حارث سليمان يكتب لـ«جنوبية»: عيشُ الناسِ لم يَعُدْ مُمْكِناً

حارث سليمان

يستمر الناس في العيش، في اوطان ليست باوطان، وينتسبون لجنسيات دول ليست بدول، ويخضعون لسلطات حاكمة وهي ليست بسلطات، تلك احوال الناس في العراق وسورية وفلسطين ولبنان، ولا تتمتع حكومات اي من هذه الدول بشرعية دستورية فعلية، ولا تستند السلطات التي تديرها لاية نصوص قانونية او معايير دستورية، او تقاليد مرسخة لتداول السلطة واعادة تكوينها، فأجهزة الحكم في هذه الدول، قوية لدرجة قدرتها على إخضاع الناس، ومنعهم من الحراك لاسترجاع حقوقهم في الخبز والحرية والصحة والكرامة الانسانية، وضعيفة جدا مترهلة ومفككة، بحيث لا تقوى على ادارة موارد الدولة وجباياتها ورسومها، وعلى تسيير ادارتها العامة ومعاملات المواطنين العقارية والمالية، وتسجيل قيود الاحوال الشخصية وملكيات وسائل النقل والسيارات، وتطبيق قوانين السير ومستلزمات السلامة المرورية، وتتعرض في هذه الدول، مرافق خدماتها الاساسية في التعليم والصحة والاتصالات والكهرباء، الى حال متفاقمة من التردي والانهيار والعجز المالي، وانقطاع الخدمات وعدم انتظامها او جودتها.

كما ينكسر سيف العدالة وتستباح الحقوق والحريات والكرامات، ويتم التغاضي عن أعمال الجريمة المنظمة وعمليات التصفية الجسدية والاغتيالات السياسية، في غياب دور فاعل للمحاكم ودور العدل، بعد استباحة القضاء من السياسيين واستتباع القضاة من زعماء نافذين، وتحول الاحكام القضائية الى منة، يمنحها اولي الامر الى مقدمي الطاعة والولاء، وليس لاصحاب الحقوق والكرامات.

ويتعرض الفضاء السياسي والسجال الفكري في مجتمعات هذه الدول، الى سرديات ومقولات سياسية تطبع النقاش السياسي العام، ولا تحمل في مضمونها لا معايير قيمية ولا مناقب اخلاقية، ولا مفاهيم ديموقراطية تضع ضوابط وقواعد للعبة السياسية والممارسة الحزبية…

تتحكم بمصائر الناس وارزاقهم وعيشهم شلة من النافذين الجهلة والقتلة الفجرة أوالسماسرة والمهربين و اللصوص ومبيضي الاموال لا يخضعون لقانون ولايقيمون اعتبارا لدستور

واذا كانت السياسة بمعناها الحقيقي والنبيل، هي ادارة للشأن العام للوطن بكامله ولثرواته الطبيعية، اي ادارة حياة المواطنين ومصالحهم، وتنمية مواردهم الفكرية والمادية، وتسيير مرافق الخدمات المختلفة، فإن السياسة في هذه المجتمعات، لا تتعدى السعي الى نهب سافر للمال العام وموارد البلاد، واثارة الاحقاد وشحذ التعصب الطائفي والإثني أو المناطقي، وتعميم الزبائنية السياسية، لاكتساب قاعدة فئوية للسلطة، تحميها وتسترزق من منهوباتها، كما الاستناد الى المؤسسة الدينية لتبرير تأبيد السلطة واستدامة سيطرتها.

إقرأ ايضاً: حارث سليمان يكتب ل«جنوبية»: من غزة الى شبعا.. قوس حروب ام تسويات

 كما لا تتحصن الممارسة السياسية وادارة المال العام، باية موجبات وشروط واليات مساءلة ومحاسبة، تمنع الاثراء غير المشروع من السلطة، او تتعاطى مع الفساد كجريمة شائنة تهدد الناس والدولة والمجتمع.

لذلك فوق هذه  الضحالة القيمية والفكرية، تتحكم بمصائر الناس وارزاقهم وعيشهم، شلة من النافذين الجهلة والقتلة الفجرة، أوالسماسرة والمهربين و اللصوص ومبيضي الاموال، لا يخضعون لقانون ولايقيمون اعتبارا لدستور، ولا يراعون ذمة ولادين.

في خضم هذه الوقائع التي ترسخت واصبحت دائمة، يتساءل المواطن الفرد الا يحق لي ان أعيش دون خوف! وان اتمتع بعائد عملي، أو ربح تجارتي، او ثمرة علمي، دون ان احمل على اكتافي هامة زعيم سارق، او سياسي مارق، او نافذ يداه مصبوغة بالدماء، حاضر كل منهم يخجل من تاريخه!؟ ولماذا لا يحق لهذا الانسان ان ينال رغد عيش انساني،كاي بشري اخر في هذا العالم، وان يكون مطمئنا ليومه ولمستقبله ومستقبل ابنائه في وطنهم؟!

