بينما انشغل اللبنانيون بالانتخابات البلدية ونتائجها، انشغل العالم بالزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الاميركي ترامب الى دول الخليج، وعلى رأسها المملكة السعودية.
أطلقت هذه الزيارة التاريخية رياح التغيير والتفاؤل. يبدو انه زمن عربي جديد وواعد ومنفتح على المستقبل، وسينعكس على المنطقة العربية واستقرارها، في ظل القيادات الخليجية الشابة، وعلى رأسها القيادة السعودية. وظهرت تباشير ذلك مع الأداء المنسجم والتعاوني للمنظومة الخليجية ككل. فزمن الخلافات أصبح من الماضي.
الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية التي عقدت، في مجال الأمن والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والنووي والفضائي، بالغة الاهمية. هي جميعها تشاركية وعبارة عن توظيفات استثمارية بمليارت الدولارات، مثمرة لكلا البلدين، وستوفر مئات آلاف الوظائف.
ان الفرصة التاريخية التي شكلتها الزيارة، وما نتج عنها من فرص شراكات تاريخية، كان يمكن ان تكون إيران جزءاً منها، لولا خياراتها في الهيمنة
أما المفاجأة الترامبية، فكانت رفع العقوبات عن سوريا، برغبة من الأمير بن سلمان، وطلب من الرئيس التركي؛ ما سيحمّلهما عبء مسؤولية سيرورة الأمن والاستقرار للدولة السورية. كما يسمح بإقامة توازن في النفوذ العربي في سوريا مقابل نفوذ تركيا. وسوياً يوازنان ويحدّان من التدخل الاسرائيلي.
إقرأ أيضا: أسرار الانهيار المالي في لبنان.. الجريمة المدروسة والمكافآت الخيالية للسارقين
ومن المفيد هنا الإشارة الى ملاحظة الرئيس ترامب، التي تمنى فيها “ان يساعد ذلك سوريا البقاء كدولة”. وفي هذا ما يوحي بأن ترامب لا يرغب برؤية سوريا مفككة. كما انه يقضي على كل أمل لإيران بتخريب الوضع في سوريا، أو في استعادة نفوذها فيها.
المفاجأة الترامبية، فكانت رفع العقوبات عن سوريا، برغبة من الأمير بن سلمان، وطلب من الرئيس التركي؛ ما سيحمّلهما عبء مسؤولية سيرورة الأمن والاستقرار للدولة السورية
أما لبنان الذي غاب عن هذه الفرصة التاريخية، ظل حاضراً بقوة في النقاشات وفي أحاديث ترامب وبن سلمان. فلقد ذكره على لسان الرئيس الاميركي عدة مرات، ما يبرز اهتمامه ودعمه للبنان. لكن الأمر تطلب منه التنبيه الى ضرورة الاستعجال في استكمال ما طُلب من لبنان تنفيذه دون تأخير. إذ قال: ” يمكن للرئيس اللبناني بناء دولة بعيداً عن الحزب”. هذه ال”يمكن” تترك للشك موضعاً حول الأداء اللبناني حتى الآن. وربما تفسر عدم حضور لبنان في الرياض جسدياً.
قال الرئيس الأميركي بوضوح، ان “لبنان لديه فرصة للتحرر من قبضة حزب الله، وأن بإمكان الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس الوزراء نواف سلام بناء دولة جيدة مستقرة تعيش بسلام”.
إن تأكيد الرئيس الأميركي مرات عدة على ان: ” لدى لبنان فرصة لبناء دولة حقيقية بعيدا من قبضة حزب الله إذا نجحت مساعي الرئيس اللبنانيّ ورئيس الوزراء”. مرة اخرى تدل ال “هذه” أيضاً أنها تعني ان جهود بناء الدولة تأخرت ولم تنجح بعد، خصوصاً عندما لفت الى ان “فرصة لبنان تأتي مرة في العمر ليكون مزدهراً وفي سلام مع جيرانه”.
