كشفت اللجنة الوطنية للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل السوري عن نتائج أولية صادمة بشأن ما جرى في يومي 7 و8 آذار/مارس من هذا العام، مؤكدة وقوع انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، وموضحة أن عدد القتلى بلغ 1426 شخصًا، بينهم مدنيون وعسكريون سابقون، إلى جانب عشرات المفقودين.

وجاءت هذه التصريحات خلال مؤتمر صحافي عقده المتحدث باسم اللجنة، المحامي ياسر الفرحان، الذي وصف ما جرى بأنه “أحد أكثر الأحداث دموية واضطرابًا في الساحل السوري خلال السنوات الأخيرة”، مع الإشارة إلى أن الانتهاكات وقعت على نطاق واسع، لكنها لم تكن منظمة بالكامل.
1426 قتيلًا و20 مفقودًا: أرقام مأساوية
قال الفرحان إن اللجنة تحققت من مقتل 1426 شخصًا خلال الأحداث، مشيرًا إلى أن القتلى يتوزعون بين مدنيين، عسكريين سابقين، وأفراد من الأجهزة الأمنية. كما أكد أن اللجنة تلقت معلومات موثوقة عن فقدان 20 شخصًا آخرين، بينهم مدنيون وعناصر في القوات الحكومية، لا يزال مصيرهم مجهولًا.
وأكد أن التحقيق اعتمد على شهادات شهود عيان، توثيق ميداني، وتحليل تسجيلات مصورة، إلى جانب تقارير طبية وأمنية مستقلة، ما أتاح تكوين صورة أولية دقيقة حول طبيعة الانتهاكات والمسؤولين المحتملين عنها.
انتهاكات فردية أم نمط منظم؟
لفت الفرحان إلى أن اللجنة توصّلت إلى أن “الانتهاكات رغم اتساع نطاقها، إلا أنها لم تكن منظمة بالمعنى العسكري أو الاستخباراتي الصارم”، بل نفّذها في كثير من الحالات أفراد وجماعات مسلّحة محلية تصرفت بشكل مستقل.
إقرأ أيضا: السويداء تلتقط أنفاسها.. وعودة التواصل الأمني السوري الاسرائيلي برعاية تركية
وأوضح أن بعض هؤلاء شكلوا “عصابات سلب ونهب”، مستغلين الفوضى الأمنية التي عمّت في المنطقة، فيما انتحل آخرون صفات عسكريين أو رجال أمن بهدف الحصول على مكاسب مادية وشخصية. وأضاف:
“وجدنا أدلة على أن بعض التصرفات ارتُكبت بدوافع شخصية أو ثأرية، لا أيديولوجية، رغم ما حملته بعض الروايات من توترات طائفية”.
الدوافع الطائفية: توتر ثأري لا مشروع أيديولوجي
تناول الفرحان المسألة الطائفية بتأنٍّ، مؤكدًا أن التحقيقات أظهرت أن “الخلفية الطائفية لبعض الانتهاكات كانت ثأرية وانتقامية، وليست قائمة على مشروع أيديولوجي أو تنظيمي منظم”.
وأشار إلى أن اللجنة تعاملت مع روايات وشهادات تنقل حالات تصفية ميدانية وخطف على أساس الهوية الدينية أو الجغرافية، لكنها لم تجد ما يثبت وجود أوامر مركزية أو توجيه سياسي مباشر يدفع نحو إبادة طائفية، كما رُوّج في بعض التقارير الأولية.
مستقبل التقرير: بانتظار القرار السياسي – القضائي
وأكد الفرحان أن ما قُدِّم في المؤتمر يمثل “ملخصًا قابلًا للتداول العام، ريثما تبت الرئاسة في كيفية التعامل مع بقية عناصر التقرير”، لافتًا إلى أن هناك ملاحق سرية تحتوي على أسماء المتورطين وشبكات الاتصال والارتباط، لا يمكن الكشف عنها حاليًا لأسباب أمنية وقضائية.
إقرأ أيضا: المرصد السوري: 39 مجزرة طائفية تودي بحياة 973 مدنيا في الساحل السوري
وشدد على أن التعامل مع التقرير سيأخذ بعين الاعتبار البُعد الحقوقي، القضائي، الأمني، والعسكري، وفقًا لما هو متّبع في آليات التحقيق الوطنية والدولية. كما دعا الجهات القضائية المختصة إلى فتح ملفات محاسبة فردية، وتحقيقات تكميليّة، مطالبًا بضمانات لحماية الشهود وأسر الضحايا.
ردود أولية: مطالبات بالمحاسبة.. ومخاوف من طي الملف
في الأوساط الحقوقية والمدنية، أثار إعلان اللجنة موجة من المطالبات بإجراء محاكمات علنية وعادلة للمتورطين، لا سيما أن الجرائم وثّقت بأدلة قوية، في حين عبّر آخرون عن خشيتهم من أن يُطوى الملف تحت عناوين “التهدئة الوطنية” أو “الوحدة المجتمعية” دون إنصاف الضحايا.
وأفادت مصادر حقوقية مستقلة أن التقرير “يمثل خطوة مهمة، لكنه يحتاج إلى ترجمة فعلية على الأرض”، محذّرة من أن الإفلات من العقاب سيزيد من هشاشة الوضع الأمني في الساحل السوري ويعمّق الانقسام المجتمعي.
هل تفتح السوابق الباب أمام العدالة؟
بينما يشكّل التقرير خطوة نادرة في الاعتراف الرسمي بحدوث انتهاكات جسيمة داخل الأراضي السورية من أطراف متعددة، تبقى الخطوة المفصلية في ما إذا كانت الدولة ستفتح تحقيقًا قضائيًا شفافًا ومحاسبة حقيقية، أم أن الظروف السياسية والأمنية ستدفع نحو “احتواء” القضية دون إنصاف فعلي.
الضحايا باتوا معروفين بالأسماء، والشهادات موجودة، لكن هل يوجد القرار السياسي للعدالة؟

