أنقلاب.. أم ثورة 14 تموز العام 1958 في العراق؟

وهو إنقلابٌ دمويٌ أسود عند البعض وثورةٌ خالدة عند البعض الآخر…..

حلت على العراق الذكرى الـ67 لثورة أو إنقلابٌ 14 تموز العام 1958، الحدث المفصلي الذي غيّر مجرى تاريخه الحديث، بإسقاط النظام الملكي الهاشمي وإعلان الجمهورية، في واحدة من أبرز محطات التحول السياسي والأجتماعي في المنطقة العربية.

قام “الضباط الأحرار”، وعلى رأسهم العقيدين عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف، بحركتهم بعد عقود من الحكم الملكي الهاشمي الذي أرتبط بنفوذ بريطاني واسع وسياسات إقتصادية واجتماعية أثارت سخط فئات واسعة من الشعب العراقي.

في ساعات الفجر الأولى من يوم 14 تموز، تحركت وحدات عسكرية عراقية من معسكراتها في إتجاه بغداد، حيث سيطرت على المرافق الحيوية وأذاعت بيان الثورة، معلنة سقوط النظام الملكي الهاشمي ومقتل العائلة المالكة وعلئ رأسها الملك فيصل الثاني وتنصيب العميد الركن عبد الكريم قاسم رئيسًا للوزراء والقائد العام للقوات المسلحة.

تأييد شعبي وتحوّل استراتيجي

وخرج آلاف العراقيين إلى الشوارع تأييدًا للثورة التي قوبلت أيضًا بدعم عربي واسع، فيما أعلنت الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا حالة الطوارئ في قواعدها العسكرية في المنطقة الشرق الأوسط ، تحسبًا لأي تحرك يهدد مصالحها.

بحسب المؤرخين، كان من أبرز أهداف الثورة إنهاء التبعية السياسية للغرب، وبناء نظام ديمقراطي جمهوري يعبّر عن إرادة الشعب، وتحقيق العدالة الإجتماعية والتنمية المستقلة.

وقامت حكومة الثورة بإلغاء حلف بغداد، وإعتماد سياسة الحياد الإيجابي، وتوقيع أتفاقيات تعاون مع الإتحاد السوفياتي ودول المعسكر الشرقي، إضافة إلى دعم حركات التحرر العربية، وعلى رأسها الثورة الجزائرية والقضية الفلسطينية.

إصلاحات داخلية عميقة

على المستوى الداخلي، شهد العراق تغييرات جذرية أبرزها:

  • إصدار قانون الإصلاح الزراعي وإنهاء هيمنة الإقطاع.
  • تحرير الأقتصاد الوطني من التبعية البريطانية، وفك أرتباط الدينار العراقي بالإسترليني.
  • إصدار قانون الأحوال الشخصية الذي منح المرأة العراقية حقوقًا غير مسبوقة.
  • تعزيز التعليم، من خلال بناء المدارس والمعاهد وزيادة عدد البعثات العلمية إلى الخارج.
  • إقرار حرية العمل السياسي والنقابي، وإجازة مئات الجمعيات والأحزاب السياسية .

كما حررت الثورة أكثر من 99% من الأراضي النفطية غير المستغلة من سيطرة الشركات الأجنبية بموجب القانون رقم 80 لعام 1961، وهو ما اعتُبر تمهيدًا لتأميم النفط في عقد السبعينيات.

صراعات داخلية… ونهاية دامية

رغم الإنجازات، لم تكن الثورة بمنأى عن الأنقسامات داخل صفوفها، خصوصًا بين قادتها الرئيسيين عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف، ما أدى إلى صراعات سياسية وعسكرية إنتهت بانقلابات لاحقة، كان أبرزها إنقلابٌ شباط العام 1963. الذي أودى بحياة عبد الكريم قاسم، وأنهى المرحلة الأولى من النظام الجمهوري.

لا يزال الجدل قائمًا حول توصيف الحدث: هل كانت “ثورة شعبية وطنية”، كما يرى مؤيدوها، أم “انقلابًا عسكريًا” كما يصفها البعض من خصومها؟ غير أن ما تجمع عليه معظم الدراسات أن 14 تموز مثّلت نقطة تحول حاسمة أنهت الحكم الملكي الهاشمي وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من السيادة الوطنية والتحولات الإجتماعية و الأقتصادية في العراق.

إرث مستمر

وبعد مرور أكثر من ستة عقود على الثورة، لا تزال آثارها حاضرة في الذاكرة العراقية، وفي القوانين والمؤسسات التي أرستها، وفي الجدل الوطني حول الدولة، والهوية، والعدالة، والسيادة.

وبين من يراها لحظة خلاص، ومن يعتبرها بداية لأنقسامات لاحقة، تبقى ثورة 14 تموز حدثًا مؤسسًا لا يمكن تجاوزه في أي قراءة جادة لتاريخ العراق المعاصر والحديث.

إقرأ أيضا: محام من «البيئة» يدعو إلى قتل المعارضين الشيعة.. أين نقابة المحامين؟

السابق
من الرابح في حرب جبل العرب في سورية؟
التالي
دمشق تعلن نجاح «وقف إطلاق النار» في السويداء.. تمهيدًا لعودة الاستقرار