شكل خطاب الرئيس الامريكي جو بايدن، وعرضه خطة من ثلاث مراحل لانهاء العدوان على غزة، والوصول تدرجا لوقف اطلاق النار، تطورا بالغ الاهمية، اهتمت به اوساط دولية وعربية واقليمية، فقد اصدرت خمس دول عربية هي مصر والسعودية وقطر والاردن والامارات، بيانا مشتركا يدعمون فيه، مشروع انهاء الحرب المقترح، واتى هذا البيان بعد بيان مشترك اميركي مصري قطري دعم الاعلان الاميركي، فيما رحبت “حماس” بشكل ايجابي بالمشروع، ووعدت بالرد عليه بعد درسه واجراء مشاورات حوله.
ويتضمن المشروع خارطة طريق، تشمل انسحاب جيش الاحتلال من غزة، وإطلاق سراح الرهائن وإعادة الإعمار.
الخطة الجديدة التي اقترحتها إسرائيل، ترمي الى حل يضمن وقف مستدام للحرب في قطاع غزة، ويعيد الرهائن إلى منازلهم، ومرحلة مستقبلية أفضل للقطاع المنكوب، بدون أن تكون “حركة حماس” في السلطة وتتكون من ثلاثة مراحل، وتمتد المرحلة الأولى لستة أسابيع، وستتضمن:
ويشكل الاقتراح الاميركي الاسرائيلي المعروض تسليما اميركيا اسرائيليا بالتخلي عن لغة ومقاربات أعلنت في بداية الحرب
– وقف إطلاق نار كامل وشامل، وانسحاب كافة القوات الإسرائيلية من كافة المناطق المأهولة في غزة.
– إطلاق سراح عدد من الرهائن، بمن فيهم النساء والشيوخ والجرحى، وذلك مقابل الإفراج عن المئات من السجناء الفلسطينيين. وسيتم الإفراج عن رهائن أمريكيين في خلال هذه المرحلة… و إعادة رفات بعض الرهائن الذين قتلوا إلى عائلاتهم.
– عودة المدنيين الفلسطينيين إلى منازلهم، وأحيائهم في كافة مناطق غزة، بما في ذلك الشمال. وسترتفع كمية المساعدات الإنسانية إلى 660 شاحنة محملة بالمساعدات، تدخل إلى غزة كل يوم، ويمكن توزيع المساعدات بشكل آمن وفعال، كما سيقوم المجتمع الدولي بتسليم مئات الآلاف من الملاجئ المؤقتة، بما في ذلك الوحدات السكنية.
– تتفاوض إسرائيل و”حماس” خلال الأسابيع الستة التي تتكون منها المرحلة الأولى، على الترتيبات اللازمة للوصول إلى المرحلة الثانية، والتي تشتمل على وقف نهائي للأعمال العدائية.
ثمة عدد من التفاصيل التي ينبغي التفاوض عليها، للانتقال من المرحلة الأولى إلى الثانية. وتريد إسرائيل ضمان حماية مصالحها… في حال استغرقت المفاوضات فترة أطول من ستة أسابيع، سيتواصل وقف إطلاق النار ما دامت المفاوضات مستمرة. وستعمل كل من الولايات المتحدة ومصر وقطر على ضمان استمرار المفاوضات إلى حين التوصل إلى كافة الترتيبات، والتمكن من الشروع بالمرحلة الثانية.
– المرحلة الثانية ستتضمن الإفراج عن كافة الرهائن الأحياء المتبقين، بمن فيهم الجنود الرجال، وانسحاب القوات الإسرائيلية من غزة، ويتحول وقف إطلاق النار المؤقت، إلى “وقف دائم للأعمال العدائية”، في حال أوفت “حركة حماس” بالتزاماتها.
– المرحلة الثالثة تبدأ فيها خطة إعادة إعمار كبرى لغزة، وستتم أيضا في خلالها، إعادة رفات من تبقى من الرهائن الذين قتلوا إلى عائلاتهم”.
