أحمد الشرع وتحدي توحيد سوريا بين الداخل المليشيوي والتدخل الخارجي

جاد الاخوي

رغم أن شخصية أحمد الشرع، المعروف بـ”أبو محمد الجولاني”، قد خضعت لتحولات جذرية من قيادي جهادي إلى فاعل سياسي، ورغم إشارات الإعجاب التي تلقاها من قادة إقليميين ودوليين مثل الرئيس الأميركي دونالد ترامب وبعض قادة الخليج وأوساط أوروبية، فإن مشروعه لتوحيد سوريا يواجه تحديات بنيوية وجيوسياسية تجعل مهمته أقرب إلى إعادة تشكيل المستحيل منها إلى تنفيذ خطة إصلاح.

أولاً: الاعتراف الخارجي لا يساوي شرعية داخلية

الإعجاب الغربي والخليجي بأداء الشرع في السنة الأخيرة لا يعني بالضرورة منحه صكّ شرعية شامل. هذا الإعجاب ينبع من براغماتية سياسية: الرجل الذي كان يُصنف في خانة “التطرف” بات يطرح خطابًا وطنيًا أكثر واقعية، ويعمل على ضبط الأمن وتقديم نموذج حكم أكثر انتظامًا مقارنة بالفوضى المحيطة. لكن هذا لا يعوّض غياب التوافق السوري الداخلي على شخصه ودوره، خاصة في ظل تحفظات فئات واسعة من النخب السياسية والعسكرية التقليدية، والأقليات الدينية، وحتى من خصومه الإسلاميين.

ثانيًا: سجل دموي يعمّق الانقسام الوطني

أحد أخطر العوائق أمام مشروع الشرع يتمثل في سجل الانتهاكات التي ارتكبتها قواته ضد مكونات أساسية من الشعب السوري. فخلال مراحل الصراع، تورطت فصائل تتبع له أو تحالفت معه بأعمال انتقامية واستهداف مباشر للعلويين والمسيحيين والشيعة والدروز، فضلًا عن عمليات تطهير ديني ومذهبي في بعض المناطق. ورغم تراجعه إعلاميًا عن هذا النهج، إلا أن ذاكرة السوريين المثقلة بالدم والانقسام لا تزال تقف سدًا منيعًا أمام أي تصور لوحدة وطنية حقيقية بقيادته. فالثقة لا تُمنح بالخطب بل تُبنى عبر الاعتراف بالخطايا والاعتذار عنها ومحاسبة المرتكبين.

لإعجاب الغربي والخليجي بأداء الشرع في السنة الأخيرة لا يعني بالضرورة منحه صكّ شرعية شامل.

ثالثًا: التفكك العسكري والمليشيوي ينسف مشروع الدولة

المعضلة الأكبر أمام الشرع تكمن في البنية العسكرية والأمنية التي يستند إليها. القوى المسلحة التي تعمل تحت قيادته – سواء هيئة تحرير الشام أو تشكيلات أخرى منضوية ضمن حكومة الإنقاذ – لا تزال تتصرف بمنطق “الفصيل”، وليس بمنطق “الجيش الوطني”. افتقاد هذه القوى للعقيدة العسكرية الموحدة، والانضباط المركزي، ومبدأ الاحتكار الحصري للعنف، يعني أن أية محاولة لبناء دولة ستكون معرضة للانهيار من الداخل قبل أن تصطدم بالمخاطر الخارجية.

رابعًا: تركيا وإسرائيل بين الحذر والمصالح

تركيا، التي لعبت دورًا مركزيًا في إعادة هندسة الخارطة الميدانية في الشمال السوري، لن تقبل بسهولة بقيام كيان سوري مركزي قوي على حدودها يهدد مصالحها الأمنية والعرقية، خاصة في ما يتعلق بالملف الكردي. أما إسرائيل، فهي أكثر ارتياحًا لوضع سوري مجزأ وهشّ، يضمن أمن حدودها ويمنع إعادة بناء دولة معادية أو داعمة لمحور المقاومة. وبالتالي، فإنّ دعم الشرع ولو من باب “الاستثمار في الواقع”، لا يعني أن هاتين القوتين ستتغاضيان عن مشروع توحيد سوريا، بل قد تسعيان لإفراغه من مضمونه عبر الإبقاء على حالة السيطرة الإقليمية المتقاطعة.

خامسًا: التحدي الحقيقي هو بناء مؤسسات

نجاح الشرع في كسب الاعتراف أو دعم بعض العواصم لا يساوي بناء دولة. التحدي الأكبر هو قدرته على إعادة تشكيل بنية مؤسساتية تشمل قضاء مستقل، وإدارة مدنية محترفة، وأجهزة أمنية تخضع للمساءلة. هذا لا يمكن تحقيقه في ظل منطق الغلبة العسكرية ولا بمنطق الثأر من خصوم الأمس. فالدولة لا تُبنى على قاعدة “المنتصر”، بل على قاعدة “المشاركة”، مهما كانت طبيعة التنازلات المؤلمة.

ختامًا: الواقعية السياسية شرط للنجاح

أحمد الشرع يمتلك فرصة، لكنها محفوفة بالمخاطر. نجاحه مرتبط بقدرته على تجاوز تاريخه الجهادي فعلاً لا قولًا، ودمج القوى العسكرية في مؤسسة وطنية محترفة، والانفتاح على جميع مكونات الشعب السوري من دون إقصاء أو استثناء. كما يتطلب الأمر قدرة على التعامل البراغماتي مع القوى الإقليمية، لا بالمواجهة معها ولا بالخضوع لها، بل بتحقيق توازن مصالح يحمي استقلالية القرار السوري.

نجاح الشرع في كسب الاعتراف أو دعم بعض العواصم لا يساوي بناء دولة. التحدي الأكبر هو قدرته على إعادة تشكيل بنية مؤسساتية تشمل قضاء مستقل، وإدارة مدنية محترفة

في لحظة تراجعت فيها البدائل الوطنية، قد لا يكون الشرع خيارًا مثالياً، لكنه قد يكون فرصة انتقالية إذا ما قُدّر له أن يتحول من قائد فصيل إلى رجل دولة. والأمر في النهاية، مرهون بقدرته على الفعل لا بالشعارات، وعلى ضبط الفوضى لا إدارتها، وعلى المصالحة لا الثأر.

اقرا ايضا: لماذا تعارض اسرائيل دخول «جيش الشرع» الى السويداء؟

السابق
بعد 41 عامًا خلف القضبان… القضاء الفرنسي يفرج عن جورج عبد الله
التالي
سوء فهم!