في تطوّر لافت ومقلق، يبدو أن بعض افراد بيئة حزب الله تأثروا بخطاب التخوين السياسي ضد خصومه داخل الطائفة، ورفعوا منسوب الاتهامات المغرضة لتبلغ عتبة الدعوة إلى الكراهية والتصفية المعنوية، وربما الجسدية، على لسان من يُفترض أن يكون صوت القانون: محامٍ منتسب إلى نقابة المحامين في لبنان!
منشورات تنفث الكراهية: حين يتقمّص المحامي دور الجلاد
في منشور علني على صفحته في «فيسبوك»، دعا المحامي محمد خضر (كما يعرف عن نفسه في صفحته في الفيسبوك) من وصفهم بـ«أبناء بيئة المقاومة» إلى فضح كل من يخالفهم الرأي أو ينتمي إلى توجه سياسي مختلف، متهمًا شخصيات معروفة، منها الدكتور وجيه قانصوه الصحافي ساطع نور الدين والعلامة السيد علي الأمين والصحافي علي الأمين والصحافي داوود رمال ، بأنهم «يزيديّون بالفعل والممارسة»، في تلميحٍ طائفي فجّ يحفّز على الإقصاء والشيطنة.

وفي منشور ثانٍ لا يقل خطورة عن سابقه، وصف محمد خضر صحافيَّين لبنانيَّين بأنهما «من شيعة بني آل سفيان»، في استدعاء طائفي فجّ لجذور الصراع التاريخي بين الشيعة والسنّة، ليُكمل بعدها بوصفهما بأنهما «ينفثان حقدهما على سادة الشيعة وبيئة المقاومة»، متّهمًا إياهما ضمناً بالخيانة والانحراف العقائدي.
لكن التصعيد الأخطر كان في استخدام لغة التكفير والتهديد الوجودي، حين تساءل: «هل أنتما فعلاً من جنس البشر؟ أم من صنف آخر من المخلوقات الهجينة؟ وهل أنتما حقًا مسلمان؟ أم من عبدة الشيطان؟».
لا يكتفي محمد خضر بالتخوين، بل يتجاوز ذلك إلى الطعن بهويتهما الدينية، متسائلًا إن كانا «مسلمين حقًا أم من عبدة الشيطان». هذه العبارات، إضافة إلى وصمهما بأنهما «من شيعة آل سفيان»، تحمل أبعادًا طائفية خطيرة وتُلامس حدود ازدراء الدين والتحقير الطائفي، ما يجعل هذه الاتهامات الاعتباطية قابلة للملاحقة بموجب القانون اللبناني الذي يُجرّم إثارة النعرات والمساس بالشعائر والانتماءات الدينية.

هل تتحرك النيابة ونقابة المحامين؟
وفي اتصال مع المحامي محمد مطر، صرّح لجنوبية بالقول: «يمكن تقديم دعوى أو إخبار أمام النيابة العامة بجرم القدح والذم والتهديد والتشهير»، وأضاف: «يمكن اللجوء إلى القانون الجنائي وقانون المطبوعات لأن المنشور يتعلق أيضًا بمحتوى تلفزيوني»، وأشار إلى أن الدولة لا تتحرك من تلقاء نفسها مما يستوجب تقديم إخبار بحق صاحب المنشور.
أما عن نقابة المحامين، كون محمد خضر يعرف عن نفسه بأنه محامٍ، فيعلق مطر بالقول: «يمكن أيضًا تقديم شكوى أمام نقابة المحامين أو عريضة للنقابة بأن الشخص المذكور أي محمد خضر يهدد السلم الأهلي وسلوكه ليس سلوك محامي». وأضاف المحامي محمد مطر، «إذا كان صاحب المنشور يعرف عن نفسه بكونه محاميًا، وفي حال ثبوت عدم إدراج اسمه على لوائح النقابة فهذا يعد جرمًا آخر».

