يكثف أمين عام “حزب الله” إطلالاته التلفزيونية بنحو متكرر، لا لشغف منه في الظهور أو إثبات الذات، فهذا أمر بات وراءه وبمثابة تحصيل حاصل، وإنما استجابة لضرورة وتلبية لحاجة لا يؤديها إلاّ شخصه. فصلابته وإصراره ويقينه الفائض ولغته الحاسمة، إضافة إلى تاريخه الطويل في قيادة الحزب ذو التراتبية الهرمية الصارمة، خلق وحدة مرآتية ولحمة عضوية بين شخصه والحزب، جعل نجاحات الحزب وإنجازاته وتحدياته، عين نجاحات نصر الله وإنجازاته وتحدياته.
بالتالي بات نصر الله رمزاً متعالياً لقاعدة عريضة من الموالين والمؤيدين والمناصرين، وبات قوله وتعبيره وخطابه بالنسبة إلى هؤلاء، بمثابة فصل المقال بين الخطأ والصواب، والحقيقة والضلال.
يندرج خطاب نصر الله، ضمن ضرورات الحزب التنظيمية والتعبوية، التي تتناغم مع تطلعاته الأيديولوجية المبطنة.
مشهد الإطلالة الدورية، مختلف في مضمونه، لكنه واحد في شكله وترتيبه وإيقاعه ومؤثراته. هو مشهد مؤلف من جمهور، منتشر وموزع في لبنان وخارجه، يتسمر أمام جهاز التلفاز، بمهابة كاملة وإنصات خاشع، في لحظة مناجاة صوفية وطقوس عبادة وجلة. يتطلع هذا الجمهور إلى سماع القول الفصل الذي لا قول بعده، في سياق إشباع قلقه وتساؤلاته التي يثيرها تطور الأحداث وتفاعلاتها، ولغرض تلقي جرعات ثقة ويقين وثبات، بخاصة مع وجود سرديات منافسة ومناقضة وأجهزة ترويج مضادة.
إقرأ أيضا: وجيه قانصو يكتب لـ«جنوبية»: أن آوان التفكير بمعنى أن نقاوم!
هذا المشهد مؤلَّفٌ أيضاً من متكلم هو أمين عام الحزب، الذي يفنّد الادعاءات المناقضة، ويدحض السرديات المغايرة، ويبيّن للمتلقي خلفية الأحداث ويكشف بعضاً من أسرار ومعلومات غير متوفرة بالوسائل الاعتيادية، ويضخ جرعات مكثفة من الاطمئنان بفائض القوّة واليد العليا والغلبة على الخصوم والأعداء. هي جزء من بناء القناعات من جهة، وتعميم طريقة مخصوصة في فهم الأحداث وتأويلها. فالصورة مهمة مثلما هو الميدان والساحات، والمعلومة المضادة سلاح، والأفكار المتماسكة صمود وثبات، والدعم والاحتضان حاجة وضرورة لا يمكن التفريط بهما.
لماذا يتجنب نصر الله مخاطبة باقي اللبنانيين من غير بيئته؟ لماذا لا يجيب عن أسئلتهم المشروعة حول سلاح الحزب؟ لماذا لا يقارب مشاكلهم الاقتصادية الجدية والخطيرة؟
المكوّن الآخر في المشهد هو الترتيبات والمؤثرات البصرية والسمعية وتقنيات الإضاءة التي يتم إعدادها في قاعة كبرى تبث عبرها ومن داخلها كلمة الأمين العام. فتجد قادة الصف الأول والثاني من الحزب حاضرين في الصفوف الأمامية من القاعة، للإيحاء بالتراص والتأزر ووحدة الكلمة. وتجد في القاعة أيضاً حشداً نسائياً يمثل النصف الثاني من مجتمع البيئة المنتظمة والموالية، أكثرهم مؤلف من نساء وأمهات شهداء الحزب، للتذكير بعظمة التضحيات وقدسيتها. ثم تجد العنصر الشبابي الذي يحضر، بين مفاصل الكلمة، بهتافات الولاء والتلبية في السراء والضراء.
وأخيراً هنالك المُعَرِّف الذي يطلق، بصوت مزلزل وعلى وقع موسيقى وأناشيد ملتهبة، عبارات شديدة الإيجاز وكثيفة الوقع في النفوس، تقدم الأمين العام عصارة التاريخ كله، وخشبة الخلاص الوحيد وسليل العصمة وقدس الاقداس.
