حارث سليمان يكتب لـ«جنوبية»: «شو منلبس» أم «نحنا مين وانتو مين»؟!

حارث سليمان
يخص الناشط السياسي والأكاديمي الدكتور حارث سليمان "جنوبية" بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع و منصاته الإلكترونية.

نص عالي الكثافة متدفق غني، تنفجر مفرداته كقنابل عنقودية متلاحقة، و تتسارع نبضاته ليس على المسرح، بل في القلوب على المقاعد، تبهرك بساطة الكلمات، لكنها تحفر في العيون المعلقة على الخشبة، عواطف متلاطمة، تارة تبكيك، واخرى تثير في نفسك شعورا بنشوة الانتماء والالتزام بقضايا الوطن، لتدمع عيناك حماسة او تعاطفا، مع طفلة تشتاق لأب معتقل في سجون الاحتلال، وتتساءل بسذاجة نافذة، عن ذنب اقترفته وتسبب بذهاب والدها الى السجن.

تأنس لمجريات المنولوج، الذي يتحول دون ان ينتبه احد، الى حوار ثم سجال، ثم خصام بين شخصيات عدة، حيث تثور الطفلة ثم المراهقة، على تعليمات الأهل في السلوك والعادات الاجتماعية، وتتماهى مع نزوات اعمارها المتعاقبة…

تبدع انجو ريحان في مشهد استقبال والدها الخارج لتوه من معتقل عتليت والعائد الى منزله فتفتح ذراعيها تستقبله ولتضم كل آباء العالم واحراره

وكما تتقاذف أمواج البحر خشبة زورق مكسور فوق الماء، تقع ابنة الاب الشيوعي الشيعي،  والام الرفيقة المعلمة التي تعمل في تحرير المرأة ومحو الامية، في لجة تناقض القيم وتضاربها، في مجتمعات من طبائع متوازية، وانقلاب  الأعراف وتعددها، والتأرجح في الانتماء الديني او الفكري، بين السعي تارة الى اعتناق المسيحية والرهبنة، او الالحاد الشيوعي والعلمنة، او التدين والحجاب الاسلامي، فتارة يفرض عليه سلوك الحشمة وطورا ترتدي ثياب البحر… وبأداء رائع بحركات اليدين والتواءات الجسد وتعبيرات الوجه والعيون، تندرج أسارير كوميديا المواقف المتناقضة والمضحكة، وتتصاعد الحبكة المسرحية، لتعرض قضايا عامة ومظاهر وأحداثا جسيمة من الاعتقال ومداهمات جيش الاحتلال الاسرائيلي،  وممارسة فعل المقاومة بطهو الطعام عل سطوح المنازل، لتصل روائح الطعام لمعتقل أنصار، الى مواجهة التزمت الديني داخل بيئة محافظة، إلى الإصابة بجروح بليغة نتيجة لمحاولة اغتيال سياسي للاب بكاتم للصوت، وفرض التهجير على اسرته، بعيدا عن المنزل في القرية، الى القصف الذي يلاحق الحزب وقياداته، وصولا الى الاستنتاج الغاضب، تبوح به الزوجة “اذا خسروا بيقتلونا واذا ربحوا بيقتلونا نحن مثل خواريف الاضاحي”، سياق درامي يستولي على انتباه المشاهد، ويخطفه بشكل مطلق دون هدنة او وقت مستقطع او برهة مراوحة.

إقرأ ايضاً: حارث سليمان يكتب ل«جنوبية»: دماء فلسطين من أجل فلسطين

 تلعب الادوار كلها؛ دور الاب والام والزوجة، ودور راهبة المدرسة ومعلمة الدين الاسلامي، باناقة واحترام سيدة نحيلة، هي انجو ريحان، التي تروي قصة عائلتها، وتنعقد بسلاسة وانسياب خلاق، قصة الابوة بابهى تجلياتها على جسد وحركات وصوت امرأة، تارة تكون طفلة  للبراءة الخائفة،  أويافعة تنظف السلاح المخزن للمقاومة، وينتابها ذعر كارثي ينسل من سطوة الاحتلال وجيشه؟ واخرى فتاة عابثة او مراهقة حمقاء، تناغش عالم الحداثة والازياء، وتريد مراقصة صديق شاب، يفتح لها بابا تتمناه لنمط العيش في العاصمة…

