تستمر معارك غزة مؤلمة، متفجرة ودامية، ولاسناد هذه الحرب، تستمر نار الجنوب اللبناني ملتهبة ومتصاعدة، وذاهبة الى التورط بمستويات اعلى من الاشتباكات والمواجهة الراهنة. مقاتلو غزة عمليا يقاتلون بما لديهم، وعلى الارجح بما تبقى لديهم، على الرغم من الكفاءة والبسالة والشجاعة التي يظهرونها، الا ان الحرب ليست مراجل وعنفوان وبطولة شخصية فقط، ولعل هذه الصفات لا تعوز لا مقاتلي غزة ولا شعبها بكامله، رجالا ونساء واطفالا، فالحرب هي ايضا خطوط امداد وعتاد وخدمات اسعاف وطبابة عسكرية، واخلاء جرحى وشهداء، وادامة خطوط الغذاء والخبز والماء والوقود، وايجاد السبل الكفيلة بحماية المدنيين وايوائهم واغاثتهم وتأمين حاجاتهم الاساسية، وتبديل اطقم القوات المواجهة على خطوط الاشتباك، وليس تفصيلا غياب هذه المسائل وعدم القدرة على تأمينها، خلال سبعة وسبعين يوما من بدء العمليات العسكرية.
الاكتفاء بهذا الامر ليس مقبولا ابدا لان الدول العربية تمتلك اوراق ضغط كبيرة وكثيرة لفك هذا الحصار وايصال المساعدات الى المدنيين في غزة
واذا كانت الدعاوى العربية والفلسطينية حتى اليوم، قد أكَّدَت وحمَّلت اسرائيل المسؤولية الأساسية لهذا الحصار المفروض على القطاع وسكانه، فان الاكتفاء بهذا الامر ليس مقبولا ابدا، لان الدول العربية تمتلك اوراق ضغط كبيرة وكثيرة، لفك هذا الحصار وايصال المساعدات الى المدنيين في غزة، دون الخضوع لابتزاز حكومة بنيامين نتنياهو ومحظوراته العنصرية، واول الدول المعنية بهذا الدور والمؤهلة له في الصف الاول، هي مصر والاردن والامارات، التي يجب ان تضع مسألة استمرار التبادل الديبلوماسي بينها وبين اسرائيل وفق الشروط التالية:
١) اعادة التأهيل الفوري للمستشفيات في جميع مدن قطاع غزة بعد ان ثبت كذب حكومة اسرائيل، من ان حركة “حماس” تستعمل هذه المستشفيات كمراكز لقياداتها وغرف عملياتها العسكرية، وبعد ان تحقق الاعلام العالمي من ان الرواية الاسرائيلية حول مستشفيات الشفاء والرنتيسي وكمال عدوان، لم تثبتها الوقائع ولم تستند الى دلائل ثابتة.
٢) فتح معبر رفح، وإدخال فرق انقاذ ومعدات لرفع الانقاض وآليات مؤهلة لرفع الهدم، واستخراج جثث الضحايا من تحت المنازل والاحياء المدمرة، واستعادة عمل خطوط التغذية بالكهرباء والماء والاتصالات عبر مصر.
٣) انشاء خطوط امداد غذائي وطبي عبر الاردن وقبرص، وتساهم في الصف الثاني قطر والكويت من زاوية التمويل فقط، اضافة لمعبري رفح وكرم ابوسالم، لحل مشكلة المجاعة ونقص الغذاء والخبز والدواء، وتزويد خطوط الاونروا بكل الامكانيات والاذونات، للقيام بمساعدة النازحين الى مدارسها ومبانيها وتأمين احتياجاتهم اليومية الملحة.
اعادة التأهيل الفوري للمستشفيات في جميع مدن قطاع غزة بعد ان ثبت كذب حكومة اسرائيل
٤) التضامن مع الحوثيين في اغلاقهم مضيق باب المندب في وجه السفن الاسرائيلية، او السفن المتجهة الى ميناء ايلات وتبني الموقف الذي يعلن ان “حرية الملاحة عبر باب المندب يتضمن لزوما حرية وصول مقومات الحياة لسكان غزة”.
وقد برز ايجابيا، موقفي مصر والسعودية بعدم المشاركة ب “حلف الازدهار” البحري، الذي انشأته اميركا من اساطيل وسفن الدول الغربية المنتشرة في البحر الاحمر، فيما اعلنت مصر في نفس الوقت؛ أن أمن باب المندب هو أمر من مسؤولية الدول المتشاطئة مع البحر الاحمر، مما يعكس تجاهلا لاي دور لحلف عسكري غربي في هذا الامر.
كما يمكن ان تكون هذه الاجراءات، جزءا من قرارات دولية تصدر عن الامم المتحدة، وحتى مجلس الامن الدولي ومجلس حقوق الانسان، لان عدم الالتزام بها من قبل اسرائيل، ستكون ممارسة حية لجرائم حرب مشهودة ومنصوص عليها في القانون الدولي.
والاجراءات هذه مطلوبة في زمن الحرب، لمعالجة الكارثة الانسانية الراهنة، لكن الشروع بها سريعا، هي تأسيس لمرحلة ما بعد الحرب، ولاعادة غزة ارضا صالحة للعيش بعد الحرب، ولمنع غزة من التعفن تحت وطأة الكارثة وافراغها، ليس لدواع حربية بل لنتائج حياتية وعملية.