ويشكل الاقتراح الاميركي الاسرائيلي المعروض، تسليما اميركيا اسرائيليا بالتخلي عن لغة ومقاربات، أعلنت في بداية الحرب، من مثال تشكيل تحالف دولي لقتال “حماس” على لسان الرئيس الفرنسي، الى المطابقة بين “حماس” و”داعش” و”القاعدة” على لسان بنيامين نتنياهو، وصولا الى مطالب غربية واسرائيلية جرى رفعها؛ وتضمنت مطالبة بترحيل “حركة حماس” وقياداتها خارج قطاع غزة واسترجاع الحل الذي تم تنفيذه في بيروت من اجل اخراج منظمة التحرير من لبنان، وقد تبنى بعضها بخفة ساذجة بعض الاعلام في لبنان، كما يتضمن الاقتراح تسليما باحتمال بقاء “حماس” في غزة، حيث يترك مستقبل “حماس” فيها، كشان فلسطيني في إطار عربي، لكن مع اعلان الحرص على عدم السماح لها الإمساك بالسلطة فيها، او تمكينها من استعادة تسليحها وقدراتها العسكرية، التي مكنتها من القيام ب “طوفان الاقص” ثانية.
كما يشكل العرض تخليا واضحا من اسرائيل عن اي دور امني لها في قطاع غزة
ولعل مطلب انهاء سلطة “حماس” في غزة، لا يندرج فقط في اطار الاهداف الاميركية والغربية، بل قد يكون مطلبا فلسطينيا وعربيا ايضا، لان انفراد “حركة حماس” بالسلطة في غزة، قد رسخ انقساما فلسطينيا دام نحو عقدين من الزمن، وخرب الجهود الدولية للسير بحل الدولتين، ومكن اليمين الاسرائيلي المتطرف، من متابعة استيطان الضفة الغربية وتهويدها.
كما يشكل العرض تخليا واضحا من اسرائيل، عن اي دور امني لها في قطاع غزة، بعد الانسحاب الكامل لجيشها في نهاية المرحلة الثانية، ويسمح ايضا بعودة السكان الى احيائهم ومدنهم، بما في ذلك شمال القطاع، وهو أمر اذا ما استكمل تنفيذه، يسقط اوهام الترانسفير والتهجير الى سيناء، الذي حلم به اليمين الاسرائيلي، والذي لو نفذ في غزة، سيكون مقدمة لتنفيذه لاحقا في جولة ثانية في الضفة الغربية الى الاردن.
ما تحمله الخطة من ثغرات ومخاطر، هي آلية الانتقال من المرحلة الاولى الى المرحلة الثانية، فالانتقال هنا ليس تلقائيا، بل يمكن لاسرائيل بعد ان تختلق ذرائع شتى، وان تطيل امد المفاوضات الى ما لا نهاية لها.
الحرب إلى أجل غير مسمى سعيا وراء فكرة النصر الكامل غير المحددة، لن تؤدي إلا إلى تعثر إسرائيل في غزة
وقد توجه الرئيس جو بايدن في خطابه الذي اعلن فيه خطة انهاء الحرب؛ الى مستوطني اسرائيل: ” ينبغي أن يعرف الشعب الإسرائيلي، أن هذا العرض لا يحمل مخاطر على أمنه، لأن “حماس” لم تعد قادرة، على شن هجوم مماثل للسابع من أكتوبر في هذه المرحلة. ويستطرد متوجها الى اقصى اليمين الاسرائيلي الديني والقومي ؛” أعرف أن بعض الأطراف في إسرائيل لن تتفق مع هذه الخطة، وتدعو إلى أن تواصل هذه الحرب إلى أجل غير مسمى.
– إن الحرب إلى أجل غير مسمى، سعيا وراء فكرة النصر الكامل غير المحددة، لن تؤدي إلا إلى تعثر إسرائيل في غزة، واستنزاف مواردها الاقتصادية والعسكرية والبشرية، وتعزيز عزلتها في العالم.
والرئيس الاميركي بذلك، يؤكد العمل مع الاوساط اليهودية الاميركية، الى تبني محاولة انقاذ اسرائيل من نفسها، فيضيف قائلا ؛” لن تعيد الحرب إلى أجل غير مسمى الرهائن إلى منازلهم، ولن تحقق الهزيمة الدائمة لحماس ولن تؤمن الأمن المستدام لإسرائيل. ولكن النهج المتكامل الذي يبدأ بهذه الصفقة، سيعيد الرهائن إلى منازلهم ويحقق المزيد من الأمن لإسرائيل، وهو بذلك يصارح شعب اسرائيل بما معناه ” دعكم من وهم النصر الكامل”.
