيّ لها في النّظام الإقليمي في الشّرق الأوسط، واستكمال برنامجها النّووي. تفاعلت الأنظمة العربيّة والإسلاميّة، وخاصّة تركيّا، مع هذه الشّعارات وفقًا لمصالحها مع الولايات المتّحدة. روّجت كلّ هذه الجماعات أمام الشّعوب العربيّة والإسلاميّة أنّ تحرير القدس، يعني تحرير فلسطين التّاريخيّة وإزالة إسرائيل من الوجود. فيما قامت خلف السّتار، بالتّكرار في المحافل الدّوليّة، أنّ الشّعار إنّما يقتصر على تطبيق القرار 242 (الأرض مقابل السّلام)، والذي يعتبر القدس أرضًا فلسطينيّة محتلّة.

الإخوان، حزب الله وإعادة تشكيل المشهد السّوري

بدأت تتساقط الأنظمة العربيّة، حاملة الفكر السّياسي للقوميّة العربيّة العلمانيّة، وسادت مكانها أنظمة تمسك بها تيارات دينيّة. شهدنا حرب الخليج الثّانية، وانهيار العراق، وقيام الفدراليّة الطّائفيّة فيه. سقطت مصر أمام الإخوان المسلمين لحوالي سنة تقريبًا. سقطت ليبيا، وكذلك السّودان، في فوضى مستمرّة حتى الآن. شهدت سوريّة حربًا أهليّة طاحنة، حصل خلالها حاكمها بشار الأسد على دعم الخمينيّين الإيرانيّين، مقابل ميليشيا الإخوان المسلمين المدعومين من تركيّا. وخضع لبنان إلى حكم حزب إيران فيه (حزب الله). ظلّت إسرائيل هدفًا مشتركًا للخمينيّين والإخوان المسلمين في كلّ هذه المحطّات.

استخدمت إيران شعار تحرير القدس لاختراق العالم العربي وممارسة الضّغوط لتأمين موقع أساسيّ لها في النّظام الإقليمي في الشّرق الأوسط، واستكمال برنامجها النّووي

ماذا حدث خلال هذه التّطوّرات؟

لاحظنا أنّ الأردن لم يتعرّض لتحرّك انقلابيّ إخوانيّ رغم قوّة وفعاليّة الإخوان فيه. كما أنّ حكم الإخوان المسلمين في مصر، سقط سريعًا. لماذا؟ باعتقادنا أنّ السّبب يعود إلى رفض إسرائيل قيام أنظمة للإخوان على حدودها، سواء في مصر أو الأردن. إسرائيل لا تثق بمثل هذا النّظام، وتعلم أنّه يخضع لتوجّهات تركيّة، وسوف تستخدمه الأخيرة لمصالحها في المنطقة لاحقًا في أيّ وقت. وبالفعل، تمّ إسقاط نظام الإخوان في مصر، والمجيء بنظام علماني صديق للغرب، ومخلص لاتّفاق السّلام مع إسرائيل.

استمرّت الأحداث في لبنان وسوريّة. كان حزب الله الإيرانيّ يحكم حركة الجماعات الإسلاميّة ضدّ إسرائيل. أخذ الإخوان المبادرة، ودفعوا بحماس للحلول مكان الحزب في هذا الدّور. دخلت غزّة في حرب مدمّرة، وبدأ دور حزب الله في جنوب لبنان بالتّراجع ليقتصر على دعم حركة حماس. ونحن نعلم النّتيجة: انهار الحزب والدّور الإيراني، وسقط بشّار الأسد، آخر زعيم عربي من مخلّفات الفكر السّياسي للقوميّة العربيّة العلمانيّة.

أمسك الإخوان بالسّلطة في دمشق. وقد شرحنا في مقالتنا السّابقة عن أجواء الانتقال إلى حكم الإخوان. اعتقدت الولايات المتّحدة وحلفاؤها العرب، أنّ دفع النّظام الإخوانيّ إلى عمليّة سلام مع إسرائيل، هو بطاقة خضراء تضمن للنّظام سيطرته على البلاد. لكنّهم تجاهلوا حقائق تاريخيّة ساطعة. إسرائيل لن تقبل نظامًا إخوانيًّا تديره تركيّا على حدودها. ثمّ أنّ واقع الأقليّات في سوريّة، هو أكثر تعقيدًا عمّا كان عليه الأمر في بلدان عربيّة أخرى شهدت ما سُمّي بالرّبيع العربي. حتّى أمين عام الأمم المتّحدة، كان قد رأى ذلك سابقًا، واقترح اعتماد النّموذج اللّبناني لحكم سوريّة. أخطأ العرب في تجاهلهم واقع لبنان في سبعينيّات القرن الماضي، واندفاعهم لدعم القضيّة الفلسطينيّة على حسابه. كما وأخطأ كمال جنبلاط عندما اندفع إلى مناصرة العروبة (النّاصريّة في حينه)، متجاهلًا الواقع الوطني في بلاده. ذهب لبنان إلى حرب أهليّة، وتحوّل ساحة حروب لأكثر من خمسين سنة. من المؤسف أنّ العرب يكرّرون هذا الخطأ في سوريّة حاليًّا. كما أنّ وليد جنبلاط، ابن كمال جنبلاط، يكرّر الخطأ باندفاعه نحو العروبة الإخوانيّة، متسبّبًا بتدمير النّسيج الوحدويّ الثّقافي للطّائفة الدّرزيّة.

اعتقدت الولايات المتّحدة وحلفاؤها العرب، أنّ دفع النّظام الإخوانيّ في سوريةإلى عمليّة سلام مع إسرائيل، هو بطاقة خضراء تضمن للنّظام سيطرته على البلاد. لكنّهم تجاهلوا حقائق تاريخيّة ساطعة. إسرائيل لن تقبل نظامًا إخوانيًّا تديره تركيّا على حدودها.

لا تستطيع الولايات المتّحدة تجاهل موقف إسرائيل مهما كانت أولويّاتها. الموقف الإسرائيلي لا يتعلّق بمزاج نتنياهو كما يُشاع، بل هو مسألة أمنيّة لا تتساهل إسرائيل فيها. لذلك كلّه، هناك مخرج واحد لهذا الواقع، فإمّا اعتماد الفدراليّة على غرار العراق كي يتابع النّظام الإخواني دوره القيادي في سوريّة، أو الاندفاع نحو حرب متشابكة أهليّة وإقليميّة، أو سقوط النّظام تحت مفعول تسوية تقيم نظامًا علمانيًّا صديقًا للولايات المتّحدة، يدفع نحو السّلام مع إسرائيل، ولا يعادي تركيّا وجيرانه العرب.

اقرا ايضا: «الحزب» يرفع السقف: لبنان رهينة السلاح.. وإيران ترسم حدود الاشتباك

السابق
«الحزب» يردّ وينفي نيته «التصادم مع الدولة»: أخبار مفبركة!
التالي
رسالة دعم غربية للجيش: مشروع جديد في سياق ما بعد الحرب