وجيه قانصو يكتب لـ«جنوبية»: أن آوان التفكير بمعنى أن نقاوم!

وجيه قانصو
يخص الدكتور وجيه قانصو «جنوبية» بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع ومنصاته.

دخل “حزب الله” معركة خاسرة، منذ بداية ما أطلق عليه “الدعم والإسناد”. خسارته شبه المؤكدة ليس من باب النبؤة أو التوقع، وإنما لجهة عدم استكمال عناصر المعركة، التي تضمن ربحاً أو أو انتصاراً. فالانتصار هنا، ليس القول بمنع العدو تحقيق غرضه أو خططه. هذا يصح في حال باغتنا العدو وشن حرباً ضروساً علينا، عندها يكون الصمود بحد ذاته انتصاراً، ويكون صده عن تحقيق خططه التوسعية أو العدوانية انتصاراً. بالتالي يكون الإنتصار بمعنى المنع والصد، أي فعلاً سلبياً، لا يحتاج إلى تخطيط مسبق، والعدوان يستدعي تضامنا داخلياً، كون العدون يطال الجميع وموجه ضد الجميع. ما يجعل فعل مقاومة العدو المعتدي حدثاً وطنياً جامعاً بامتياز.

دخل “حزب الله” معركة خاسرة منذ بداية ما أطلق عليه “الدعم والإسناد” خسارته شبه المؤكدة ليس من باب النبؤة أو التوقع وإنما لجهة عدم استكمال عناصر المعركة التي تضمن ربحاً أو أو انتصاراً

حصل هذا في كل فترة الاحتلال الاسرائيلي حتى العام 2000، وفي عناقيد الغضب عام 1996، ونسبياً في حرب 2006. حيث كان الإلتفاف الشعبي والتضامن المجتمعي في مساندة النازحين والمهجرين من قرى الحدود قوياً وشديداً. هذا جعل المشهد في كل هذه المواجهات وطنياً وجامعاً، وكانت الطاقات تتكامل والإرادات تتآزر للدفاع، ليس عن الجنوب والجنوبيين، بل كان دفاعاً عن لبنان. 

أما الآن فالوضع مختلف لجهتين. أولهما أن حرب الدعم والإسناد، عبارة عن جزء من حملة عسكرية ضد إسرائيل، أي لم يكن فعل صد ومنع، بل غرضه تحقيق أهداف ومكاسب. هي جزء من تخطيط مسبق بدأ مع وحدة الساحات، وتدريب وتجهيز مسبقين ل”حماس” من إيران ومن معها. كانت لحظة “طوفان الأقصى” شرارتها الأولى، ثم أعقب ذلك دعم وإسناد من القوى الموالية لإيران فقط، في اليمن والعراق وبشكل رئيسي في لبنان، بحكم كون حدود لبنان على تماس مباشر مع حدود إسرائيل. كل ذلك يشي بان مشروعاً إقليمياً كان يخطط له، لا نعرف التفاصيل التي حصلت في غرف الحلفاء المغلقة. لكن نعلم أنها خطة كبرى ذات عمق إقليمي، غرضها تحقيق تحولات وتغييرات كبرى وجوهرية، في طبيعة الصراع مع إسرائيل، وفي موازين القوة في المنطقة.

سير المعارك لم يأت منسجماً مع طموح “طوفان الأقصى” بل كان أهم ذريعة لإسرائيل في أن تقتل وتبيد وترتكب جرائم وتحدث تغييراً جذريا في ديمغرافية غزة وجعرافيتها

الذي حصل أن سير المعارك لم يأت منسجماً مع طموح “طوفان الأقصى”. بل كان أهم ذريعة لإسرائيل في أن تقتل وتبيد، وترتكب جرائم وتحدث تغييراً جذريا في ديمغرافية غزة وجعرافيتها، وفي تقطيعها أوصالا ومناطق منفصلة عن بعضها البعض. استطاعت أيضاً أن توظف الانتهاكات الإنسانية المقصودة وغير المقصودة، التي ارتكبتها “حماس” في هجومها على المستوطنات لتكسب الرأي والدعم العالمي، واستطاعت أن تحقق تماسكاً داخلياً وتأييدا مطلقاً لنتنياهو في حربة. والأهم من ذلك، فقد أظهرت تفوقاً عسكريا وتقنياً لافتاً، ضد “حماس” والقوى الدائمة لها، جعلها صاحبة اليد العلياً في سير المعارك ووجهتها ونتائجها.

