من المعروف أنه عندما تعجز السياسة والدبلوماسية، عن حل أي مشكلة قائمة بين طرفين متنازعين، سواء كانت سياسية أو وطنية، كالخلاف على الحدود مثلاً، يصبح اللجوء إلى الحرب العسكرية حتمياً في غالب الأحيان للأسف، خاصة عندما يكون الطرفان أو أحدهما على الأقل، مأزوماً داخل بلده – وهذا يحدث غالباً في الأنظمة التوتاليتارية – فيكون اللجوء إلى الحرب مخرجاً له لشد العصب الوطني أولاً، وبهدف تحقيق إنتصار ما قد تكون عجزت السياسة أو الدبلوماسية عن تحقيقه ثانياً، هكذا تخاض الحروب غالباً لأسباب سياسية أو وطنية – وبعضها يخاض لأسباب يلعب فيها عامل الكره الشخصي بين زعيمين مثلاً دوراً كبيراً – ويكون معيار النصر فيها أو الهزيمة هو مدى تحقيق الهدف السياسي الذي خيضت من أجله .

وهكذا قد تتحول بعض الهزائم العسكرية – ولو في حالات محدودة – إلى نصر سياسي كما حصل مثلاً في أعقاب العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ، كما يمكن أن تتحول بعض ” الإنتصارات ” العسكرية إلى هزائم سياسية، إذا لم يُحسن أصحابها إستثمارها في إطارها الصحيح، سواء بأخطاء سياسية قاتلة، أم نتيجة غرور القوة وإنتفاخ الذات لدى بعض القادة.
العالم العربي لا يشذ عن هذه القاعدة، لا بل يمكن القول أنه مليء بالتجارب والمحطات التي تؤكدها
العالم العربي لا يشذ عن هذه القاعدة، لا بل يمكن القول أنه مليء بالتجارب والمحطات التي تؤكدها، فإذا كانت حرب 1956 مثلاً جعلت من جمال عبد الناصر زعيماً عربياً وأخرجت النفوذين البريطاني والفرنسي من المنطقة، رغم الهزيمة العسكرية، فإن هزيمة 1967 وإن كانت أعادت “تبييضه” كزعيم – إذا جاز التعبير – بسبب من العاطفة الشعبية تجاهه، إلا أنها أصابته شخصياً، كما أصابت مصر والأمة العربية بضربة قاسية، ليس فقط بسبب الفشل في تحقيق الهدف السياسي منها، بل لخسارة المزيد من الأراضي العربية في كل من مصر والأردن وسوريا، ضربة لا زلنا كبلدان عربية نعاني من تداعياتها حتى اليوم، في محاولة للبحث عن إنتصارات، تعيد ولو جزء من تلك الأراضي التي أُحتلت يومها، لإقامة الدولة الفلسطينية العتيدة عليها ولكن دون طائل.
ليتحول نصر أكتوبر في نظر الكثيرين من العرب إلى هزيمة، بدليل إستمرار الإحتلال الصهيوني للأراضي العربية
جاءت حرب تشرين 1973 لتكون أول حرب “ينتصر” فيها العرب على إسرائيل عسكرياً، بحيث تم على الجبهة المصرية عبور قناة السويس، وتدمير خط بارليف، الذي كان يعتبر واحداً من أقوى الخطوط الدفاعية في العالم، إن لم يكن أقواها على الإطلاق، تم ذلك بمهارة وتقنية ومهنية وحرفية عالية من الجيش المصري، كذلك تم على الجبهة السورية تدمير خطوط الدفاع الصهيونية في الأيام الأولى للحرب، وذلك قبل أن “ينفخت الدف ويتفرق العشاق”، سواء ما بين القيادتين العسكرية والسياسية في مصر، أو بين قيادتي كل من مصر وسوريا، فكانت النتيجة ثغرة الدفرسوار على الجبهة المصرية، وإنهيار الجبهة السورية تحت ضغط الهجوم الإسرائيلي المضاد، والذي لولا الدعم العربي خاصة من الجيشين العراقي والمغربي، لكان أدى إلى سقوط دمشق يومها، وهو ما أدى بعدها إلى إتفاقيات فك الإشتباك، لتبدأ رحلة تفريغ “النصر” النسبي من محتواه عن طريق الوساطة الأميركية، التي قادها وزير الخارجية يومها هنري كيسنجر، عبر سياسة “الخطوة خطوة”، والتي أدت في نهاية المطاف إلى “حرب أهلية عربية” وجدت لها أرضاً خصبة في لبنان، حيث كان مركز الثقل الفلسطيني، مدعوماً بقوى اليسار اللبناني وقوى الرفض العربية، التي خاضت الحرب تحت شعار الدفاع عن العمل الفدائي الفلسطيني، لمنع تصفية القضية الفلسطينية، ليكون أول ظهور لمحور الممانعة الذي كان يسمى يومها جبهة الرفض، بينما إختارت مصر بقيادة أنور السادات، سلوك طريق السلام مع إسرائيل، الذي كانت بدايته بزيارة السادات إلى القدس المحتلة، في شهر تشرين الثاني من العام 1977، ليتحول نصر أكتوبر في نظر الكثيرين من العرب إلى هزيمة، بدليل إستمرار الإحتلال الصهيوني للأراضي العربية – بإستثناء مصر، التي إستعادت كامل أراضيها المحتلة – نتيجة الفشل في إدارة المعركة السياسية العربية بشكل عام، بغض النظر عمن يتحمل المسؤولية المباشرة، ونسبة كل فريق في تحمل هذه المسؤولية المشتركة في نهاية المطاف، في حين أن “هزيمة” إسرائيل تحولت إلى نصر سياسي داخلي أولاً، بسبب ما قاموا به من تحقيق في أسباب الهزيمة، وخارجي ثانياً بسبب نجاح مفاوضاتها مع مصر، ما أدى إلى خروجها من الصراع، في حين لم نلحظ لجنة تحقيق عربية واحدة، للتحقيق في سبب الثغرة مثلاً في مصر، أو كسر الهجوم السوري وتراجعه في الجولان.

في خضم هذه التطورات، دخل على المنطقة عام 1979 عاملاً جديداً، هو الثورة الإسلامية في إيران بقيادة آية الله الخميني، التي “تبنَّت” القضية الفلسطينية، فكان أن توسَّم فيها بعض الشارع العربي خيراً، ورأى فيها بديلاً عن خروج مصر من الصف العربي، بعد إتفاقيات كامب ديفيد، والذي ترك فراغاً كبيراً ، في حين رأى فيها بعض الأنظمة العربية المحافِظة خطراً يهددها، وبعضها الآخر كالنظام السوري مثلاً، فرصة أو “مخلب قط” – إذا صح التعبير – في مواجهة خصومه من العرب، وإبتزازهم خاصة مع بروز إتجاه لـ”تصدير الثورة” الإيرانية لبعض الدول العربية، خصوصاً في العراق والخليج، ما أدى لاحقاً لإندلاع الحرب العراقية – الإيرانية من جهة، وكذلك سنداً وداعماً له في مواجهة الدول الغربية، في محاولته السيطرة على لبنان، لإستعماله كورقة في مواجهة الضغوط عليه، بعد إنسحاب مصر من المواجهة، وذلك نظراً لوجود العامل الشيعي القوي فيه، خاصة بعد الإجتياح الصهيوني لأراضيه عام 1982، لتبدأ مرحلة جديدة من “الإنتصارات” العربية، ما زالت مستمرة حتى يومنا هذا.

