حارث سليمان يكتب «جنوبية»: مَنْ يهبُ سُلُّماً ل«حزب الله»؟!

حارث سليمان
يخص الناشط السياسي والأكاديمي الدكتور حارث سليمان "جنوبية" بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع و منصاته الإلكترونية.

يتواصل تدحرج التصعيد العسكري في الجنوب عمليات قصف مبرمجة، يقوم بها سلاح طيران العدو الاسرائيلي وسلاح مدفعيته، وبصواريخ مسيراته التي لا تبرح الاجواء اللبنانية، وفيما يقوم “حزب الله” بعمليات عسكرية شبه يومية، كان تعدادها يوم امس ثلاثة عشر عملية قصف، طالت اهدافا عسكرية بمعظمها وقصف مباني معامل للنبيذ والحديد في مستوطنتين، يتبدى المشهد ظاهرا، ان “حزب الله” الذي بادر الى فتح الجبهة العسكرية في الثامن من اوكتوبر، كجبهة مساندة لغزة في حربها مع اسرائيل، اصبح محكوما بمعادلة عصية على الحل، واصبح اسير خطوط وضعها لنفسه، واخرى جاءت لتقفل الدوائر عليه، تارة  بخطوط رسمتها ايران، واخرى رسمتها اسرائيل وجرته الى وسطها؛ 

وضع “حزب الله” معادلة لنفسه تقول ان وقف اطلاق النار في جنوب لبنان موصول ومرتبط بوقف لاطلاق النار في غزة

من ناحية اولى، وضع “حزب الله” معادلة لنفسه، تقول ان وقف اطلاق النار في جنوب لبنان، موصول ومرتبط بوقف لاطلاق النار في غزة، هذا الموقف كان في الاسابيع الاولى لحرب غزة، عند بداية حملة اسرائيل البرية، كانت الترجيحات للخبراء بمختلف اتجاهاتهم، تفيد ان حرب غزة ستنتهي مع نهاية السنة الماضية في كانون الاول ٢٠٢٣، وكان “حزب الله” يعتقد ان تسوية تجري في غزة، لن تكون على حسابه او خلافا لمصالحه، وكان الربط بين الجبهتين، يؤمن له ان يكون جزءا من التسوية التي يتم ترتيبها، وان مصالحه ستكون مؤمنة.

رفض “حزب الله” البحث بحل لتحديد الحدود البرية والعودة الى خط الهدنة وتنفيذ متبادل بين لبنان واسرائيل للقرار الدولي

اما الناحية الثانية، فقد رفض “حزب الله” البحث بحل لتحديد الحدود البرية، والعودة الى خط الهدنة وتنفيذ متبادل بين لبنان واسرائيل، للقرار الدولي واقامة منطقة خالية من المظاهر المسلحة، بين نهر الليطاني والخط الازرق، قبل وقف العدوان على غزة، وكان العرض الاميركي الغربي المدعوم من اسرائيل يهدف اضافة الى تامين عودة المستوطنين اليهود الى شمال فلسطين، كان العرض هذا يهدف الى منع احتمال توسيع حرب غزة، الى حرب اقليمية تشمل دول محور الممانعة من رفح الى طهران.

غير ان حرب غزة قد وصلت الى نهاية شهرها الخامس، ولا يلوح في الافق ملامح جدية للوصول الى هدنة انسانية وتبادل للاسرى، فيما تستمر الولايات المتحدة الاميركية، باستعمال حق النقض الفيتو، للمرة الثالثة، لمنع مجلس الامن الدولي، من تبني قرار يدعو الى وقف فوري لاطلاق النار في غزة، وكان آخر هذه المحاولات مشروع قدمته الجزائر، ونال ١٣ صوتا موافقا وصوت ممتنع وفيتو اميركي.

حرب غزة قد وصلت الى نهاية شهرها الخامس ولا يلوح في الافق ملامح جدية للوصول الى هدنة انسانية وتبادل للاسرى

في نفس الوقت، فان توسيع حرب غزة الذي كان احتمالٌ تخشى من حدوثه، دول الغرب في أميركا واوروبا، قد جرى تطويقه ومحاصرته وابطال مفاعيله، عبر دفع ايران ترهيبا وترغيبا، الى النأي بنفسها عن التورط فيها، وعبر اطلاقها جملة من المواقف السياسية، تنكر فيها تورطها او مسؤولياتها، عن اي عملية عسكرية قامت بها اطراف منتمية لمحورها في الممانعة، سواء كان ذلك عملية “طوفان الاقصى” في فلسطين، او عمليات ما يسمى بميليشيات الحشد الشعبي الولائية في العراق وسوريا، او كانت تصدي الحوثيين في اليمن، لحركة البواخر المتجهة الى اسرائيل عبر باب المندب والبحر الاحمر…