إقرأ ايضاً: الحزب يَحفظ وجه «الرد» ويَعود الى «قواعد الإسناد»..ماذا عن إيران وإسرائيل؟!

على المقلب الآخر، كان شعار “وحدة الساحات” شكلياً، والأداء العسكري فيه غير منسق، وبإيقاع متقطع ومجزأ وأحيانا صوريا ودعائيا. ما سمح لإسرائيل أن تفصل معاركها في غزة عن مواجهاتها في الجنوب اللبناني، فكان لكلٍ معركة مسارها الخاص بها، فبتنا أمام جبهات منفصلة عن بعضها البعض، يمكن لإسرائيل أن تتعامل مع كل جبهة على حدة. بل يمكن القول أن “الدعم والإسناد” أعطى مردوداً يعاكس غرضه، وهو تشتيت الإنتباه عن غزة، وانشغال العالم بمشكلات ومواجهات على هامشها باتت في بعض الحالات تكتسب أهمية واهتماماً أكثر من غزة. فالهم الدولي الآن منحصر في الرد الإيراني ورد “حزب الله” على الضربة المهينة لهما، وتكاد غزة وسط هذا الاحتقان والاتصالات تكون منسية وهامشية.

كانت معركة الدعم والإسناد بهذه الطريقة من الأداء بلا جدوى ولم تفرض على الإسرائيليين أي تعديل في أدائه العسكري أو أي ضغط لجعله يخفف من طموحه العسكري ومطالبه شبه المستحيلة في مفاوضات الهدنة

على مستوى “حزب الله”، إضافة إلى صورية وشكلانية ما سمي بوحدة الساحات، وإخفاقها في خلق حالة التحام موحد، وإيقاع متناسق ومبرمج بين كافة مكوناتها وعناصرها، فقد كانت معركة الدعم والإسناد بهذه الطريقة من الأداء بلا جدوى، ولم تفرض على الإسرائيليين أي تعديل في أدائه العسكري، أو أي ضغط لجعله يخفف من طموحه العسكري ومطالبه شبه المستحيلة في مفاوضات الهدنة.

عدة عوامل أفقدت معركة الدعم والإسناد أغراضها وأهدافها:

الأولى، أنها لم تكن دفاعية بل هجومية، أي كان غرضها تحقيق تغيير نوعي، في معركة غزة أو القضية الفلسطنية أو موازين القوى. وشيء من هذا لم يحصل، فالجبهة الجنوبية لم تمنع إسرائيل من تدمير غزة شبه الكامل، ولم تشعر بضغط يرغمها على القبول بهدنة وفق شروط “حماس”، بل بتنا نجد تراجعاً تدريجيا في شروط “حماس”، وتصاعداً وتشدداً تدريجيا في شروط إسرائيل، ما يشي بأن مجريات الساحة العسكرية تسير لصالح إسرائيل.

بالتالي، لم يعد بالإمكان الادعاء بأن الإنتصار هو في منع إسرائيل، كون “حزب الله” هو الذي بادر وهاجم  وقرر تحقيق أهداف ميدانية وسياسية، أبعد من الصد والمنع. بل إن معارك الجنوب تحولت إلى معارك روتينية، بين الرد والرد المضاد، إضافة إلى إصرار “حزب الله” على التقيد بقواعد الإشتباك،، في حين أن إسرائيل لم تتقيد بأي منها. كل ذلك يعني أننا أمام مشهد يلتف حول نفسه، ويقع في شرنقة التكرار وحتى الروتين، مع غياب أي توقع لإنجاز ميداني أو تغيير نوعي في مسار المعارك.

بل بينت المعارك التفوق النوعي للآلة العسكرية الإسرائيلية. إذ رغم أن “حزب الله” قد طور في بنيته العسكرية ورفع المستوى التقني لأسلحته، إلا أن إسرائيل كانت تسبقه بأشواط، وقد تبين الفرق الهائل في المستوى التقني، والقدرة الإسرائيلية على اغتيال الصف الأول في قيادات حزب الله العسكرية. وهو أمر يضع معادلة توازن الرعب، التي حرص “حزب الله” على تعمميها على المحك والتساؤل الجدي. 

