نظم “منتدى جنوبية” بمقره في بيروت أمسية رمضانية أمس الجمعة، تناولت “تحولات المشهد السياسي في سوريا من وجهة نظر عربية”، استضاف فيها الكاتب الصحفي الكويتي حامد الحمود.
حضر الندوة عدد من الادباء والمثقفين اللبنانيين والعرب، اضافة الى نخبة من الناشطين المدنيين المهتمين بالشأنين السوري واللبناني.
قدم الندوة رئيس تحرير موقع “جنوبية” الصحافي علي الأمين، فقال” يسرنا ان نستضيف في هذه الندوة عن التحولات في المشهد السياسي في سوريا من وجهة نظر عربية، الدكتور حامد حمود الكاتب السياسي من دولة الكويت الشقيقة، وهو من الذين درسوا في الجامعة الأميركية في بيروت حتى عام 1973 وأكمل دراسة الهندسة في جامعة ميشيغن في الولايات المتحدة الأميركية، ثم حصل على إجازة دكتوراه في الاقتصاد من إنكلترا. وقد أصدر عدة كتب، ثم عمل في الصناعة النفطية في الكويت، وأسس شركة مقاولات وعمل مستشاراً بوزارة التربية في بلده، وكتب في صحف كبرى منها القبس والنهار اللبنانية، والحياة الخليجية.

يتحدث الدكتور حامد اليوم عن التحولات في سوريا، وهو كان قد زار دمشق أخيراً بعد التغيير الكبير الذي حدث فيها، ورصد التحولات التي جرت في سوريا، داخلياً وكذلك بالنسبة للمنطقة ودول الجوار ومنها لبنان.
الدكتور حامد الحمود
بدوره تحدث الدكتور الحمود فقال “يشرفني لقاؤكم ودعوتكم الكريمة، فالحديث عن سوريا يشدنا الى الحديث عن التطرف الديني الذي ينشأ بسبب ظروف سياسية معيشية، وهو ازدهر بعد حرب عام 1967 عندما انحسر الفكر القومي، وبدأت تظهر الأحزاب الدينية، حتى في إسرائيل، فإن حزب العمل هو من أسس الدولة الصهيونية، ثم بدأت بعد حرب 1967 تتوجه نحو الدين أكثر باعتبار أن الله نصرهم، في حين أن توجه المسلمين هو أن الله خذلهم لأنهم ابتعدوا عن الدين”.

واضاف:”بعد الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 قامت الحركات السلفية السنية كردة فعل عليها، وقد ظهرت القاعدة بسبب الاحتلال الروسي لأفغانستان ، كما ظهرت داعش بسبب الاحتلال الأميركي للعراق”.
واكد ان “الحديث عن سوريا يشدنا الى الحديث عن التطرف الديني الذي ينشأ بسبب ظروف سياسية معيشية، وهو ازدهر بعد حرب عام 1967 عندما انحسر الفكر القومي، وبدأت تظهر الأحزاب الدينية”
بالنسبة لسوريا، تابع الحمود، “فقد زرتها مرتين بعد سقوط النظام وذهبت إلى دمشق وإلى السويداء، ولأن والدتي شامية فإنه لدي علاقات قومية وكثيرة في سوريا، واعتبرت أنه لا بد من احترام الأقليات، لأن اضطهادهم عبر التاريخ ولّد لدى العلويين الشعور بالظلم، استغله النظام السابق الظالم الذي أساء بدوره لتاريخ العلويين السوريين الوطني.”
ويشهد الحمود ان “سقوط النظام السوري في 8 ديسمبر 2024 كان مفاجئاً للكل، وفي السؤال عن سبب انهيار نظام الأسد بهذه السرعة، فإنه لا بد من القول، أن السبب الرئيسي هو تخلي إيران وروسيا عنه، إلى جانب عدم جهوزية الجيش السوري للمواجهة بسبب الفساد المتفشي في صفوفه والضائقة الاقتصادية التي جعلت من أفراده يلهثون وراء لقمة عيشهم. وكان مجمل الشعب السوري يعيش حياة مذلة تحت تهديد القمع والتعذيب في السجون”.
ويرصد الحمود التغيير في سوريا بقوله “بعد عودتي من سوريا إلى الكويت كتبت مقالاً عنوانه “هل أنا في الشام أم أنا أحلم”، لأنني كنت قد فقدت الأمل بسقوط النظام، وكنت أتمنى أن يذهب الأسد ويجتمع بأردوغان، كي يحل الأزمة في سوريا، وتكون شراكة بينه وبين المعارضة السورية”.