واذا كانت صناعة الكوارث والمآسي لشعوب باكملها جريمة كاملة الركائز فإن مكان صانعي المأساة والمتسببين بالكوارث  هي السجون

يتشابه واقع الافراد في هذه الاوطان وقد تتطابق مصائرهم، على الرغم ان امكانيات وموارد كل بلد تختلف عن البلد الاخر، فالعراق بلد غني بموارده البترولية وبمياهه وامكانياته الزراعية، فيما ان سوريا لديها موارد طبيعية تبدأ من البترول وتتضمن الفوسفات الى جانب محاصيل زراعية، وتتضمن القطن والحبوب وتربية المواشي وبعض صناعات الاقمشة والمفروشات، ويشغل لبنان قبل السنوات الاخيرة وظيفة مركز خدمات اقليمي في مختلف المجالات السياحية والمالية والصحية والتربوية الخ… وعدا فلسطين التي تتعرض للاحتلال الاسرائيلي، فإنه لا مبرر ولا سبب يفسر واقع الانسان العربي في هذه الدول، سوى اختلال العمل السياسي في هذه المجتعات وفساد النخب الحاكمة التي تدير هذه البلاد.

الفشل في “بناء دول وطنية” هو ما يجمع هذه الكيانات ويبدد ثرواتها، ويمنع تطورها، ويمزق مجتمعاتها، ويجعل من ازماتها تتوالى ومن مشاكلها تتفاقم، بعد ان تعاقب على استباحتها وبشكل متفاوت، اشكال متتالية من الاستبداد الامني او الاحتلال الاجنبي او نزعات اصولية دينية وطائفية، والاصلاح المطلوب في هذه الدول هو “اعادة بناء الدولة الوطنية” ومبتدأ ذلك ثقافي قيمي، يعيد للفرد مكانته الانسانية، وللسياسة معاييرها الاخلاقية، وخبره التزام بسيادة القانون والدستور، وتسليم طوعي بتداول السلطة وتعاقب الحكام في سدة المسؤولية، واستتباب موازين المساءلة والشفافية والعدالة.

لفشل في “بناء دول وطنية” هو ما يجمع هذه الكيانات العربية ويبدد ثرواتها ويمنع تطورها ويمزق مجتمعاتها، ويجعل من ازماتها تتوالى ومن مشاكلها تتفاقم

شكلت الهجرة متنفسا مأمولا لإنفجار هذه المجتمعات وتشظيها، فرحل المواطن القانع المقموع الى ارض غير ارضه، ونزل الملايين  من صنفه الى اصقاع الارض ومجاهلها يبحثون عن دولة لها نظام، وسلطة تلتزم سيادة القانون، وتلزم الجميع بمنظومة الواجبات والحقوق، وتقدم دون منة، لكل مواطن او مقيم على ارضها، كل حق مشروع وخدمة عامة، ذهب الملايين من هؤلاء يبحثون عن جنسية وجواز سفر تلقى احتراما عند اجتياز حدود الدول في مطارات وموانئ دول العالم، ذهبوا يضمنون شيخوخة آمنة، بعد ان اصبحت سنين عمرهم قفرا وقلقا ويباساً يتفاقم يوما بعد يوم، وبكلمة مختصرة ذهبت هذه الملايين، هربا وفرارا من هؤلاء الزعماء ومن الواقع الذي صنعته حكومات استدامت سلطتها طويلا…

 المفارقة اليوم ان هؤلاء الفارين الى رحاب العالم، باتوا مكلفين شاؤوا ام أبوا، بإعالة عائلاتهم التي بقيت في اوطانهم، وباتت السلطات التي صنعت المأساة التي دفعتهم الى الهجرة، صادحة بالاشادة، و بشكل يومي، بدور المغتربين في صمود هذه البلدان، وفي تخفيف تداعيات الفقر والبطالة والجوع، وانهيار القدرة الشرائية لأغلبية السكان فيها، واذا كانت صناعة الكوارث والمآسي لشعوب باكملها جريمة كاملة الركائز، فإن مكان صانعي المأساة والمتسببين بالكوارث  هي السجون، وليس في مقدمة صفوف رواد الانقاذ او ابطال التعافي الاقتصادي، لذلك دعوا الناس تنسى وجودكم كي لا تقتلكم.

السابق
عطل طارىء يُوقف «التلفريك»..وعمليات الانقاذ مستمرة لإجلاء 27 راكباً عالقاً!
التالي
العثور على جثة السائح العراقي في بقعتوتة كسروان: استُدرج وقُتل!