 تلعب انجو ريحان الادوار كلها دور الاب والام والزوج، ودور راهبة المدرسة ومعلمة الدين الاسلامي باناقة واحترام وتنتقل من شخصية الى اخرى بانسياب وسلاسة ومصداقية

تبدع انجو ريحان في مشهد استقبال والدها الخارج لتوه من معتقل عتليت والعائد الى منزله، فتفتح ذراعيها تستقبله، ولتضم كل آباء العالم واحراره، وليخفق وجهها بفرح يجسد الاحتفال بالحرية ويلهب اكف جمهور الصالة وخيالاتهم. 

هي ذاتها ايضا، الزوجة المناضلة التي تلعب دورها في اسرتها، والملتزمة واجبات بيتها، وتقوم بالتزاماتها الحزبية والاجتماعية…

فكيف لممثلة واحدة ان تلعب كل هذه الأدوار، وان تنتقل من شخصية الى اخرى بانسياب وسلاسة ومصداقية…

 يكاد يكون المسرح فارغا، الا من علاقة ثياب على شكل مستطيل ينتصب على قاعدة، وعلى هذه العلاقة غلالة بيضاء متعددة الوظائف، ومئزر حمام تارة يكون لفافة طفل يوم الولادة، او ضمة يد اب يحتضن ابنته، او كفن يلتف حول أم يوم وفاتها!! وحول الغلالة ووراءها تتغير الأمكنة والوظائف، وتجري الأحداث وتتعاقب الأزمنة، وفي مقدمة المسرح طبلية خشبية بدرجتين، تصلح لكل أمر، من اعتلائها كمنبر الى ممارسة سطوة ابوية، او نقاش يبدأ ديموقراطيا ولا يستمر كذلك، الى كرسي استحمام خشن قد يخدش من يرتاح عليه.

يحي جابر في مسرحية “شو منلبس” يحكي قصة جيل بكامله وليست قصة عائلة خليل ريحان هو جيل امتد من الحزب الشيوعي الى احزاب الحركة الوطنية، الى انصار الثورة الفلسطينية

 يوم دعاني الصديق خليل ريحان لحضور مسرحية “شو منلبس” لمخرجها الصديق الموهوب يحي جابر، والتي تلعب كافة ادوارها ابنة خليل، اعتقدت انني ساتابع قصة عائلة خليل وتجربته السياسية في اليسار والمقاومة والجنوب، ولم تمر دقائق قليلة حتى ادركت ان يحي جابر، يحكي قصة جيل بكامله وليست قصة عائلة… هو جيل امتد من الحزب الشيوعي الى احزاب الحركة الوطنية، الى انصار الثورة الفلسطينية، الجيل الذي قدم في “جمول” وفي القوات المشتركة دون منة، وناضل دون مقابل، وكان دوما كبش الاضاحي، تمنيت لو ان العمر ومملكة الحواس، تمكن والدتي التي قطعت التسعين من عمرها، من ان تشهد هذا العرض، لكي تستعيد  معاناة أخرى شبيهة بمعاناتها، ولتتذكر حملات الدهم والاعتقال والاضطهاد التي طالت عائلتها، ولكي تبرأ نفسها من القلق المعقود على جبينها، خوفا من محاولات الاغتيال التي تعرض لها أحد احبائها، تمنيت ان تكون قادرة  ان تسمع الحداء الاخير للبطلة ؛ بيي راح مع العسكر/ حمل سلاح راح وبكر / بيي علا/ بيي عمر / حارب وانهزم بعنجر …

السابق
فيديو يفضح الجيش الإسرائيلي: ما الهدف الحقيقي وراء «المنجنيق» لحرق جنوب لبنان
التالي
الاميركيون يلوحون بـ«الحرب المضبوطة» جنوباً..ورفض «ناعم» من «حماس» لهدنة غزة «المفخخة»!