ويلفت الحمود انه كتب مقالا بعنوان “هل يمكن للسلفية الجهادية أن تقود إلى الديمقراطية”، عرض فيه لأنواع السلفية، يقول فيه ان “مشكلة الحركات الدينية أنها تفتقر إلى الثقافة، فمرجعيتها القرآن والحديث، وأنا أعتقد أن الإنسان الذي يستقي فكرة من كتب دينية حصرا، سوف يصاب بخلل ذهني، لأنه يجب أن تتنوع قراءات الإنسان كي ينفتح على الآخرين ويفهمهم، ولكن حسب ما عرفت بالنسبة للتحولات الأخيرة في سوريا، قال لي أحد المطلعين السوريين أنه لا بد للجماعة الحاكمة في سوريا الآن من التغيير، وسوف يتغيرون لأنهم كانوا معزولين قبل دخولهم العاصمة والمدن السورية، وهم الآن أصبحوا يخالطون الجميع وكانوا قبلا لا يعرفون طبائع جميع الفئات، وأنا شخصياً وجدت ولمست هذا الانفتاح في زيارتي الأخيرة قبل ايام الى سوريا خلال شهر رمضان، ووجدت عدداً من المطاعم تعمل في النهار وتبيع مأكولات في دمشق، وهي ظاهرة ملفتة وصحية تدل على تسامح حكومة أحمد الشرع بعدم فرضها الصيام والشريعة وأحكامها بالقوة”.
ولاحظ الحمود ان من الناحية التربوية في سوريا، “فإن المدارس العلمانية الخاصة تحظى بالصدارة، حتى أن أبناء أحمد الشرع يتعلمون في إحدى هذه المدارس”.
حامد الحمود: سقوط النظام السوري في 8 ديسمبر 2024 كان مفاجئاً للكل، وفي السؤال عن سبب انهيار نظام الأسد بهذه السرعة، فإنه لا بد من القول، أن السبب الرئيسي هو تخلي إيران وروسيا عنه، إلى جانب عدم جهوزية الجيش السوري للمواجهة بسبب الفساد المنتشي في صفوفه والغارقة الاقتصادية التي جعلت من أفراده ملتهون وراء لقمة عيشهم. وكان مجمل الشعب السوري يعيش حياة مذلة تحت تهديد القمع والتعذيب في السجون

ويستدرك الحمود بقوله ” أنا لا أقول أن سوريا سوف تحل مشاكلها سريعاً، وقد تحدثت مع أكثر من مصدر وتألمت بالنسبة لما جرى من أحداث مؤلمة في الساحل السوري مع سقوط عدد كبير من القتلى المدنيين في صفوف العلويين، وقد سمعت أرقاماً متفاوتة، بعضها تحدث عن ألف ضحية، وبعضهم قال لي أنه قُتل 15 ألف ضحية قتلوا بأعمال انتقامية أغلبيتهم مدنيين، ولكن أقرب شيء للصحة هو رقم ما بين ألف وألفين ضحية”.
الحمود: أنا أعتقد أن الإنسان الذي يستقي فكرة من كتب دينية سوف يصاب بخلل ذهني، لأنه يجب أن تتنوع قراءات الإنسان كي ينفتح على الآخرين ويفهمهم
وتعليقا على زيارته الى منطقة السويداء،، لاحظ الحمود “أن هناك تشاؤماً لدى الشباب بسبب الضغوطات الأمنية والاقتصادية التي يتعرضون لها، وصل بالبعض منهم إلى التفكير بالعمل في إسرائيل بسبب الإحباط وضيق الحال، وهو ليس خيانة منهم ولا منقصة بحب وطنهم، ولكن بسبب حالة اليأس التي يعيشونها، وهذا الطرح طبعاً لن يتحقق عملياً بسبب التاريخ الحافل للسويداء في النضال والجهاد دفاعاً عن القضايا العربية”.
وانهى الاستاذ حامد الحمود مطالعته بإبداء تفاؤله بالقادم من الايام قي سوريا، مع انه “لا يمكن أن يتم إنقاذها من أزماتها دون دعم خليجي، عن طريق توظيف استثمارات اقتصادية واقامة شراكة سياسية مع دمشق، فدول الخليج يجب ان تستثمر وتستفيد في الوضع السوري الجديد، الذي يجب أن يحظى بالدعم الدولي كذلك”.