المادة 80 من قانون المهنة: لا حصانة لمن يخرق الشرف المهني
ونقلًا عن مصدر قانوني آخر، فإن اللغة التهديدية والعدوانية في المنشور المذكور تتعارض مع الموجبات المفروضة على المحامي، والمتصلة بالقيم التي يجسدها قسم المحاماة، وفي مقدّمها الالتزام بالتصرف بما يوحي بالثقة والاحترام، ليس في معرض ممارسة المهنة فحسب، بل في جميع الأعمال والسلوكيات. كما تشمل هذه القيم الامتناع عن نشر ما يخالف الأخلاق والآداب العامة.
وأشار المصدر القانوني بعد اطلاعه على محتوى المنشور إلى أن «هذه الأفعال تتعارض مع ما تنص عليه المادة 80 من قانون تنظيم مهنة المحاماة، التي تلزم المحامي بالتقيّد بمبادئ الشرف، والنزاهة، والالتزام بالقانون، فضلاً عن مقتضيات نظام آداب مهنة المحاماة ومناقب المحامين الذي يشدد على ضرورة التحلي بحسن التصرف، والتواضع، والرزانة، والامتناع عن أي سلوك من شأنه المساس بالشرف والكرامة، في جميع علاقاته وتعاملاته مع الآخرين».
ويتابع المصدر القانوني تفسيره، بالإشارة إلى أن أي انتهاك لهذه القيم والأخلاقيات يقتضي تحريك الملاحقة التأديبية التي يُفترض أن تؤدي إلى فرض العقوبات المناسبة على المخالف، وذلك بمعزل عن العقوبات الجزائية التي قد تنتج عن ملاحقات بجرائم القدح والذم والتهديد بالقتل. وختم المصدر القانوني: «لا يمكن التذرّع بأي حصانة قانونية للحؤول دون ذلك، إذ إن الحصانات لا تُمنح إلا بقدر احترام موجبات السلوك القانوني والأخلاقي الذي يفرضه القانون».
من الرأي إلى الخطر الوجودي!
المنشور الذي يستعمل لغة التخوين والوصاية على الانتماء الطائفي، يعكس خطرًا متزايدًا يتمثل في تحويل الاختلاف السياسي إلى تهمة خيانة، وهو ما يُهدد السلم الأهلي ويعمّق الانقسامات في مجتمع مأزوم أصلًا، كما ويهدد حياة المذكورين ويعرضهم للخطر المحتمل في حياتهم اليومية وفي قراهم وعملهم وتنقلاتهم من أصحاب النفوس الصغيرة والعقول الضيقة.
هذا التحريض العلني بهذا الشكل لا يُمثّل فقط تعديًا على حرية التعبير، بل يُشجّع على العنف الرمزي وربما الفعلي ضد أفراد وجماعات، فقط لأنهم يرفضون السير في الخط السياسي الذي يريده البعض. فهل تبقى هذه المنصّات بلا حسيب أو رقيب؟ وهل يمكن أن يتحوّل الخلاف في الرأي إلى دعوة مفتوحة «لعدم ترك الخصوم يتكاثرون»؟ أسئلة برسم الدولة الواجب عليها عدم التهاون في هذه المسألة.

من خطاب الكراهية إلى ازدراء الدين!
هذه العبارات تتجاوز حرية الرأي بمراحل، وتدخل في دائرة ازدراء الدين، والتحقير الطائفي، والتحريض على العنف الرمزي والمعنوي، ما يشكل انتهاكًا واضحًا لقانون العقوبات اللبناني من جهة، ولقيم التعددية والعيش المشترك من جهة أخرى.
الخطير في مثل هذه الخطابات ليس فقط مضمونها، بل تموضعها داخل بيئة تبررها وتروّج لها، ما يجعلها قادرة على التأثير الفعلي في الشارع والتحريض على الفتنة والانقسام.
هل يُحاسَب المحامي حين يُحرّض؟
المنشور لا يُعدّ فقط تعبيرًا عن رأي شخصي، بل يمثل خرقًا واضحًا لأخلاقيات مهنة المحاماة التي تُلزم المحامي بالحفاظ على كرامة المهنة، واعتماد لغة رصينة، والامتناع عن التحريض أو التشهير أو بث الكراهية.
نقابة المحامين في لبنان، سواء في بيروت أو طرابلس، تملك الصلاحية في فتح تحقيق تأديبي بحق أي محامٍ يخرق قواعد السلوك المهني. ويُمكن أن تترتب على ذلك إجراءات عقابية تتراوح بين التوبيخ، والتوقيف المؤقت عن العمل، وصولًا إلى الشطب النهائي من جدول النقابة في الحالات الجسيمة.
لكنّ المسألة لا تقف عند حدود المهنة. فالتحريض العلني على فئة من الناس، وخاصة حين يقترن بالتخوين والدعوة إلى «منعهم من التكاثر»، قد يدخل ضمن الجرائم المُعاقب عليها في قانون العقوبات اللبناني، لا سيما تلك المتعلقة بالتحريض على القتل وإثارة الفتنة، ما يفتح الباب أمام المتضررين لتقديم شكاوى قانونية تدفع بالنيابة العامة للتحرك.
يبقى السؤال: هل تُحاسب نقابة المحامين أحد أعضائها حين يتورّط في التحريض العلني، أم أن الحصانات السياسية والطائفية أقوى من المعايير الأخلاقية والمهنية؟ سؤال برسم النقابة، والقضاء، والرأي العام.

