حارث سليمان يكتب لـ«جنوبية»: حَيِيتُ إلى ما بعد الأبد

حارث سليمان
يخص الناشط السياسي والأكاديمي الدكتور حارث سليمان "جنوبية" بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع و منصاته الإلكترونية.

بادرني ممانع متحمس لـ”حزب الله”، بجملة بدأت بكلمة؛ مبروك ويعني سقوط نظام الاسدين، ولما رددت عليه بالجواب التقليدي ليبارك الله فيك، أضاف لقد انتصرتم علينا فهل سترأفون بنا؟!!

أجبته بهدوء وابتسامه، نعم تبين ان ما كنا نقوله ولا تسمعوه، وما كنا نشرحه ولا تنصتوا اليه، تبين انه حقيقة واقعية خلافا لمزاعمكم واوهامكم وعنترياتكم الجوفاء، نعم النتيجة التي اكدتها الوقائع، اننا كنا على حق ودراية وتبصر، وكنتم تعيشون في الاوهام والخرافات، وتعممون النفاق والبهورات الفارغة.

نعم النتيجة التي اكدتها الوقائع، اننا كنا على حق ودراية وتبصر، وكنتم تعيشون في الاوهام والخرافات، وتعممون النفاق والبهورات الفارغة

لكننا لم ننتصر، بل من انتصر في لبنان هو عدونا وعدوكم اسرائيل، رغم ان من صنع هذه الهزيمة وتسبب بها هو محور ممانعتكم! الذي كلفكم باعلان الانتصار نفاقا، من فوق مقابر قياداتكم وانقاض المنازل في القرى والمدن المدمرة، ولحظة إعلان اتفاق لوقف النار، شكل عقد استسلام واذعان لارادة اسرائيل وشروطها، ومن وقعه وقبل به هو ايران ونبيه بري و”حزب الله”، وعليكم وحدكم تحمل مسؤولية تواقيعكم، والالتزام تحت الرقابة الأمريكية بتنفيذ القرارات الدولية الخاصة بلبنان.

لكننا لم ننتصر، بل من انتصر في لبنان هو عدونا وعدوكم اسرائيل، رغم ان من صنع هذه الهزيمة وتسبب بها هو محور ممانعتكم! الذي كلفكم باعلان الانتصار نفاقا، من فوق مقابر قياداتكم

 على الرغم من ذلك، فان هذه الهزيمة نتشاركها معا؛ نحن مكرهين جررنا عنوة إليها، وانتم متعجلين مسرعين بادرتم الى استدراجها وتحقيقها، نتيجة حماقتكم وغروركم وارتهانكم لايران.

إقرأ أيضا: البيان الختامي لقمة مجلس التعاون الخليجي: نطالب بالوقف الفوري والدائم لإطلاق النار في غزة

وإيران التي دفعتكم الى الحرب التي لم تكن قطعا، لمساندة غزة، بل لتسخين خطوط تواصلها مع أميركا، من اجل التوصل لصفقة مصالحة معها، تلتزم ايران من خلالها، بسلمية برنامجها النووي، وضبط ولجم اذرعتها في دول الاقليم، مقابل رفع العقوبات الغربية والأميركية عنها، وتمكين السيد علي خامنئي من توريث السلطة لابنه مجتبى، بعد جعل ولاية الفقيه مجلسا جماعيا بقيادته، وليس فردا واحدا، وهي صيغة يسمح دستور الجمهورية الإسلامية باعتمادها.

إيران التي دفعتكم الى الحرب التي لم تكن قطعا، لمساندة غزة، بل لتسخين خطوط تواصلها مع أميركا، من اجل التوصل لصفقة مصالحة معها، تلتزم ايران من خلالها، بسلمية برنامجها النووي

ولذلك كانت اولوية ايران خلال الحرب التي جررتم لبنان لها، ليس انتصاركم او حتى صمودكم، بل عدم تفاقم الحرب و منع توسعها، والمحافظة على علاقات جيدة بين طهران وواشنطن.

اما عن الرأفة بكم فلا تجزعوا، فسنكون أكثر رافة بكم من إيران، التي استعملتكم حطبا اشعلت بها مواقدها، وتخلت عنكم رمادا وجثثا تحت الانقاض، فاخلاقنا وقيمنا مختلفة عن اخلاقكم وقيمكم، لسنا من جماعة البطش الدموي الذي مارستموه، ولا نقدم الحلوى احتفالا بنجاح عمليات اغتيال اخصامنا السياسيين، وان كنا نفرح باسقاط الطغاة وعتاة الاستبداد، ونحتفل بانبلاج فجر للحرية، ونرقص طربا لمستقبل نبنيه معا.

