محمد علي مقلد يكتب ل «جنوبية» في وداع كريم مروة: شجاعة التجدد والتجديد

محمد علي مقلد

“لأنني شيوعي قديم فإنني أحترم تاريخي ولا أتنكر له وأتحمل المسؤولية التي تعود لي كاملة عن كل ما ارتبط بهذا التاريخ من مواقف وأحداث في الصواب منها وفي الخطأ. وما أكثر الصواب الذي أعتز به في هذا التاريخ. وما أكثر الخطأ فيه، الذي أعترف به وأحاول قدر الامكان أن أتحرر منه في عملي الفكري فيما تبقى لي من عمر. أما ماركسيتي، فهي التي آخذ منها ما أراه صالحا للعصرمن أفكار ومفاهيم ترتبط بماركس، وأتجاوز من دون تردد ما أراه من هذه الآفكار قد شاخ وفقد علاقته بالحياة.”
قالها كريم مروة في عمر الثمانين ليعارض زهير بن أبي سلمى القائل:

نشر كريم مروة كتابين. كتابان فقط في أربعين عاماً ثم حوالي عشرين كتابا في عشرين عاماً.


سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
في عمر الثمانين قال كريم إنه يعيش فترة الشيخوخة التي قد تمتد لعقد أو عقدين، ولهذا فهو يشعر أنه يقيم في مقتبل الكتابة أو في شبابها ويصدر، كل عام أو عامين، كتابا أو أكثر. وفي الخامسة والثمانين وعد بأن يصدر في كل عام كتابين
بين عام 1953، تاريخ انتسابه إلى الحزب الشيوعي، وعام 1990، نشر كريم مروة كتابين. كتابان فقط في أربعين عاماً، ثم حوالي عشرين كتابا في عشرين عاماً. 1990 كتاب حوارات، 1997حوار الإيديولوجيات، 2001 بين أفكار ماركسية وأفكار دينية، 2002 كريم مروة يتذكر، 2003 عشية أفول الأمبراطورية، 2008 كتابان: الشيوعيون الأربعة الكبار، في البحث عن المستقبل، 2009 نحو نهضة جديدة في العالم العربي، 2012 كتابان: قادة تاريخيون كبار، في ثورات القرن العشرين، 2013 في سير وإبداعات المثقفين الفلسطينيين، أفكار حول تحديث المشروع الاشتراكي، 2014 كتابان: وجوه مصرية مضيئة في الفكر والأدب والفن، واعترافات نهاية القرن، 2015 كتاب فصول من تجربتي… وقبل وفاته بأشهر طلب مني كتابة مقدمة لكتاب جديد ولم يسمح له العمر بمنحي هذا الشرف.
لفت نظري أن نتاجه الفكري والسياسي صار غزيرا بعدما بدأت أزمة الحزب وربما أزمة الجميع مع الحزب، ما يعني أن النضال الحزبي يخلق تناقضاً حاداً جداً بين النشاط السياسي والنشاط الفكري. ذلك أن موجبات العمل اليومي تنحاز لصالح السياسي داخل كل مناضل فتكبح الجانب الثقافي والفكري فيه، وذلك لأسباب موضوعية خارجة عن إرادته. دور السياسي يتطلب منه أن يستعجل اتخاذ القرار، فيما المثقف أوالمفكر يتأنى لأن همه هو البحث عن الحقيقة. فيما المثقف يميل إلى طرح الأسئلة والتساؤلات وإثارة الاشكاليات يميل السياسي إلى تقديم الأجوبة، وأجوبته جاهزة. وفيما ينحاز المثقف للشك طريقاً إلى اليقين، ينحاز السياسي للجزم والحزم ويرى في الشك والتشكيك تخاذلا وتردداً ونقصاً في الشجاعة والاقدام.
أزمة الحزب بدأت عام 1985. كريم مروة المثقف استشعر بها فوضع كتابه الثالث، حوارات، الذي قدم فيه “مجموعة من الأفكار حول قضايا عربية ودولية وحول اما اعتبره أزمة في الاشتراكية…” وأصدره عام 1990، ما يعني أن فصوله كانت قد كتبت قبل هذا التاريخ، وما يعني أن المثقف الذي فيه هو الذي استشعر الأزمة، فيما السياسي الذي فيه كان يكبت هذا الشعور. السياسي هو الذي قال عنها أنها “بدأت تطل برأسها تدريجيا، عام 1993، إلى أن بلغت بعد المؤتمر الثامن بداية ذروتها” إلى أن ” بدأت تطل برأسها خلال المؤتمر الثامن للحزب عام 1999 لتبلغ ذروتها ابتداء من عام 2000″
في نظري إن أزمة الحزب بدأت منذ عام 1983، في وهج بطولات الشيوعيين وتحرير بيروت والجبل، يوم توهمت قيادة الحزب أن تحرير التراب الوطني سيكون خطوة على طريق إقامة حكم وطني ديمقراطي. غير أن الحزب الشيوعي اللبناني لم ينتبه إلى أن ما يريده هو من المقاومة لا تريده دول القرار الاقليمي، خصوصا بعد أن رفض الامتثال لقرار الانخراط في حرب المخيمات. حينذاك، في عام 1985، كان الحزب يتوهم أنه سيد اللعبة بمثل ما هو سيد المقاومة، فلم يكن وحده ولا مقاومته وحدها ضحية هذا الوهم، وهم السيادة على القرار الوطني.

