حارث سليمان يكتب لـ«جنوبية»: قراءتان في الاستراتيجية الإيرانية

حارث سليمان

تتبنى قيادة الجمهورية الإسلامية لنفسها بنية عقائدية، تقوم على شرعية النظام الإسلامي، انطلاقا من اتصال معرفي وواقعي وغيبي، بين الولي الفقيه، الذي يحوز مرتبة الاجتهاد والاعلمية والورع الضامن للعدالة، ليكون مرشدا للثورة الاسلامية، ونائبا للامام المهدي المنتظر صاحب الزمان، ويصعب ويتعذر تطبيق هذه المعايير، الا في حال كانت المرجعية مستقلة عن السياسة والصراع على السلطة والثروة، ورغم هذه الصعوبة فقد اعتمدت طاعة المرشد في ايران كأمر واقع لا نقاش فيه، واصبح تنفيذ تعليماته وتحويل فتاويه إلى آليات، عملية تدب على أرض الواقع، وتتزامن مع توالي الأحداث ومجريات الوقائع، كما أصبحت هذه الطاعة سعيا لمرضاة الله، من قبل الرعية وجموع الاتباع والمؤمنين بها، وأفراد الشعب الذين يعيشون في نطاق صلاحياتها وأحكامها، والطاعة هذه لا تفصلها او تقطعها، حدود جغرافية او قانونية أو وطنية، بل تمتد ما امتد تأثير العقيدة، ويتعاظم نفوذها وتأثيرها، كلما زاد عدد معتنقيها، وتعددت الدول والأوطان التي تنتشر بها.

على هذه القاعدة الفقهية، ارتفع قسم من السياسات المتبعة من ايران الى مرتبة القداسة، والقسم هذا هو نطاق عمل المرشد، واصبح كل ما يفتي به او يطلبه او يأمر به الولي الفقيه، لا يخضع لاي نقاش او تصويب او تصحيح او مراجعة، ولم يعد لأي خيارات يعلنها في اي ميدان من ميادين الحياة العامة، صفة التجريب، او المفاضلة، فهي لا تخضع لمراجعة او مساءلة، ويتم تصنيف اي نقد لها او تصويب لمسارها، في باب الخيانة والانشقاق والنفاق والتمرد، واذا كان من أمور وإجراءات لتسيير امور البلاد والعباد، في الاقتصاد وإنتاج الطاقة والصناعة والزراعة، والتعليم والصحة والإسكان وغيرها، فهي منوطة بمستويات أقل قداسة وأدنى مرتبة، كرئاسة الجمهورية والحكومة واجهزة الوزارات المختلفة.

المرشد يحدد معسكر الاعداء والاصدقاء، ويُوَصِّفُ طبائع الخير والشر وأطرافهما

المرشد يحدد معسكر الاعداء والاصدقاء، ويُوَصِّفُ طبائع الخير والشر وأطرافهما، ويفتي بما هو حلال ومستحب ومرغوب، وينهى عن ما هو حرام ومستبعد ومكروه، ليس فقط في امور العبادات والطاعات والطقوس، بل في كل امر يطال الفرد والأمة والوطن.

في الخيارات السياسية الاستراتيجية، لم تكلف ايران الاسلامية نفسها، أن تخترع جديدا، بل تبنَّت كل قضايا حركة التحرر العربية والإسلامية؛ اولا في إعلان العداء لأميركا ودول الغرب واسرائيل، و ثانيا في ادعاء انحيازها إلى الفقراء والفئات الكادحة، ونصرة الضعفاء والمظلومين، و ثالثا في سعيها لتوحيد المسلمين تحت قيادتها، و رابعا في تفكيك التبعية للغرب وانجاز الاستقلال الوطني، على المستوى السياسي والاقتصادي.