هذا كلّه بمثابة مسرح الخطاب لنظم الإيقاع وتنسيقه، وتوليد إيحاءات قوة وتماسك وصلابة وثبات وتفوق. ما يسهم في خلق مهابة عالية لدى المتلقي الموجود خارج القاعة، ويشاهده عبر التلفاز، ويبث في قلبه نفساً من قداسة المشهد وطمأنينة راسخة، يدفعه إلى التمسك بهذا النهج وتبني السردية المعطاة له بحرفيتها، من دون أيّة قابلية للتعديل أو حتى للنقاش والمباحثة.
وبقدر ما هو مشهدد مكرّر، هو حاجة وضرورة أيضاً. هولا يجيب عن أسئلة واستفسارات ويُسكِّن هواجس ويهدىء من المخاوف فحسب، بل ينشىء علاقة بين قائد ومقود، رمز ومريد، تابع ومتبوع، يتولد معه وعي جمعي يتشارك أفراده نفس السردية، لا بمضمونها فحسب، وإنما بمنطقها وحججها واستدلالاتها ويقينياتها وحتمياتها. هي علاقة لا يمكنها أن تكون إلاّ كذلك، طالما أن التحديات عالية، والمهام الجسيمة التي يتصدى لها “حزب الله” تتضخم وتتعاظم، ومساحة الجهات المناوئة والمعادية تكبر وتتسع. إنها تقنية صناعة الجمهور، وبناء العقول، وهندسة الصورة.
لعل السؤال الأهم والراهن هو: لماذا لا يبالي بالتساؤلات المحقة، حول معركة الدعم والإسناد التي قرر “حزب الله” خوضها، من دون علم الدولة ورغم أنف أكثر اللبنانيين؟
بهذا يندرج خطاب نصر الله، ضمن ضرورات الحزب التنظيمية والتعبوية، التي تتناغم مع تطلعاته الأيديولوجية المبطنة. خطاب يتلقاه ويفهمه من هو داخل دائرة التنظيم والموالين والمناصرين، بطريقة تختلف عمن هو خارج هذه الدائرة الذي يجد نفسه غير مخاطب من الأساس، وأنّ كثيراً من المضامين التي يدلي بها الخطاب، لا تندرج ضمن اهتماماته أو توقعاته. بل يجد نفسه خارج دائرة المخاطبين.
فكلام نصر الله موجّه بالاساس، إلى دائرة مجتمعية خاصة بذهنية ومنطق ترابط، ومفهوم انتماء مختلف عن غيره، تجعل صعوبة بالغة لمن هو خارج هذه الدائرة، أن يلتقط مرامي خطاب نصر الله، أو ينجذب إليه أو يتفاعل معه، لسبب بسيط وهو أنه لا يخاطبه ولا يوجه كلامه إليه. قد يسمعوا خطابه من باب الفضول، أو لغرض مواكبة المشهد السياسي، لكنهم لا يجدوا فيه شيئاً لهم يحاورهم أو يتواصل معهم، أو يشفي غليل أسئلتهم وتوقعاتهم وهواجسهم ومخاوفهم، التي تختلف بالكامل عن جمهور بيئة حزب الله.
السؤال هو: لماذا يتجنب نصر الله مخاطبة باقي اللبنانيين من غير بيئته؟ لماذا لا يجيب عن أسئلتهم المشروعة حول سلاح الحزب؟ لماذا لا يقارب مشاكلهم الاقتصادية الجدية والخطيرة؟ ولماذا يوفّر غطاءً لمن كان له اليد الطولي في سرقة وضياع ودائع اللبنانيين؟ لماذا لا يجيب عن حيرتهم وقلقهم، من تعطيل مؤسسات الدولة الدستورية من رئاسة جمهورية وحكومة؟ لماذا يعطل تحقيقات انفجار المرفأ، ولا يقدم استفسارات كافية عن المتسببين بها؟ لماذا عرقل ملف اغتيال رفيق الحريري، ولم يسلّم المتهمين في حزبه إلى هيئة المحكمة الدولية المشهود بنزاهتها وكفايتها؟
ولعل السؤال الأهم والراهن هو: لماذا لا يبالي بالتساؤلات المحقة، حول معركة الدعم والإسناد التي قرر “حزب الله” خوضها، من دون علم الدولة ورغم أنف أكثر اللبنانيين؟ بخاصة وأن تبعات هذه المعركة يقع وزرها على جميع اللبنانيين بنسب متفاوتة، في أرزاقهم وبيوتهم وأمنهم، ورغم ذلك، هم مقصيون عن إبداء الرأي، ويتعرضون لتعنيف مؤذ من جيش الحزب الالكتروني. وحين يعلن حزب الله انتصاره، يكون هذا الانتصار ملكاً لوحده ولجمهوره الخاص، بينما يقع عبء تحمل تبعات ومآلات واستثمار هذا الإنتصار، على اللبنانيين الآخرين أيضاً.