السياسي الذي في كريم مروة لم يعترف بأن الأزمة انفجرت في الثمانينات


السياسي الذي في كريم مروة لم يعترف بأن الأزمة انفجرت في الثمانينات. شهداء الحزب قضوا في عام 1987، ضحية جانب من جوانبها، عنيت به إصرار القيادة على التحالف مع خصوم الخندق الواحد. أذكر أنني كتبت في رثاء حسن حمدان نصا في جريدة السفير، قلت في مقطعه الأخير:
” غداة موتك اهتزت خطواتنا . فقد انتزعتنا أنت ورميتنا في غموض أبله ، وتركتنا معلقين بأفكار تبحث عن ورثتها. غير أننا، في ما تبقى من آمالنا الخائبة ، وفي ما ترسب منك في آذاننا وعلى أوتار قلوبنا، نستجمع أحزاننا وأحلامنا كاليتامى ، بحثا عن وطن وعن مستقبل، بحثا عن كلام تنضح منه الحقيقة …وإذا كنا ياحسن قد فقدنا بغيابك بعضا من نكهة الصبر وشهية العناد ، فلأن الكورس قد شرد عن اللحن ، ولأن أفراد الجوقة تاهوا في ركام من عزف منفرد”
لم يتأخر وصول اللوم من قيادة الحزب على هذه الجملة الأخيرة. فهم كانوا لا يزالون غارقين في وهم العزف الجماعي، فيما كان لكل قائد في المكتب السياسي معزوفته، وعنوان الخلاف والاختلاف الذي كان لا يزال محجوزا في الأطر القيادية الضيقة، تمحور حول سؤالين: ماذا بعد انهيار الاشتراكية، إذ إن الاشتراكية كانت قد بدأت تدخل طور الأزمة المتفجرة في منتصف الثمانينات؟ وماذا بعد انفجار أزمة التحالف مع النظام السوري الذي بدأ يضبط أعمال المقاومة على إيقاع رغبته في توظيف بطولات المقاومة في تحسين شروط التسوية لا في تحرير الأرض.
الصراع، أو لنقل التباين، بين السياسي والمثقف داخل شخص كريم مروة ، بدأ إذن في أواخر الثمانينات، ولم يكن واضحاً في حينه. المثقف شعر بالأزمة لكن السياسي حال دون كشف أسبابها الحقيقية. لذلك اكتفى في تلك الفترة بالدعوة إلى التجديد لكن من ضمن البرنامج القديم. فهو قال إن “القديم الذي فينا لن يزول بدون صراع ، ولذلك فإننا مدعوون لأن نحدث التغيير، بعمق وبجرأة، في نمط التفكير، لكي نتمكن من تجديد الفكر وتجديد ممارستنا على أساسه” لكن اقتراحاته للتجديد في مجلة ” قضايا السلم والاشتراكية” اقتصرت على ثلاثة عناوين، الأول هو تحويل مجلس تحرير المجلة إلى هيئة جماعية، والثاني جعل اللغة العربية إحدى اللغات الأساسية العاملة في المجلة، والثالث دعوة “كل رفاقنا من الأحزاب الثورية إلى الانخراط في عملية التجديد التي لا غنى لحركتنا الثورية عنها، في الفكر وفي البرنامج السياسي وفي أشكال الكفاح وفي أشكال التنظيم”. بيد أن لغة الدعوة إلى التغيير ومصطلحاتها ظلت هي هي، “الجماهير في بلداننا العربية، الحركة الثورية العربية، النهوض والدور الكبير والفعال مجسدا بصمود الوطنيين اللبنانيين والفلسطينيين في حصار بيروت، وانطلاق المقاومة الوطنية اللبنانية، وانتفاضة الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة، النضال الوطني العربي المعاصر، قوى الحرية والتقدم والسلم، الأحزاب والحركة الثورية والنضال الطبقي بوجهيه القومي والاجتماعي بقيادة القوى الثورية”، إلى آخر القاموس السياسي الذي ظلت قيادة الحزب الشيوعي اللبناني تستخدمه حتى اليوم، والذي لم يتردد كريم مروة في وصفه في وقت لاحق باللغة الخشبية.