اما عن الرأفة بكم فلا تجزعوا، فسنكون أكثر رافة بكم من إيران، التي استعملتكم حطبا اشعلت بها مواقدها، وتخلت عنكم رمادا وجثثا تحت الانقاض، فاخلاقنا وقيمنا مختلفة عن اخلاقكم وقيمكم

والمستقبل هذا سيكون ممكنا، بعد أن تعودوا الى صوابكم وتعتذروا عن خطاياكم، وتتخلصوا من اوهامكم، وتشفوا تماما من حالات الهذيان الاقلوي، الذي يتأرجح بشكل مرضي، بين غرور الاستعلاء وذعر الخائف المعزول.

فاخلاقنا هي اخلاق الامة، التي لا تنكر ابناءها الضالين بعد توبتهم، وقد تعتني بهم وترعاهم بعد لجوئهم لها تائبين. وقيمنا هي قيم شعب لبنان، التي احتضنكم يوم كنتم نازحين ومهجرين.

إقرأ أيضا: أبعد من التنديد بجرائم النظام البائد

أما التوبة المطلوبة منكم، فهي الاعتراف بانكم دافعتم عن جرائم الاسد واستبداده، وانتم بغاية الادراك لوحشيته وطغيانه، وانكم كنتم على علم بانه لا حدود لشرور آل الاسد وفظائع حكمهم…

اعتدل صديقي الممانع، وكأنه استرد قدرته على المواجهة، فاستحضر ذريعته التاريخية، فقال؛ ها هي اسرائيل تتقدم في جنوب سوريا، فماذا فعلت المعارضة السورية في مواجهتها؟!

والسؤال هذا يستبطن امعانا فجا في ممارسة النفاق والكذب، فكأَنَّ الاسد كان خلال السنوات العشر الماضية يشتبك مع اسرائيل، ويرد على هجماتها ويمنعها من قصف مطاراته ومخازن اسلحته، ومراكز ابحاثه العلمية وبطاريات دفاعه الجوية، وكأن مقولة الاحتفاظ بالرد المناسب والوقت المناسب، ليس اختراعا اسديا دأب على ترداده النظام السوري، بعد آلاف الغارات الاسرائيلية على كل مناطق سورية !! وكأن صديقي الممانع يريد ان يستنتج ان بقاء الاسد، كان كافيا لمنع اسرائيل من الهجوم على سوريا؟!

ثمة سردية مضللة وخبيثة مستجدة، يتبناها الممانعون، هو تحميل المعارضة السورية المسلحة، التي اسقطت نظام الاسدين، مسؤولية قيام اسرائيل بحملة غارات واسعة، أدت الى تدمير القدرات والمعدات والاسلحة والطائرات

ثمة سردية مضللة وخبيثة مستجدة، يتبناها الممانعون، هو تحميل المعارضة السورية المسلحة، التي اسقطت نظام الاسدين، مسؤولية قيام اسرائيل بحملة غارات واسعة، أدت الى تدمير القدرات والمعدات والاسلحة والطائرات، التي كانت في عهدة النظام السوري، والحقيقة ان إسرائيل كانت تثق ان الاسلحة بأيدي الأسد، لا تشكل خطرا عليها، لثقتها به، وعندما ظهر انها ستؤول الى ايادي المعارضة السورية، التي لا تأمن جانبها قامت بتدميرها.

السردية الخبيثة الثانية، هي التشكيك في مستقبل التغيير في سوريا، والتركيز على الهوية الاسلامية لقوى المعارضة، والتساؤل عن مخاطر قيام حكم، تديره قوى الإسلام السياسي في سوريا، كما تطرح  الكثير من التحديات، التي قد تتيح اعادة تقسيم سوريا او جعلها كيانات فدرالية، اضافة الى مصاعب اعادة الإعمار وتحقيق نهوض اقتصادي مستدام.

السردية الخبيثة الثانية، هي التشكيك في مستقبل التغيير في سوريا، والتركيز على الهوية الاسلامية لقوى المعارضة، والتساؤل عن مخاطر قيام حكم، تديره قوى الإسلام السياسي

ومهما تكن المخاطر والتحديات، التي تواجه الحكم الجديد في سوريا جدية ومتشعبة، فان الخير قد وقع، لانه لا يوجد نظام سياسي في العالم، يمكن ان يكون اسوأ من نظام الاسدين.