وعلى الرغم من انَّ جيش الاحتلال قد تمكن بعد احد عشر اسبوعا من القتال المرير، من اختراق شمالي غزة ومدينتها، على عدة محاور قتالية، كما تمكن من اقامة رأس جسر، يصل الى قلب مدينة خان يونس في جنوب القطاع، فان المقاومة الفسطينية مازالت قوية وشرسة، وتكبد قواته خسائر بشرية، لم يعهدها الجيش الاسرائيلي في كل حروبه السابقة، فيما لم يتمكن من تحقيق اهدافه المعلنة باستسلام حماس، وتحرير الرهائن، ووقف اطلاق الصواريخ على تل ابيب وبقية مدن الكيان، ويتضح من كل ما تقدم، ان النتيجة الراجحة راهنا لهذا الصراع، هي “انهاك متبادل لطرفي الصراع تمهيدا لتسوية”، بحيث يتم اسقاط خيارين متناقضين: الاول خيار اليمين الصهيوني القومي والديني، بالاستيلاء الكامل على كل ارض فلسطين التاريخية وتنفيذ الترانسفير ( ترحيل شعب فلسطين)، والثاني خيار الممانعة الذي يريد القضاء على كيان اسرائيل وتفكيكه، فهل هذا هدف مرغوب من الجهات الدولية المختلفة والتي تنادي بحل الدولتين؟!
المقاومة الفسطينية مازالت قوية وشرسة وتكبد قواته خسائر بشرية لم يعهدها الجيش الاسرائيلي في كل حروبه السابقة
اما على الجبهة الشمالية بين اسرائيل ولبنان، فقد برزت مسألة قديمة جديدة، وهي الالتزام بالقرار الدولي ١٧٠١ ومندرجاته، التي تحتوي اقامة منطقة خالية من سلاح “حزب الله” جنوب الليطاني، وصولا الى الخط الازرق. فما الذي تحول في القرار ١٧٠١ قبل “طوفان الاقصى” وبعد “طوفان الاقصى”؟
وعلى الرغم من ضجيج القنابل والصواريخ، فلم تتعد وظيفة هذه الجبهة، مهمة تبادل الرسائل الملتهبة بين اميركا وايران، ومهمة محاولة ابراء ذمة “حزب الله” من تهمة “ترك غزة وحدها” بعد آلاف الخطب، التي سال حبرها، عن وحدة الساحات، وعن محور ممانعة متماسك، له حركة وقيادة واحدة من خراسان حتى الناقورة ومدينة رفح، ولذلك فان حركة الموفدين والرسائل النارية التي يطلقها جنرلات العدو، كما مندوبي فرنسا أيضا، ليست نتيجة الاعمال الحربية الجارية اليوم، بل نتيجة واقع جديد استحضرته دروس “طوفان الاقصى”، من ان ما قامت به “حماس” في غزة ضد مستوطنات غلافها، يمكن ان يحدث وعلى احجام مضاعفة انطلاقا من لبنان على مستوطنات الجليل، وبواسطة حزب الله، وبالتالي فان النسخة القديمة من ترتيبات ال١٧٠١ لم تعد صالحة لامن اسرائيل، ولمستلزمات امن مستوطنات الشمال مستقبلا.
يرغب كل سياسي اوروبي او اميركي، بان يضم الى سيرته الذاتية وتجربته السياسية، مهمة غالية على قلبه، وهي بانه ساهم بتعزيز امن اسرائيل، خلال ازمة تعرض كيان العدو لها، وتعزيز امن اسرائيل حلم لكل سياسي غربي، لدرجة ان يفقد هذا السياسي وقار منصبه، ويتجاهل الاصول والقواعد التي تعلمها في الدوائر الديبلوماسية والادارة العامة، ويتلعثم بالافصاح عن انه يحضر كيهودي وليس كوزير خارجية اميركا، او أن تتحول الى حارسة ابواب جهنم تفتحها كما تشاء، وليس كونها وزيرة خارجية فرنسا، حَسِبَ دولتَها، بلهاءٌ في لبنان اما حنونا…
لكن في لبنان سلطة من تماسيح شائخة، استدامت الغياب عن اية ردة فعل، لا في مواجهة انين شعبها ومواجعه وازماته، ولا تجاه تهديدات جنرالات اسرائيل ومجرمي حروبها، ولا في ولولات مبعوثي اوروبا وتهويلاتهم، ولذلك عاد الجميع، بعد ان ظهر للعيان ازمة جيش الاحتلال في غزة، وعدم قدرته على الحسم فيها، وتاليا عن عدم قدرة هذا الجيش على فتح حرب كبرى ضد لبنان، عاد الجميع الى سؤال موضوعي هادئ ويمكن ان يكون منطقيا!
والسؤال هو: على ضوء مستجدات عملية “طوفان الاقصى” ودروسها، كيف يمكن عند انتهاء معركة غزة، ان يتم حفظ امن المستوطنات في شمال اسرائيل، وتاليا عودة مستوطنيها اليها، واية قراءة للقرار ١٧٠١ هي المناسبة؟!
والجواب اللبناني السيادي والوطني هو: ان امن هذه المستوطنات وعودة سكانها اليها ليست مشكلتنا بل مشكلتكم، واذا اردتم حلها فمن حسابكم لا من حسابنا، وعلى اسرائيل ان تدفع ثمن امنها، بالانسحاب الى خط الهدنة سنة ١٩٤٩، والإنسحاب من خراج الميري والتخلي عن مزارع شبعا، واذا اردتم تطمين مستوطنيكم اكثر، فأنشروا داخل حدودكم قوات دولية تحميكم. والسلام