عام 1993 بدأت الكفة تميل لصالح المثقف حين قرر كريم مروة التخلي عن مسؤولياته في القيادة الحزبية والتفرغ للكتابة.


في عام 1993 بدأت الكفة تميل لصالح المثقف، حين قرر كريم مروة التخلي عن مسؤولياته في القيادة الحزبية والتفرغ للكتابة. كان عامًا حاسمًا. لم يتمكن “رسمياً” من تنفيذ قراره إلا بعد عشر سنوات، لكنه نفذه تنفيذاً عملياً حين انتصر للمثقف الذي فيه على السياسي الذي فيه، انتصرت عنده الأسئلة على الأجوبة، وتحولت الأسئلة إلى تساؤلات، وأخذت التساؤلات مداها فبدت تشكيكاً بكل شيء، بحثاً عن اليقين الضائع.
تشكيك، لكن بشهامة ونبل، فهو يشكك بكل الماضي لكنه لا يتبرأ منه. قرأ المتشددون شكه ولم يقرأوا التزامه، ولذلك أخذوا عليه ذهابه بعيدا في النقد حين حمّل لينين وماركس والثورة الاشتراكية مسؤولية الكارثة والانهيار ، وعدد خمسة عشر حدثا وواقعة وسببا لفشل مشروع الاشتراكية، من الثورة بالذات إلى تأسيس الأممية الشيوعية إلى تشكيل الاتحاد السوفياتي إلى السياسة الاقتصادية ( النيب)، التي اعتمدها لينين، إلى الدمج الستاليني المطلق بين الحزب والسلطة، إلى توقيع المعاهدة مع هتلر، إلى الخروتشوفيه، والبريجنيفيه، إلى سيطرة أجهزة المخابرات على مؤسسات الدولة، إلى عدم إيلاء الأهمية للحافز المادي الشخصي في العمل، إلى تجاهل العوامل غير الاقتصادية في حركة التطور، إلى الإصلاح الأندروبوفي الذي لم يكتمل إلى الغورباتشيفية المتسرعة، إلى أخطاء سياسية ارتكبتها الأحزاب الشيوعية في مختلف البلدان في قضايا أوطانها أو في القضايا الأممية.