لم يعد اي مجال للشك، لدى دول الغرب واميركا واسرائيل، ان ايران ليست جزءا من المواجهة الجارية في المنطقة، ولذلك تستطيع الولايات المتحدة الاميركية، ان تعيد ميليشيات العراق الى بيت الطاعة، وان تضرب مقرات قياداتها ومخازنها، وأن تصفي كوادرها، دون ان يكون هناك احتمال، بان يجر ذلك ايران الى مواجهة عنيفة، كما تستطيع البحرية البريطانية والاميركية، ان تقوم بشكل شبه يومي، بضرب مراكز الحوثيين في اليمن، وتدمير مخزونات صواريخهم وانظمة راداراتهم ومطارات مسيراتهم، دون ان تقوم طهران باية ردة فعل عنيفة، وإضافة لكل ذلك تستطيع اسرائيل ان تستهدف قيادات الممانعة في سوريا،   وان تقتل كبار ضباط الحرس الثوري الايراني فيها، أضافة لقيادات من الممانعة في لبنان وسوريا وفلسطين، ولا يتمكن هذا المحور من القيام برد ملائم، يردع اسرائيل ويمنعها عن التمادي في غيها وسلبطتها… وبشكل عام فقد نجحت دول الغرب واسرائيل بتحطيم “وحدة ساحات الممانعة” وشل تفاعلها، ومنعت إمكانية قيامها بعمل منسق ومشترك يحقق هدفا واحدا، وانجازا مشتركا… 

على ضوء  هذه الوقائع يدير “حزب الله” اشتباكاته اليومية، ويواجه بشكل شبه يومي محاولات اسرائيلة، لدفع الحرب الى درجات اعلى من التصعيد والحماوة، ويجد نفسه محشورا في مأزق سياسي، بين محاولات اشغال الجبهة دون تصعيد يؤدي الى حرب مفتوحة، تلبية لرغبة ايرانية شبه معلنة، وبين حاجاته لردع الجيش الاسرائيلي، باستهداف اهداف موجعة على المستوى العسكري والبشري والاقتصادي، وتشكل ردا قويا على هجمات اسرائيل الاستفزازية.

ومما يفاقم هذا المأزق ويزيده حرجاً هو ان حرب غزة لا تتجه الى هدنة او وقف لاطلاق نار قريب بل ان الازمة الانسانية تتفاقم وتزيد اوجاعها

ومما يفاقم هذا المأزق ويزيده حرجاً، هو ان حرب غزة، لا تتجه الى هدنة او وقف لاطلاق نار قريب، بل ان الازمة الانسانية، تتفاقم وتزيد اوجاعها ومآسيها جوعا وامراضا وتهجيرا، فيما تصر اسرائيل وحكومة المجانين فيها ومجلس حربها، على الذهاب الى اعلى درجات الوحشية الممكنة، بإعدادها العدة لاجتياح رفح، مع ما يعني ذلك من مذبحة بشرية وانسانية، وجريمة ابادة جماعية…

كيف يتدبر “حزب الله” سبيلا للجواب على هذه الشبكة من المآزق، كيف يمكن ان يستكشف مسلكا، يخفض فيه سقف مواقف تبناها في ظروف أخرى، كيف يستطيع ان يتعامل مع حصار “حماس” في رفح دون ان يحاصر نفسه، كيف يعود ليقبل بوقف اطلاق نار، رفضه، قبل وقف اطلاق نار غزة، كيف يقبل بتمرير تسوية لتحديد الحدود البرية والعودة للقرار ١٧٠١، قبل تبيان الخيط الابيض من الخيط الاسود بغزة، كيف ينتصر بحرب لا يريدها، لكن خصمه يستدرجه اليها؟! ذلك هو مأزق يصعب على “حزب الله” ايجاد حلول له، فهل هناك من دولة في لبنان تنقذ لبنان، وتهب “حزب الله” سُلماً، لينزل عن الشجرة التي صعد الى اعلاها.

السابق
بالفيديو: جنود على حدود لبنان يأكلون من أموال غيرهم.. نتنياهو يتوجه للحزب ولافتات غريبة ترتفع
التالي
3 عمليات إغتيال إسرائيلية لقياديين داخل شقق سكنية منذ بدء العدوان… و«حزب الله» يزيد من الكثافة الصاروخية!