قصيدة في اغتيال كامل مروة من دفتر الخوري يوسف عون

كامل مروة

“مساء الأحد 22 نوّار (أيار) 1966 اغتيل كلمل مروّه في مكتبه في جريدة “الحياة”. يوم الجمعة صباحًا 27 منه إتَّصلت بي عائلة الفقيد تطلب منّي إلقاء كلمةً في مهرجان الأسبوع في بلدته الزِّرارية في الجنوب في 29/5/1966، وكان الخطباء عديدين، منهم الإمام موسى الصَّدر، الشَّيخ شفيق يمّوت رئيس المحكمة الشَّرعيَّة، سعيد عقل، نقيب الصَّحافة، الخ.. فنظمت قصيدة كانت حديث الناس والصحافة:”

بَكَيْتُ عَلَيكَ لَوْ أَجْدَى البُكاءُ وَهَلْ يُجْدِي البُكاءُ أَوِ الرِّثَـاءُ
حَبَسْتُ الدَّمْعَ لَا بُخَلًا وَلَكِنْ سَأَبْكِي فِيهِ أَحْيَــاءً أَسَاؤُوا
عَلَى أَنِّي كَرِهْتُ الدَّمْعَ حِكْرًا فَفِي الدَّمْعِ التَّخَاذُلُ وَالْعَيَاءُ
لَبِسْنَاهَا الْمُسُـــوحَ رِضًـا وَطَوْعًا عَقِيداتٍ لِوَانَا الإنْضِـوَاءُ
حَمَلْنَا الْقَلْبَ يَقْطُرُ مِنْ دِمَانَا فَنَبْسِمُ لِلْجِهَادِ وَلَا انْكِفَاءُ
نُذِيعُ الحَقَّ نُورًا لَا نُبَالِي بِمَا نُجْزَى فَسَيَّـانَ الْجَـزَاءُ
نُبَشِّـرُ بِالسَّلَامِ بِكُلِّ صَقْعٍ رِسَالَتُنَا الْمَحَبَّـةُ والْإِخَاءُ
ونَمْشِي تَارِكِينَ لِكُلِّ جِيـلٍ دُرُوسـًــا لَيْسَ يَمْحُوهَا العَفَاءُ
جَعَلْنَا الْأَرْزَ لِلْأحْرَارِ دَارًا وَمُنْتَجَعًا ذُرَاهُ الْكِبْرِيَاءُ
تُرَابُ الْأَرْضِ بَعْضٌ مِنْ دِمَانَا فِدَى الْأَحْرَارِ إِنْ عَزَّ الْفِـدَاءُ
وَنَحْنُ لِكُلِّ مَلْهُوفٍ رِئَاتٌ وَنَحْنُ الشَّمْــــسُ بَلْ نَحْنُ الْهَوَاءُ
وَمَا الْأَقْلَامُ إِلَّا دَفَّتَانَا إِذَا نَطَقَـتْ تَنَصَّتَـتِ السَّمَاءُ
بَنَاتُ الفِكْرِ أَكْرَمُ مِنْ عَذَارَى حِلَاهَا الْعَقْـلُ وَالرُّشْـدُ الرِّدَاءُ
فَكَمْ سَعِدَتْ، إذا سَعِدَتْ، شُعُوبٌ… وَإِنْ شَقِيَتْ فَقُـلْ عَمَّ الشَّقَاءُ
أَلَا يَا كَاسِرَ الْأَقْلَامِ مَهْلًا أَفِي هَـذَا لِنَفْسِكَ اشْتِقَاءُ
إِذَا حَطَّمْتَ مِرْآةً أتَغْـدُو جَمِيلَ الْوَجْهِ إِنْ حُطِّمَ الْإِنَاءُ
سَتَنْظُرُ قُبْحَ وَجْهِكَ كُلُّ عَيْنٍ وَيَبْقَى الدَّاءُ مُلْكَـكَ لَا الدَّوَاءُ
إِذَا قَلَمًا كَسَرْتَ فَكُلُّ ضُلْعٍ بِصَدْرِكِ يَنْبَـرِي قَلَمًا يُسَــاءُ
فَيَكْتُبُ فَـوْقَ لَوْحِكَ أَلْفَ حُكْمٍ وَيَقْضِي فِيكَ مَا شَاءَ الْقَضَاءُ
أَلَا يَا آمِـرًا عَبْـدًا بِحُرٍّ هَدَمْتَ إثْنَيْنِ وَاسْتَشْرَى البَلَاءُ
فَمَا غَنَمَتْ يَدَاكَ سِوَى المَعَاصِي وَمَا زَالَتْ مِنَ النَّامُوسِ يَاءُ
“إذا لَمْ تَخْشَ عَاقِبَةَ الْلَّيَالِي وَلَمْ تَسْتَحِي فَاصْنَعْ مَا تَشَاءُ”
*
أَكَامِلُ لَمْ تَمُتْ وَالدَّارُ دَارٌ فَذِكْرُكَ فِي “الْحَيَاةِ” هُوَ الْبَقَاءُ
سَقَطْتَ شَهِيـدَ مُعْتَقَدٍ مَسَاءً فَأَصْبِحْ كَعْبَةَ الصَّحْبِ الْمَسَاءُ
بِرَبِّكَ مَنْ رَأَيْتَ وَأَنْتَ تَرْقَى دُرُوْبَ الْخُلْدِ قِبْلَتُـكَ السَّمَاءُ
أَلَمْ يَلْقَاكَ رَهْطُ بَنِي عَلِيًّ؟ وَأَبْطَالُ الْمَسِيحِ الْأَصْفِيَاءُ
إِذَا سَـأَلُوكَ عَنَّا لَا تَرْعَهُمْ وَخَبِّرْهُمْ بَأَنَّا الْأَوْفِيَاءُ
وَأنّا كُلَّمَا عَصَفَتْ رِيَاحٌ جِبَالٌ لَا يُزعْزِعُهَا الْغَوَاءُ
بَنَيْنَا الْمَجْدَ عَامًا بَعْدَ عَامٍ صُرُوحًا كَلَّ عَنْهَا الْأَدْعِيَاءُ
ثَوَتْ فِيهَا المُرُوَّةُ وَاسْتَمَرَّتْ فَلَا مَلَّتْ وَلَا مَلَّ الثَّوَاءُ