كريم مروة


كما أخذوا عليه ليونته في السجال مع الفكر الاسلامي. وكان ذلك للسبب ذاته المتعلق بالتناقض بين آليات العمل السياسي التي تفترض المرونة والمهارة في استخدام المناورة ، وأليات البحث الفكري والصراع الإيديولوجي. فقد يكون ممكنا أن يحصل بين نهجين سياسيين متعارضين تقاطع واتفاق على قضية معينة، كما هي الحال في اتفاق الاسلاميين والعلمانيين على مجابهة الاحتلال الاسرائيلي بالكفاح المسلح، من غير أن ينسحب ذلك على مصالحة إيديولوجية، ذلك أن القطيعة المعرفية لم تترك مجالا للتقاطع بين منهجين من التفكير لكل منهما آلياته ومنطقه ومنهجه في البحث، وبالتالي فإن التوليفة التي اقترحها العديد من المفكرين، ومن بينهم كريم مروة، بين منهج الفكر الديني ومناهج البحث العلمي هي أمر مستحيل.
بدا كأنه يدعو إلى المصالحة مع الفكر الديني لأنه أرفق رأيه بالدين بثورة نقدية طالت مقدسات في عمل اليسار، ومنها الشيوعية والاشتراكية والماركسية. فهو لم يعد يرى ” أية ضرورة لاستخدام كلمة شيوعي تحديداً أو اشتراكي، واقترح استبدالها بكلمة يساري لأنها أكثر تطابقا مع مجريات الأحداث، ورأى أن قاعدة اليسار لم تعد الطبقة العاملة لوحدها حصراً، و” أن الكثير من أفكار ماركس لم يعد صالحا للعصر”.
غير أن مرونة كريم مروه التي بدت بمثابة انهزام أمام الفكر الديني اقترنت بموقف جريء دافع فيه عن ماركس والماركسية، وأعاد فيه الاعتبار للموقف الماركسي الحقيقي من الدين.
القطيعة المعرفية في فكر كريم مروة حصلت يوم طلق العمل السياسي بالثلاث وتفرغ للكتابة في ميدان الفكر السياسي. عندها ظهرت جرأته على نفسه وتاريخه وأخطائه وتجربته الحزبية من غير أن يتحول النقد عنده إلى جلد غير منطقي للذات أو إلى تبرؤ من ماضيه الغني بالصالح والطالح. غير أن جرأته ظهرت أكثر ما ظهرت في موضوعين اثنين : نقده اللغة الخشبية التي كانت الحركة الشيوعية واليسارية ما تزال متمسكة بها رغم كل الانهيارات، ونقده تجربة الحرب الأهلية اللبنانية.
في الموضوع الأول، فضلا عن دعوته الصريحة إلى التخلي عن مصطلح الشيوعية، وإلى تغيير اسم الحزب، قائلا، “لم أعد أرى أية ضرورة لاستخدام كلمة شيوعي تحديدا، وحتى كلمة اشتراكي، واستبدالهما بكلمة يساري”، وإلى تعديل مفهوم الصراع الطبقي انطلاقا من التغيرات التي طرأت على بنية الطبقة العاملة، وإلى جعل اليسار قوة جامعة لكل المعنيين بالتغيير الديمقراطي، فهو دعا إلى التخلي عن دكتاتورية البروليتاريا وعن كل ما شاخ من الماركسية ولم يعد متماشياً مع معطيات العصر وتطورات العلم، وذلك انطلاقاً من أن الفكر، كل فكر، هو “إبن تاريخه وزمانه ومرتبط ارتباطا وثيقا بشروطهما. ولذلك فإن على اليساري الذي ينطلق من أفكار ماركس ومن مشروعه العظيم لتغيير العالم باسم الاشتراكية، عليه أن يقرأ بدقة التغيرات التي أحدثتها حركة التاريخ في أفكار ماركس.” وختم بقول يحتاج إلى كثير من التدقيق: “يشير الواقع التاريخي الى أن الكثير من أفكار ماركس لم يعد صالحا للعصر. لكن جوهر فكره ( الأفضل استخدام مصطلح منهجه بدل جوهر فكره) ما زال مقيما في صيغة تلائم العصر والتحولات والتغيرات التي جرت فيه.
في الموضوع الثاني كان كريم أكثر جرأة وأكثر ارتباكا في آن. أكثر جرأة لأنه قرر مع قلة من قيادة الحزب القيام بقراءة نقدية شجاعة لتجربة الحرب الأهلية، متسائلاً، “ألم يكن ممكناً أن يتجنب العقلاء، أن يفعلوا المستحيل لمنع انفجار الحرب الأهلية بتلك السرعة المذهلة، ويعملوا لمنع استمرارها بعد أن انفجرت كالبركان؟!”. محملاً المسؤولية لجميع القوى السياسية، من كل الاتجاهات، في المساهمة بنسب متفاوتة، في تهيئة الشروط، عن وعي وعن غير وعي، التي أدخلت البلاد في تلك الحرب اللعينة، معترفاً “بدور الحركة الوطنية اللبنانية، ومنها “حزبنا الشيوعي اللبناني”، في تحول الثورة إلى دولة”، معيداً النظر بعلاقات التحالف مع المقاومة الفلسطينية التي استفادت من الدعم العربي ومن اتفاق القاهرة لتبني دولة داخل الدولة، من غير أن يتخلى عن التزامه بقضية الشعب الفلسطيني، وبعلاقات التحالف مع سوريا التي كانت قيادتها تنتظر ساعة الصفر الدولية والاقليمية والمحلية “لتحقق ما كانت تطمح إليه من وضع اليد على لبنان” وعلى الثورة الفلسطينية، محملاً إياها مسؤولية إقصاء الحزب قسراً عن المقاومة.

أكثر جرأة لأنه قرر مع قلة من قيادة الحزب القيام بقراءة نقدية شجاعة لتجربة الحرب الأهلية