مداخلات
الشاعرة نوال الحوار
بعد مطالعة الاستاذ الحمود اعلاه، جرت بعض المداخلات تحدثت فيها الشاعرة نوال الحوار، ولفتت “إلى أن المملكة السعورية عندما عزمت على الانفتاح على العالم في العهد الحالي، تخلصت من تأثير السلفية على المجتمع وزجت بالمتطرفين منهم في السجون”، غير سوريا حسب رأيها، “انتقلت من سجن علماني مع النظام السابق، إلى سجن سلفي مع النظام الحالي”.
وحذّرت الحوار من خطر التقسيم، “فاذا كان شمال سوريا وشرقها تتقاسمها “قسد” والمليشيات الموالية لتركيا، فان الجنوب السوري اصبح تحت الاحتلال الإسرائيلي، ودخلنا في المجهول”!
د. حارث سليمان
بدوره الدكتور حارث سليمان أكد “أن نظام الأسد في سوريا كان من أسوأ الأنظمة في العالم، وبالتالي الخير فيما وقع، ثانياً نحن ضد السلفية والدولة الدينية، ولا نثق بنشاط رجال الدين السياسي على كافة مذاهبهم. وعن علاقة الأقليات بالأكثرية السنية في سوريا، فإن عكس ما يشاع هو الصحيح، اذ ان لتاريخ لا يخبرنا عن بطش الأكثرية بالأقليات، إنما العكس، فإن الأقليات هي التي كانت تبطش”.
وتابع سليمان: إن في سوريا أو العراق، نلاحظ في تاريخنا القريب، ان الاقليات هي التي استقوت، الأقلية السنية بطشت بالأكثرية الشيعية بالعراق، والعلويون هم من بطشوا بالسنة في سوريا، فكانت الأقليات لا تتورع عن الاستعانة بالأجنبي من أجل الاستقواء به على الأكثريات. وإذا جرى في بعض الأحيان تهميش للأقليات، فإنه كان بسبب مطالبهم المبالغ فيها من ناحية، وفشل مشروع الأكثريات من ناحية ثانية”.
وأشار إلى أن المشروع الواقعي بلادنا هو ان الأكثرية يجب تأخذ الحكم وتقتنع بإقامة دولة ديموقراطية حديثة، تقدم فيها ضمانات للأقليات بالمشاركة على قدم المساواة.
ويخلص بقوله “إنه لا توجد أزمة أقليات حقيقية فأزمتها هي نتيجة فشل الأكثرية بإقامة مشروع وطني منفتح وديمقراطي وفق الرؤية الحديثة لأنظمة الحكم في العالم”.
واستطرد الدكتور سليمان: “إلى الآن يتوفر لدينا ثلاثة أنواع من أنظمة حكم في المنطقة، الاحتلالات كما في العراق وشمال سوريا وغيرها، وسلطات أمنية مثل آل الأسد، وصدام حسين وغيرهم تنتهك إنسانية البشر، والثالث هو الحكم الديني. لذلك نحن في مأزق كبير، ولا بد من اختيار الحداثة، فسوريا ليست استثناءً”.

د. عبد الحسين شعبان
وأشار المفكر العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان في مداخلته، التي مدح بمقدمتها العرض الشيّق والعميق لمطالعة الدكتور الحمود، ولفت الى ان التعصب هو الذي يؤدي الى التطرف الديني في مجتمعاتنا، التي ظهرت بها انظمة حكم هشة بعد استقلالها عن المستعمرين، وتابع ان “التعصب هو ظاهرة سياسية عانت منها الانظمة العلمانية والدينية على حد سواء، فمنذ ان عبرت الدبابات الروسية السوفياتية الى افغانستان واحتلتها (منتصف ثمانينات القرن الماضي)، بدأ التطرف الاسلامي بالنهوض، وكان للثورة الاسلامية في ايران قبلا اثرها كذلك”.
واكد شعبان ان “فشل المشروع القومي العربي، وفشل المشروع اليساري الماركسي كذلك في بلادنا، جعل المشروع الاسلامي الايراني يصعد بقوة، حتى اصبح لها اذرع عسكرية خطيرة، ما ادى الى زيادة المشاعر الطائفية والنزاعات المذهبيه في المنطقة، فاتجهت المجتمعات الى الاسلام السياسي”.
وعن موضوع الاثنيات في الوطن العربي، يقول شعبان “ان ضعف المواطنة وشح الحريات وعدم المشاركة، تجعل المشاكل بينها تظهر الى السطح”. وبالنسبة لسوريا ” فقد حكمت العلوية السياسية وليس الطائفة العلوية، كما تحكم العراق الشيعية السياسية وليس الطائفة الشيعية، لان غالبية الشيعة هم محكومون كسائر الشعب العراقي، والحكم هو اقلوي اكثر من السابق، كان الحكم في السابق اقلوي سني، الان الحكم اقلوي ايضا، لان قلة حاكمة في السلطة تتقاسم المصالح والمنافع فيما بينها دون سائر الشعب”.
وشرح ان “العراق ما زال محتلا بقواعد اميركية موقعها بعيد عن التجمعات السكنية، وكذلك يوجد احتلالات عسكرية تركية محدودة، وكذلك هناك وجود ايراني قوي ونافذ، والفساد اصبح مؤسسة، والمليشيات اصبحت مشرعة، والسلاح منتشر، وهذه التجاوزات تحولت الى امراض عصية، تحتاج الى حوار لا الى حلّ النزاعات بالقوة، فالتجربة العراقية يخشى ان تطبق في سوريا، لذلك انا مع فكرة العدالة الانتقالية عن طريق تامين فترات انتقالية، تتكون من خلالها سلطة جديدة من كافة فئات الشعب، من اجل تأمين مشاركة حقيقية بين جميع الاثنيات”.