تقدمت الدعوة الايرانية الى تصدير الثورة، هادئة تارة واثقة تأخذ مساحات جديدة، وتوسع نفوذها، وصاخبة نزاعية عبر زعزعة استقرار الدول العربية المجاورة

وعلى قاعدة الأزمات والهزائم والفشل، التي منيت بها الدول العربية، سواء في مواجهة تداعيات القضية الفلسطينية، او الفشل في بناء الدولة الوطنية الديموقراطية، او تعثر بناء نموذج تنمية مستدامة، تُستثمَرُ فيه بشكل ناجح الموارد الطبيعية والبشرية، وتدمج المجتمعات العربية في اقتصاد العالم الحديث وانتاجيته، تقدمت الدعوة الايرانية الى تصدير الثورة، هادئة تارة واثقة تأخذ مساحات جديدة، وتوسع نفوذها، وصاخبة نزاعية عبر زعزعة استقرار الدول العربية المجاورة، وتشجيع انقسام الجماعات الأهلية، والتدخل السافر في الحروب والأزمات، و مارست المزج الماكر، بين البعد الثقافي الديني، والاصطفاف المذهبي، والفعل السياسي بدعم أحزاب هنا واقليات هناك، والتجنيد العسكري لقوى تأتمر بأوامرها وتتبنى شعاراتها وتدافع عن مصالحها…

على قاعدة هذه العقيدة الشمولية الثيوقراطية، التي أقامت حكم رجال الدين في إيران، مارست الجمهورية الاسلامية دورها داخل إيران وفي خارج ايران؛ في لبنان والعراق وسوريا واليمن وفلسطين، وحاولت النفاذ الى البحرين والسعودية والسودان وغيرها، ولم تنجح الا بالاستناد الى وجود جماعات شيعية، أعادت صياغة عقيدتها الشيعية، بما ينصاع لرؤيتها وتوجهاتها، ففي لبنان انتقل شيعة لبنان من فضاء طروحات السيد موسى الصدر، والشيخ محمد مهدي شمس الدين، والسادة محمد حسين فضل الله، ومحمد حسن الأمين وعلي الامين وهاني فحص، الى “نمط تشيع جديد لا يشبه التشيع التاريخي التقليدي” في لبنان ولا شيعته، ويضيق مجال هذه المقالة لإجراء مقارنة لتبيان الفارق الكبير بين افكار هؤلاء الشيعة الرواد، على تعدد اتجاهاتهم، وبين نمط التشيع الحزب الالهي الذي فرضته ايران في لبنان.

لا تقتصر المفارقة على مستوى الطروحات الفكرية والاجتهادات الدينية بل تنسحب الى ميادين مختلفة

لا تقتصر المفارقة على مستوى الطروحات الفكرية والاجتهادات الدينية، بل تنسحب الى ميادين مختلفة، لتطال الطقوس والعبادات والاحتفالات والعادات، ومناحي السلوك في اليوميات والاعياد والاعراس والمآتم، والتعليم الديني والتقديمات الاجتماعية والخدمات المختلفة.

وتكاد المقارنة بين ما كان يمارسه اللبنانيون الشيعة، من طقوس وعبادات وسلوك في الحياة العامة والمناسبات والاعياد، وبين ما تحولت اليه هذه الامور اليوم، تكاد المقارنة تفضي الى الاستنتاج ان أهالينا وأجدادنا وأسلافنا جميعا من الشيعة، قد ماتوا ميتة جاهلية مؤسفة بالمنظور الإيراني الجديد.

أما في سوريا، فقد لجأت إيران الى إعادة تشييع العلويين، وتخليق مذهب جديد، لا هو المذهب الشيعي الاصلي، ولا هو مذهب النصيرية العلوية التاريخي، وذلك عن طريق جمعيات مذهبية، جرى تمكينها من ممارسة نشاطات ثقافية ودينية وخدماتية، كما جرى اعادة تخليق المذهب الزيدي في اليمن، ليتماشى مع ولاية الفقيه والتشيع الإيراني، وسيادة الحوثيين على رأسهم، وعلى الرغم من ان مذهب الزيدية، التي يشكل الحوثيون سلالة هاشمية منهم، هي ملة في منتصف مسافة الافتراق السني الشيعي، وليست متطابقة مع التشيع الايراني…