الحزب ومعه نصر الله، لم يحسما أمرهما بعد، في أن يكونا جزء حصرياً داخل الكيان اللبناني
هي جميعها أسئلة وهواجس لم تكن يوماً جزء من خطاب نصر الله، ولم يكن معنياً بمصارحة اللبنانيين ومحاورتهم، وإظهار إهتمام أو تفهم لما يشغل بالهم أو يؤرقهم. هل هذا يعني أن نصر الله عاجز عن التواصل مع جميع اللبنانيين وليس جمهوره الخاص، وأنه عاجز عن تقديم تفسيرات ومسوّغات ورسائل تستجيب لتوقعاتهم وتسكن مخاوفهم؟ بالطبع لا، فنصر الله والحزب قادران على ذلك، وإمكاناتهما تؤهلهما لذلك.
لكن الحزب ومعه نصر الله، لم يحسما أمرهما بعد، في أن يكونا جزء حصرياً داخل الكيان اللبناني، وأن تقف تطلعات الحزب وطموحاته عند حدود الوطن، ويترك معالجة ما وراء الحدود لدولته، الموكل إليها حصراً إدارة صراعاتها وعلاقاتها الدوليتين. أن يعيد إنتاج المقاومة، لا بصفتها امتداداً لولاية الفقيه أو جزء من جبهة إقليمية، بل بصفتها مشروعاً وطنياً يتسع للجميع ويشمل الجميع على قاعدة صلبة من العقيدة الوطنية الجامعة.
أن يتعامل مع المختلفين معه في الداخل لا على أنهم خصوم وأعداء وربما عملاء، بل مجرد مختلفين يرون الأمور من منظور آخر بفهم مغاير. أن يتقيد بنصوص الدستور في تسيير مؤسسات الدولة، والتي أهمها انتخاب الرئيس وتأليف الحكومة، لا ابتداع مفردات ومسوغات لا يتضمنها الدستور، بل تشي بانقلاب مبطن على الدستور وتعطيل ممنهج له بعبارات منمقة.
أن يُقارِب المشكلات الفعلية للبنان، بخاصة الأزمة الاقتصادية والفساد التي تلامس صميم وجوهر الأمن الحياتي في لبنان، لا تجاهلها وصرف الأنظار عنها بشعارات ومواجهات، ليست محل توافق بين اللبنانيين.
أن يتفهم شكوك اللبنانيين وريبتهم من المعارك التي يزجهم فيها “حزب الله”، لا أن يسلب عنهم صفة الإنسانية أو ينفي أن يكونوا بشراً بحسب تعبير نصر الله.
إقرأ أيضا: «الرياض»: هل تحول إيران فكرة الإنتقام من إسرائيل إلى صراع أيديولوجي طائفي؟
أن يرتقي الخطاب والاهتمام إلى مستوى لبنان كله، لا أن يختزل لبنان كله، إلى هوية فرعية وولاءات أيديولوجية غريبة عليه، وبرنامج عمل حزبي خاص. إنها مسألة أن يحسم “حزب الله” أمره، في التعامل الجدّي مع الأسئلة البديهية والجوهرية، التي ما يزال يتجاهلها ويقفز فوقها، ويعمد إلى تبديدها بتشويشات مركزة وصخب تهويلي وتعالي مصطنع.
رغم كل ذلك، ما تزال هذه الأسئلة تلاحقه وتلحّ عليه، كونها تقوم على بداهة منطقية يستحيل دحضها، وتلامس صميم الذات وحقيقتها، أي معنى أن يكون هنالك حزباً خاصاً لله، ومعنى أن تكون مقاوماً، ومعنى أن تنتمي إلى دولة ذات سيادة، ومعنى أن تكون لبنانياً. وأخيراً، كون الإجابة الشفافة والجدية عن هذه الأسئلة هي المدخل الوحيد، لردم الهوة بين الحزب والواقع اللبناني، والطريق السليم للمصالحة بينه وبين جميع أطياف لبنان ومكوناته.