اقرأ أيضاً: تاريخ نهضة جبل عامل (19): ذكرى شهادة كامل مروة.. انتصار «الحياة» على القتلة

وقدّرت الجماهير التي إحتشدت في ساحة الزّرارية بثلاثين ألفًا، منهم ثمانية ألاف جلوسًا، ونشرت الصُّحف: الحياة، الطَّـيَّار، الصَّفاء، البيرق، الزَّمان، القصيدة مع كلمة تقدير. وكتبت الحياة:
“القصيدة الرَّائعة التي ألقاها الخوري يوسف عون في ذكرى الفقيد كامل مروِّه في الزّرارية والتي أعيدت أبياتها مرّات ومرّات، كانت مثار إعجاب ودهشة عند الذين سمعوها أو قرأوها. فالناس يعرفون أنّ الخوري عون محام، وأنّه كاتب، وأنّه خطيب، اما أنّه شاعر من طراز رفيع فلا يعرفه إلَّا القليلون.
وكان الخوري عون قد دُعي لإلقاء كلمة في الذكرى قبل يوم واحد من الموعد. فلما جاء النَّاس بقصيدته القويَّة، تساءل الكثير كيف استطاع نظمها بسرعة.
وعندما سئل الخوري عون. قال: نظمتها في ثماني ساعات. ففاجعتنا بكامل مروِّه أثارت في نفسي أعمق الألم، فكانت الأبيات تزدحم في رأسي فأحتار ماذا آخذ منها.”

(عن صفحة ابنة شقيق الخوري يوسف عون، المحامية تريز عون)

السابق
الرئيس الإيراني والأسئلة الحقيقية
التالي
اغتيال جديد..مسيرة تستهدف سيارة بين الحنية وزبقين!