في فلسطين، لم تجد ايران فيها جماعة شيعية حاضنة لعقيدتها

اما في فلسطين، فلم تجد ايران فيها جماعة شيعية حاضنة لعقيدتها، او أقلية مذهبية كعلويي سورية او حوثيي اليمن، بل وجدت ضالتها في حركة “حماس” المستندة الى الإخوان المسلمين لتكون حليفتها، في تزاوج مبتكر بين الاسلام السياسي بفرعيه السني والشيعي…
احتلت قضية فلسطين خلال القرن الماضي، صدارة قضايا التحرر العالمي، وطبع الصراع العربي الإسرائيلي احداث عشرات السنين الماضية، فكانت قضية العرب والمسلمين الاولى، كما نالت تعاطف وتأييد، اعدادِ كبيرة من حركات التحرر الوطني في العالم الثالث، ومن مناصري حقوق الانسان في دول العالم اجمع، بعد ان اعادت منظمة التحرير الفلسطينية، إحياء الشخصية الوطنية الفلسطينية، ورسخت الشرعية النضالية الفلسطينية وحضورها الإقليمي والدولي، واعتبرت فلسطين على مدى المرحلة الماضية، قضية تحرر وطني لشعب طرد من أرضه، وحرم من الحق في تقرير مصيره على ارض وطنه، كما تبين بعد قيام إسرائيل أنها كيان استيطاني اجلائي, يقوم على التطهير الاثني, وممارسة تهجير سكان البلاد الأصليين، وعلى ممارسة وتشريع نظام فصل وتمييز عنصري (ابارتهايد).

ايران التي رفعت راية فلسطين، في وجه إسرائيل جعلت من هذه القضية “قضية تختصر بالمسجد الأقصى”

لكن ايران التي رفعت راية فلسطين، في وجه إسرائيل، كقضية تستطيع تجميع كل اذرعتها في المنطقة، في محور استراتيجي ينتظم بقيادتها باسم “محور المقاومة”، جعلت من هذه القضية “قضية تختصر بالمسجد الأقصى…

وللمفارقة فإن المسجد القائم اليوم في القدس، هو مسجد أموي تم بناءه حول قبة الصخرة، المُشَرَّفة الواقعة على صحن مرتفع في وسط ساحة الحرم الشريف، وهي تشكل أهم معالم المسجد الأقصى المبارك، وقد شرع في إنشائه عبد الملك بن مروان، الخليفة الأموي الخامس، سنة 68 هـ \688 م، وانتهى البناء سنة 72 هـ \691 م.

وعلى الرغم من القيمة الدينية لقبة الصخرة لدى المسلمين عامة، حيث عرج الرسول الى السماء منها، فان المفارقة ان تجعل ايران الشيعية، مسجدا امويا مجمل قضيتها في فلسطين.

وعلى الرغم من ان ايران، تصر على ترداد وتعميم هذه القراءة الدينية والعقائدية لاستراتيجيتها، وخياراتها الجيوسياسية في المنطقة، وعلى الرغم من ان بعض خصوم إيران ومناهضيها، يعتمدون هذه الأسس لبحث تكتيكات ايران واستقراء خياراتها، فان الحقيقة التي نراها بادية هي عكس ذلك تماما، و لذلك سنفصلها في مقالة مقبلة، نبين فيها، ان الاستراتيجية الايرانية تقوم على ادارة المصالح الايرانية، وترسيخ النفوذ في الاقليم خارج حدودها، وادارة منافع النظام التيوقراطي، ورجالات سلطاتها وتحصين سطوته واطالة أمد حكمه…

السابق
هل يتجرع الفلسطينيون كأس التهجير القسري؟!
التالي
عمل إرهابي يهزّ روسيا.. مسلحون يقتحمون حفلاً موسيقياً ويوقعون قتلى!