كما ستعزز الصفقة احتمال تحقيق الهدوء على طول حدود إسرائيل الشمالية مع لبنان
في المقابل يشرح الرئيس الاميركي، إن نجاح الصفقة سيكون ربحا لكلا المجتمعين على ضفتي الصراع، ف “ستبدأ عملية إعادة إعمار غزة من خلال الصفقة، وستتمكن الدول العربية والمجتمع الدولي والقادة الفلسطينيون والإسرائيليون من القيام بذلك، بطريقة لا تتيح إعادة تسليح حركة حماس. وستعمل الولايات المتحدة مع شركائنا لإعادة بناء المنازل والمدارس والمستشفيات في غزة، للمساعدة في إصلاح المجتمعات التي تدمرت في خضم فوضى الحرب.
كما ستعزز الصفقة احتمال تحقيق الهدوء على طول حدود إسرائيل الشمالية مع لبنان. وستساهم الولايات المتحدة في التوصل إلى حل دبلوماسي يضمن أمن إسرائيل ويتيح عودة السكان إلى منازلهم بأمان، وبدون الخوف من التعرض للهجوم”.
– وستساعد الولايات المتحدة في ضمان وفاء إسرائيل بالتزاماتها، وتضمن مصر وقطر ان تفي حماس بالتزاماتها.
في ارفع رد ايراني على العرض الاميركي، تحدث المرشد الايراني السيد علي خامنئي عن صفقة وقف حرب غزة فقال : إن عملية طوفان الأقصى شكلت ضربة قاصمة لإسرائيل، مستبعدا تعافيها منها..
كما أشار خامنئي، إلى أن العملية بددت مساعي واشنطن وإسرائيل للتطبيع مع دول المنطقة، مضيفا أنه يتعين على الجميع ألا يعقدوا آمالا على اتفاق وقف إطلاق النار في غزة…
وخلال مؤتمر صحافي في بيروت، قال محمد باقري كني وزير الخارجية الايرانية، رداً على سؤال حول موقف إيران من خطة بايدن، إنه ينبغي على الولايات المتحدة أن توقف دعمها لإسرائيل، بدل أن تقترح وقفاً لإطلاق النار. وقال الوزير إنه اختار لبنان كأول محطة خارجية له لأنه “مهد المقاومة” ضدّ اسرائيل.
ما يتعرض له المقترح الاميركي من رفض مزدوج، من اقصى اليمين الاسرائيلي ومن راس محور الممانعة في ايران، امر يتكرر منذ اتفاق اوسلو، وهو تخريب مزدوج لاي مسار سلمي، يفضي لقيام دولة فلسطينية، ويشي المقترح الاميركي الجديد لوقف حرب غزة، انه يتسق مع مسار دولي لتنفيذ حل الدولتين، وهو ما دعا رئاسة السلطة الفلسطينية، للرد بقوة على المرشد الخامنئي، حيث قالت في بيانها، إن الشعب الفلسطيني “ليس بحاجة إلى حروب لا تخدم طموحاته بالحرية والاستقلال”، مشيرة إلى أنه هو من يدفع ثمن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
وأضافت الرئاسة الفلسطينية أن تصريحات خامنئي تعلن بوضوح أن “هدفها التضحية بالدم الفلسطيني وبآلاف الأطفال والنساء والشيوخ وتدمير الأرض الفلسطينية”، بحسب وصفها.
وقالت إن هذه التصريحات لن تؤدي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وأكدت أنها لا تريد سياسات وصفتها بأنها لا تخدم الأهداف الوطنية الفلسطينية الممثلة بتحرير القدس ومقدساتها، وتقوم “بتدمير الشعب الفلسطيني وتهجره من الأرض، التي ناضل من أجل الحفاظ على هويتها”، وفق تعبيرها.
هذه التصريحات لن تؤدي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية
على ضوء التوازنات التي سترسيها معركة غزة، سيعاد تقييم الأوزان الإقليمية وخرائط النفوذ الجيوسياسية، وتخشى ايران من ان تفقد اوراقا عزيزة استثمرت فيها، خلال عشرات السنين وتشكل الورقة الفلسطينية، اي دور “حماس” العسكري، التي يمكن ان تخسرها بنهاية حرب غزة حسب الاقتراح الاميركي، تشكل كارثة سياسية تسقط كل مزاعمها في زعامة محور المقاومة ورفع راية فلسطين، ولذلك فان موجة من التصعيد العسكري، تمارسه كل فصائل محور الممانعة في اليمن والعراق ولبنان، ستكون منتظرة ومشتعلة في لبنان والمنطقة، كي تضمن طهران حصتها من توازنات المنطقة، فهل تتحول معركة “حزب الله” لاسناد غزة، الى معركة استدامة نزيفها واستثمار آلامها؟

