بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 الشهيرة، طلعت الولايات المتحدة الأميركية على المنطقة العربية والعالم الإسلامي، علاوة على الحل العسكري، بشعار الإصلاح، وذلك على طريقة العصا والجزرة كعادتها في معالجة الأمور، فكان غزو أفغانستان مصحوباً ب “دفتر شروط”، وضعته على العالم العربي لتنفيذه، بغية تحقيق الإصلاح في المناهج الدينية في البلدان العربية، ذات الأنظمة الحليفة لها ، وبخاصة دول الخليج العربية بدعوى خروج زعيم تنظيم “القاعدة” أسامة بن لادن وأتباعه من “الأفغان العرب” من هذه الدول.
تحت هذا الشعار كان غزو أفغانستان وإحتلالها في حرب عشوائية مجرمة شبيهة بما يجري اليوم في غزة حيث تم قتل عشرات الآلاف من البشر
تحت هذا الشعار، كان غزو أفغانستان وإحتلالها في حرب عشوائية مجرمة شبيهة بما يجري اليوم في غزة، حيث تم قتل عشرات الآلاف من البشر، وإعتقال مثلهم وإرسالهم إلى معسكرات إعتقال رهيبة، في قاعدة غوانتانامو العسكرية الأميركية، هذا المعتقل الذي إبتكرت وإرتكبت فيه الولايات المتحدة الأميركية، صنوفاً جديدة ورهيبة من التعذيب الجسدي والنفسي للمعتقلين فيه.
تم القضاء على حكم حركة “طالبان” وتنصيب حكم جديد على “الطريقة الأميركية” بقيادة حامد كرزاي
تم القضاء على حكم حركة “طالبان”، وتنصيب حكم جديد على “الطريقة الأميركية” بقيادة حامد كرزاي، عبر تجميع بعض زعماء الميليشيات وأمراء الحرب، الذين لا جذور شعبية حقيقية لهم في أرض أفغانستان، ولا رابط بينهم إلا عداوتهم لحركة طالبان، وصراعهم معها على السلطة، كل ذلك بإسم الإصلاح والديمقراطية ومحاربة الإرهاب، بحسب رؤية المحافظين الجدد في البيت الأبيض برئاسة جورج بوش الإبن، الذي لم يكن يعرف قبل تنصيبه رئيساً لأميركا، الفرق ما بين حركة طالبان وفرقة البيتلز الغنائية البريطانية، فكان إحتلال دام 20 عاماً وكلَّف حوالي 20 مليار دولار، لتعود أميركا وتسلِّم أفغانستان لحركة طالبان، بعد أن فشلت في تحقيق رؤيتها “الإصلاحية”، التي لم تكن في الحقيقة سوى رؤية سياسية للمنطقة، يحملها المحافظون الجدد، وهي رؤية فاشية متوحشة، تهدف إلى السيطرة الكاملة على العالم، وترسيخ النظام العالمي الجديد بقيادة أميركا، وتأديب كل من تسوِّل له نفسه الوقوف بوجه هذا المشروع.
بعد أفغانستان، إتجهت أميركا إلى حيث “القضية المركزية”، التي كان يلتقي حولها العرب والمسلمون، والتي إتخذ من مظلوميتها الكبيرة أسامة بن لادن و “قاعدته” ذريعة، لمحاولة تنفيذ مخططاته ورؤيته الفكرية والإيديولوجية والسياسية، ألا وهي أرض فلسطين، التي كانت في ذلك الوقت تغلي على إيقاع “إنتفاضة الأقصى”، بعد فشل جهود التسوية بين السلطة الفلسطينية بقيادة “الختيار – الرمز” ياسر عرفات والإحتلال الصهيوني، هذه الإنتفاضة النبيلة التي رأى فيها المحافظون الجدد في أميركا ونظراءهم في إسرائيل، حركة “إرهابية” وتعاملوا معها على هذا الأساس، وسط حمَّى وهستيريا في العالم أسمها الحرب على الإرهاب، فكانت الحرب على فلسطين وشعبها وقائدها، الذي حوصر في مقره في المقاطعة برام الله، مصحوبة ب “كذبة الإصلاح” إياها، التي بدأت أميركا بالتسويق لها، عبر المطالبة بتقليص سلطة عرفات عن طريق تعيين رئيس وزراء فلسطيني، في الوقت الذي كانت المزايدات في الداخل الفلسطيني تتوالى على عرفات المحاصر، تارة من حركة “حماس” التي إنتهجت خط عسكرة الإنتفاضة وأسلوب التفجيرات الإنتحارية، في وقت كان العالم مُستَفَزاً من الإرهاب، وأخرى من الجناح “المعتدل” داخل حركة “فتح” بقيادة رئيس الوزراء المقترح أميركياً محمود عباس.