أما ارتباكه فعائد إلى عبء السياسي على المثقف. كريم مروه صار يحكي عن “بلدي الخالد لبنان” وعن اليسار في “بلدي لبنان”، وعن الوطن النهائي مع أنه لا وجود برأيه في كوكبنا وفي الكون كله لشيئ نهائي، بعد أن كان هذا الوطن جزءا من أمة ومن أممية. صار لبنان الديمقراطي مطلبه، بعد أن كان لبنان الحكم الوطني الديمقراطي الذي يفسح في المجال أمام الاشتراكية.
الانتقال الجريء هذا حصل بشكل متدرج وبطيء، بسبب حمولة عالقة في تفكيره المتحدر من برنامج الحزب ومن موقعه القيادي. إن أنس لا أنسى موقف كريم من مشروع الدولة. في عام 1994، وكانت الاشتراكية قد انهارت مع منظومتها السياسية، وصار الحزب بلا قضية محورية، راحت القيادة تتحايل على أزمتها فمحورت نضالها على قضية متعددة الرؤوس( التحرير والعدالة الاجتماعية والنضال الديمقراطي والمجلس الاقتصادي الاجتماعي والمصالحة الوطنية) كنت السباق في اقتراحي مشروع الدولة قضية محورية في نضال الحزب، بانتظار إعادة الاعتبار للاشتراكية والفكر الاشتراكي، خصوصا أن هذه المهمة السياسية الكبيرة ليست منوطة بالشيوعيين اللبنانيين وحدهم، بل هي رهن جهود المفكرين على الصعيد العالمي.

كريم مروة


تعاملت قيادة الحزب مع الاقتراح بكل الجفاء وقابلتني بكل التهم الشائعة وبكل وسائل التشنيع وأدواته. كريم وحده انتحى بي جانباً وقال لي على انفراد: أنا استمعت إلى كلامك وقرأت السطور وما بين السطور، إنه كلام يستحق النقاش، لكن أزمة الحزب القيادية يومذاك ورغبة كريم في الابتعاد عن الصراعات الداخلية وعدم نضوج الفكرة المتعلقة بمشروع الدولة ، حالت دون مناصرته لي علنا في جلسات المجلس الوطني.
حتى بعد أن أعلن كريم نفسه “كاتباً يسارياً مستقلاً” لم يتخل عن كل المصطلحات السياسية أو الأدوات المعرفية القديمة، التي كان عليه أن يصنفها بين المصطلحات التي شاخت ولم تعد تتماشى مع المعطيات الجديدة. هو تحدث عن الديمقراطية وأشاد بها إطارًا وحيداً يتسع لكل أشكال التعدد والتنوع والتمايز، لكنه رأى تجسيدها “في الشعار المرفوع منذ عقود في صيغ مختلفة ولأهداف متناقضة ، شعار إلغاء الطائفية السياسية”، في حين أثبتت التجربة أن نقاش ظاهرة الطائفية تحتاج إلى أدوات معرفية جديدة بعد أن ثبت عقم المعالجات والأبحاث السابقة حولها. وهو تحدث عن المحاصصة لكنه وصفها بأنها طائفية، في حين أن المحاصصة لم تكن مرة محاصصة بين طوائف بل بين أشخاص من طوائف. وهو تحدث عن فصل الدين عن الدولة، وهما غير قابلين لا للدمج ولا للفصل، لأن الصحيح هو الفصل بين سلطة الدولة وسلطة رجال الدين، لأن الدولة الحديثة تعريفاً هي دولة القانون والسيادة لا تعني غير سيادة القانون. وهو تحدث عن الطابع الطائفي للدولة وعن سيادة الطائفية وعن التوزيع الطائفي والمذهبي وهذا كله، من وجهة نظري، غير صحيح، والصحيح هو ما يقوله كريم في مكان آخر حين يصف الدولة القائمة بأنها دولة “الأفراد والعائلات والسلالات الاستبدادية”.

حتى بعد أن أعلن كريم نفسه “كاتباً يسارياً مستقلاً” لم يتخل عن كل المصطلحات السياسية أو الأدوات المعرفية القديمة


لم يكتف كريم بقراءة التجربة قراءة نقدية جريئة، بل حاول أن يرسم أفقاً للمستقبل، فاقترح مشروع برنامج لإنقاذ اليسار والوطن والوطن العربي، وهذا بدوره يحتاج إلى نقاش.
في مأتمه لا يكن أحد من قيادة الحزب موجوداً في تقبل التعازي. تذكرت ندوة عقدت في النبطية عن كتابه “فصول من تجربتي”، قررت قيادة الحزب دعوة شيوعيي المنطقة إلى مقاطعتها. كريم كان ممن صنعوا تاريخ الحزب مع رفاق له من “القيادة التاريخية” وتركوا إرثاً يسارياً كبيراً وغنياً بدده من سماهم جورج حاوي أقزام السياسة.

السابق
مصطفى ياسين..أعذب الرفاق يرحل الى حديقة الغياب!
التالي
بالصور: مئات الكيلومترات تحت الارض.. شبكة أنفاق غزة تصدم الجيش الإسرائيلي!