لبنان الذي غاب عن هذه الفرصة التاريخية، ظل حاضراً بقوة في النقاشات وفي أحاديث ترامب وبن سلمان. فلقد ذكره على لسان الرئيس الاميركي عدة مرات، ما يبرز اهتمامه ودعمه للبنان
فهل سنغتنم هذه الفرصة؟ وهل لو كان لبنان قد سرّع من خطواته في حصر السلاح بيد الدولة شمال الليطاني، لكان اختلف الأمر وشارك في القمة التاريخية!؟
أم اننا سنفوّت هذه الفرصة التاريخية المتاحة؟
وحظوظ ذلك لا بأس بها، فلنذكّر ان الرئيس ترامب لم يحمّل الحزب وحده مسؤولية تدهور الوضع خلال الفترة الماضية، فهو حمّل المسؤولية على (proxies) حلفائه أيضاً. والدليل على تواطؤ المشاركين في الحكم مع الحزب، تحالفهم معه في الانتخابات البلدية، بالرغم كلامهم عن ادانة رفض عدم تسليمه للسلاح؟
ما يعني انه للتحرر من قبضة حزب الله، يجب التصدي لمن شارك في إيصاله الى وضع اليد على لبنان، ويتحالف معه. من هنا ضرورة محاربة الفساد، والقيام بالإصلاح الاقتصادي والمالي والإداري، بنفس الوقت الذي يضبط فيه السلاح. حينها يصبح بإمكان الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام بناء دولة سيدة ومستقرة تعيش بسلام.
الأمر الملفت أيضاً في هذه الزيارة، فيما عدا الاتفاقيات الاستثمارية الكبرى بالمليارات، قول ترامب: انه لم يأت ليعطي دروساً في كيفية العيش، بمعنى قبوله للثقافة المحلية دون الحكم عليها. وهذا التصريح ينم عن موقف يختلف جذرياً عن نوع التعاطي التقليدي – الغربي عموماً، والاميركي خصوصاً، مع العرب والخليجيين كأصحاب ثقافة أقل تحضراً، وكبدو راكبي يركبون الجمال ويسكنون الخيم. وفيه ابتعاد عن الموقف المتعالي والذي يتعامل مع العرب انطلاقاً من كليشيهات نمطية معتادة. ويتبنى هذا الموقف حتى الممانعون واليسار عموماً، ويصفون العرب تسمية محقِّرة، فيطلقون عليهم “الاعراب” او العربان، كمحاولة للتحقير. ورحم الله السيد نصرالله الذي استخدمها أيضاً.
الأمر الملفت أيضاً في هذه الزيارة، فيما عدا الاتفاقيات الاستثمارية الكبرى بالمليارات، قول ترامب: انه لم يأت ليعطي دروساً في كيفية العيش، بمعنى قبوله للثقافة المحلية دون الحكم عليها
ترامب يأتي ليتعامل مع من التقاهم من موقف ندّي، يتعارض مع من لا يزال يتعامل مع الخليج على انه مجرد حقيبة مال يشتري بها رضى الاميركي.
ان الفرصة التاريخية التي شكلتها الزيارة، وما نتج عنها من فرص شراكات تاريخية، كان يمكن ان تكون إيران جزءاً منها، لولا خياراتها في الهيمنة، وتصدير ثورة التهمت حتى ابناءها وقوّضت بلاداً كانت مزدهرة.
إقرأ أيضا: عن مسؤولية الحوثيين والإيرانيين في إفناء غزة!
مع ذلك يمد الرئيس الأميركي يد الصداقة للنظام الإيراني فيما لو رغب بذلك.
كل ذلك إن دل على شيء، فعلى أهمية العلاقات الشخصية، وبالتالي أهمية الاشخاص الموجودين في قيادة مجتمعاتها نحو آفاق التطور والنمو والسلم. المنطقة تتغير هذه المرة على أيدي قادتها.
وأتمنى ان نستطيع من اللحاق بهذا التغيير الآتي.