وهكذا وقع عرفات وفلسطين وشعبها بين مطرقة المحافظين الجدد والصهاينة من جهة وسندان المزايدات الفلسطينية من جهة أخرى
وهكذا وقع عرفات وفلسطين وشعبها بين مطرقة المحافظين الجدد والصهاينة من جهة، وسندان المزايدات الفلسطينية من جهة أخرى، وكان ما كان من إغتيال الختيار وإعتقال المناضل مروان البرغوثي، لتخلو الساحة الفلسطينية لطرفي المزايدة والصراع، حركة ” حماس” وجناح عباس في حركة “فتح”، وهو ما أوصل الوضع الفلسطيني إلى ما هو عليه اليوم من حرب إبادة تشنها إسرائيل بدعم أميركي كامل على الشعب الفلسطيني في غزة، بما يذكِّر بحرب أفغانستان و”مبرراتها”، لتعود أميركا اليوم وفي ظل الحديث عن “اليوم التالي” للحرب، إلى إعادة إحياء ” كذبةالإصلاح” وتطرحها – يا للمفارقة – بوجه محمود عباس، لتسقيه من نفس الكأس الذي سقاه لياسر عرفات بالتعاون معها، عبر طرح تعيين نائب له في رئاسة السلطة، قد يكون سلام فياض ليعيد التاريخ نفسه، وذلك بدعوى الإصلاح وهو مطلب حق بالطبع، ولكن عندما يكون على الطريقة الأميركية، يغدو حق يراد به باطل، وهو الإلتفاف على حقوق الشعب الفلسطيني، وإخضاعه لحلول قد تكون مقبلة، من تحت ركام حرب غزة، وإستثماراً في نتائجها الإنسانية الكارثية.
نفس السيناريو بنفس “الكذبة” نفذته أميركا بغزو العراق تحت شعار الديمقراطية هذه المرة، وبذريعة أن نظام صدام حسين يدعم الإرهاب، ويحوز أسلحة دمار شامل، وهي ذرائع ثبت زيفها بعد فترة، لكن النتيجة كانت تدمير بلد من أعرق البلدان في التاريخ، وتسليمه لبعض “شذاذ الآفاق” في العام 2003 بقيادة “حاكمهم” بول بريمر، وذلك بإسم الديمقراطية، التي ما أنتجت على الطريقة التوافقية الأميركية – الإيرانية، سوى الفساد والإرهاب وعار سجن أبو غريب ، والتي لم يأخذوا منها إلا صندوق الإقتراع بعد أن فصَّلوا قوانين الإنتخاب على مقاس هؤلاء، الذين نهبوا خيراته وسلمُّوه بدورهم لإيران، تحت أعين الأميركيين وبغض نظر منهم.
نفس السيناريو بنفس “الكذبة” نفذته أميركا بغزو العراق تحت شعار الديمقراطية هذه المرة وبذريعة أن نظام صدام حسين يدعم الإرهاب
وهكذا، وتحت ذريعة “كذبة الإصلاح”، دُمِّرت بلدان وأنتُهكت حقوق شعوب بأكملها، كانت ترنو فعلاً ولا زالت، لإصلاح حقيقي ومستمر، فلا يرفض الإصلاح إلا متخلف أو متطرف أو فاسد، لكن بشرط أن يكون هذا الإصلاح حقيقياً بشروطه المنطقية، وشاملاً لكل مناحي الحياة خاصة السياسية منها لأنها الأساس، إلا أن الإصلاح على الطريقة الأميركية كان يهدف إلى ما أسموه يومها، “الإصلاح الديني” فقط دون السياسي، إلا بما يتوافق مع مصالحهم ومصلحة ربيبتهم إسرائيل، وإعتمدوا على تسويق الفكرة على بعض المثقفين العرب والصحفيين، بعضهم عن حسن نية وقناعة، والبعض الآخر عن خبث وركوب موجة أو عداء إيديولوجي من طينة “اللغة الخشبية”، وهو نفس ما نراه اليوم للأسف من بعض المثقفين والصحفيين بسبب حرب غزة، التي لا يرى فيها البعض إلا “متعة” التخلص من “حماس” ولو على حساب آلاف الفلسطينيين، وهو بذلك لا يختلف بتطرفه عن أطراف الصراع الحقيقيين، إسرائيل وإيران برعاية المايسترو الأميركي، الذي يوزع الأدوار و”يدوزن” طبول الحرب، وكأن 23 عاماً من المعاناة في المنطقة، ليست كافية لإقناعهم بكذب المقاصد الأميركية، وكذلك الإيرانية لدى البعض، وبأن الديمقراطية الأميركية ماركة مسجلة لأميركا والغرب، وليس مسموحاً تطبيقها خارج هذه الحدود، لأن حرية الشعوب وإختياراتها، قد لا تكون دائماً في مصلحة أميركا ومخططاتها، والدليل هو دعمها الكامل لأنظمة القمع والطغيان في المنطقة، التي تتصارع “نظرياً” مع بعضها، كالنظام الإيراني وهو “الصديق اللدود” لها لغايات وأهداف أخرى، ليس من ضمنها بالطبع نشر الديمقراطية والإصلاح في العالم العربي، هذه القيم التي لا يمكن أن تُستورد كغيرها من البضائع، لأنها يجب أن تنبع من وعي الناس ومصالحهم وقناعتهم.
وهنا دور المثقف العربي الحقيقي وأهميته في نشر الوعي الوطني والإجتماعي والإنساني، بعيداً عن التطبيل لأيديولوجية معينة أو فكر أحادي أو نظام شمولي، وهي مهمة شاقة جداً ومغامرة كبيرة بلا شك، في بلاد تبدو وكأنها تأقلمت مع واقعها المزري، سواء عن إشمئزاز أو يأس أو جهل أو عجز، لكنها مغامرة تستحق المحاولة والعناء، عبر العمل الجاد والصادق والمسؤول.