فهذا النظام مارس البطش الدموي، وارتكب المجازر على مدى ٦٠ سنة في سوريا ولبنان وفلسطين، وقام بتسييد حكم الانذال اينما وصل وتمكن، و تحرك دوما من خلال احقاده الكريهة، تجاه كل ما هو اخلاقي ونظيف ونبيل، وحكم بالحديد والنار، بالقتل والاغتيال، بالسجون والتعذيب حتى الموت، بالتهجير والتطهير العرقي والاجلاء الجماعي، وبنى نموذجا متكاملا من فرض الخوة، التي كانت تستوفى عاموديا من الرقيب حتى الرئيس، وامعن بممارسة النهب البدوي والتشبيح واقتطاع الخوات المالية، حيث حل او وصل نفوذه، في سوريا ولبنان وفلسطين والعراق، وتمكن ان يبتز دول الخليج العربية ويقتطع منها خوة جارية، وعلى مدى سنوات طويلة…

لم يمارس آل الاسد الفساد للتربح من السلطة فقط، بل عمموا الإفساد وسعوا الى إنتاج وتفقيس بؤر الفساد حيث وصلوا.

لم يهتكوا الاعراض وكرامات الناس والاشراف فقط، بل جعلوا من السفالة والانحطاط وتسفيه القيم العليا، سياسة معلنة وثقافة مسيطرة.

على مدى ستين عاما، اعتمد نظام الاسدين استراتيجية زعزعة استقرار دول الجوار، كاداة ابتزاز لادامة حكمه وتسلطه، وكان الطرف الثالث في كل حرب اهلية او ازمة، نشبت في لبنان او تركيا او فلسطين او العراق او الاردن او البحرين.

على مدى ستين عاما، اعتمد نظام الاسدين استراتيجية زعزعة استقرار دول الجوار، كاداة ابتزاز لادامة حكمه وتسلطه، وكان الطرف الثالث في كل حرب اهلية او ازمة

لقد جعلوا من المخبرين وممتهني الوشايات وتلفيق الاخبار وجلادي السجون، مفاتيح نفوذ، ووجهاء في تركيبة سلطاتهم، ومن المهربين للممنوعات على الحدود، وتجار الشنطة رجال اعمال وتجارة، ومن القوادين والمومسات أصحاب نفوذ ومعابر حلول للأزمات.

لم يقتصر خراب نظام الاسدين على حريات الانسان وحقوقه الاساسية، ولا على مصائر الاجيال العربية وتطلعاتها، ولا على تدمير الاقتصاد و نهب الموارد في سورية ودول الجوار، بل وصل الخراب الى ميدان الثقافة والفكر والاعلام، فاستنسخ وهجن نخبا ثقافية، وكتابا وابواقا واصحاب مدونات، تم انتزاع ضمائرهم وتعطيلها لتدافع عن آل الاسد، وتتستر على فظائعهم، وتطلق الاتهامات واراجيف الافتراء والتشكيك والتخوين في كل حين، ضد كل من يصفهم بحقيقتهم او ينتقد مسلكياتهم، او يكشف انه كان دأبهم الغدر والنفاق والتآمر وخيانة المبادىء، والتفريط بقضايا الشعوب ومصالحها، خدمة لمصالحهم الضيقة ونزواتهم الحقيرة وصغائرهم التافهة…

اما اليوم فمن المضحك المبكي، ان يستذكر بعض هذه الابواق خيانات الاسد وارتهاناته، بعد ان امضى سنين طويلة يدافع عنه، ويدبج خطب الاشادة بصفاته ومزاياه.

وصل الخراب الى ميدان الثقافة والفكر والاعلام، فاستنسخ وهجن نخبا ثقافية، وكتابا وابواقا واصحاب مدونات، تم انتزاع ضمائرهم وتعطيلها لتدافع عن آل الاسد

فهذه الابواق كانت تعلم الحقائق وتنكرها، وكانت على دراية بالجرائم وتتستر عليها، وكانت تنحاز  للجلاد والطاغية، في مواجهة ضحاياه الابرياء.

 اليوم يتنفس المشرق العربي الصعداء، فقد انزاح عن صدره لعنة وكارثة دامت ستين سنة.

وحسبنا قهرا وجبرا، ان سوريا الاسد الى الابد، لكن احرار سوريا استعادوها لتحيا اجيالهم ومعهم احيا بعد الابد.

السابق
الشرع يدعو السوريين للاحتفال بانتصار الثورة
التالي
تحالف سياسي شيعي مقابل «الثنائي»؟