رغم أن “حزب الله” قد طور في بنيته العسكرية ورفع المستوى التقني لأسلحته إلا أن إسرائيل كانت تسبقه بأشواط وقد تبين الفرق الهائل في المستوى التقني والقدرة الإسرائيلية على اغتيال الصف الأول من قياداته

الأمر الآخر في معركة الدعم والإسناد، هو أنها حصلت خارج الدولة، ورغما عنها، وفرض عليها التعامل مع الأمر الواقع. ما أسهم إلى حد بعيد في أن تتحول الدولة إلى متفرج ومراقب، يقتصر عملها كمؤسسة خدمات ورعاية وبريد رسائل، لا دولة ذات سيادة تدير، مثلما تفعل إسرائيل، معاركها وتنسق بين مختلف قطاعاتها، لتكون المعركة موحدة ومتناسقة وكلية، وتكون معركة لبنان لا معركة محاور غريبة عنه. هذا جعل تبعات وآثار معركة الإسناد ترتد سلباً ضد لبنان نفسه، بأنه بلد ضعيف، لا يملك زمام أمره، وقرار حدوده يصنع في عاصمة بلد آخر. إضافة إلى ترسيخ عرف تكررت سوابقه عدة مرات، أن “حزب لله” يملك جر لبنان إلى حروب ومواجهات، لا على أساس مصلحة لبنان، التي يعود إلى الدولة وحدها تقديرها، بل يعود إلى محور شكلي وصوري أنشأته إيران، “محور الممانعة”، لتسويغ سياساتها العبثية في المنطقة العربية.     

أخطر ما في ذلك كله، هو أن معركة الإسناد حصلت رغم أنف جميع اللبنانيين. أي من دون أن يستشار أحد، أو يراعي أحد، بل يلجأ الحزب في أكثر الحالات إلى التخوين، وربما القمع المادي لإسكات الأصوات المعترضة. ما جعل المعركة تفقد غطاء وتأييد أكثر مكونات المجتمع اللبناني، وتسبب بعزل المعركة عن الواقع اللبناني، وكأنها تحصل في بلد آخر، وعطَّل الرغبة بتحمل تبعات هذه المعركة أو الحرب القادمة لها. هو أمر دفع إلى مزيد من التفكك الاجتماعي، وتشويش الهوية، وتصدع الدولة.

لا نحاكم هنا النوايا، إنما ننظر في معطيات الأمور وسياقاتها، التي تقول لنا، أن حرباً خارج الدولة ورغماً عنها، وفاقدة الإجماع الوطني بل تفرض على اللبنانيين بخاصة الجنوبيين فرضاً وبالإكراه، والتذمر العالي منها وعدم إيمان أكثر اللبنانيين بجدواها، هي حرب خاسرة وفاقدة لأدنى مقومات الظفر والانتصار. هي حرب نحصي بجهد جهيد ما تتكبده إسرائيل من خسائر، في حين أن تداعياتها وكوارثها ومصائبها تحل علينا، في لبنان وغزة، بالجملة وبكثافة. هي حرب يبدو أن إسرائيل كانت تتجهز لها بفارغ الصبر، وتنتظر من الطرف الآخر فعلاً متهوراً، لإطلاق شرها المستطير على أهل غزة ولبنان، فكان لها ما ارادت. لم يلتفت المتحمسون إلى الحرب في لبنان، أن الحرب ليست مجرد كفائة قتالية، أو تكديس أسلحة فتك، بل هي تكامل المكونات الداخلية، وحضور فعلي للدولة في إدارة الحرب، وتضامن اجتماعي كاسح، وإيمان الجميع بأنها حربهم هي حرب لبنان، لا حرب تهندس وتدار خارج عاصمته، وخارج قنوات قراره الدستورية. 

معركة الدعم والإسناد مناسبة لنا لا للإعلان عن انتصار جديد بل لنفكر ملياً في معنى المقاومة وشروطها الحقيقية وصلاحيتها وحدود عملها وأهلية من يحتكر إسمها

معركة الدعم والإسناد، مناسبة لنا لا للإعلان عن انتصار جديد، بل لنفكر ملياً في معنى المقاومة وشروطها الحقيقية، وصلاحيتها وحدود عملها وأهلية من يحتكر إسمها، لنضمن بالحد الأدنى أن لبنان ليس أرضاً سائبة، أو أرضاً بلا شعب. 

السابق
الحزب يَحفظ وجه «الرد» ويَعود الى «قواعد الإسناد»..ماذا عن إيران وإسرائيل؟!
التالي
أسرار هجوم «الحزب» بالصور والفيديو: الهدف كبير ولكن.. ماذا جرى الخامسة فجرا ومن قاد عملية الصدّ من قلب تل أبيب؟