حارث سليمان يكتب لـ«جنوبية»: شعب فلسطين ضحية تستحق إنصافاً بإجماع دولي

حارث سليمان
يخص الناشط السياسي والأكاديمي الدكتور حارث سليمان "جنوبية" بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع و منصاته الإلكترونية.

لم يشهد الكيان الصهيوني على مدى ٧٥ سنة من قيامه، عددا من التحديات والصعوبات التي واجهها منذ السادس من أكتوبر، وقد تمثلت التحديات في مختلف المستويات وعلى كافة الاصعدة، فالفشل العسكري أمام هجوم حركة “حماس”، ووصول قواتها الى السيطرة على قيادة “فرقة غزة”، التابعة لجيش الاحتلال، وقطع الاتصال بين قطاعات هذه الفرقة و ثكناتها، ثم مهاجمة هذه الثكنات والسيطرة عليها والاستيلاء على الكثير من تجهيزاتها، بعد ان تم تعطيل كل اجهزة الرصد والحماية المقامة لتراقب حدود القطاع ومنافذه، ولتحمي جدار الفصل الذي يطوقه، وتحصنه بكاميرات المراقبة و الاسلحة  الاتوماتيكية التي توجهها و تطلق نيرانها بشكل تلقائي، عند تلقيها اوامر الكترونية من الحساسات الحيوية او الكاميرات الذكية… إضافة لما ظهر أثر ذلك، من التخبط والتأخر في مواجهة الهجوم، والعجز عن منع توسعه وتمدده، الى مراكز الشرطة في  المستوطنات،  ثم الارتباك والارتجال في انطلاق عمليات الهجوم الاسرائيلي المضاد، الذي ظهر من خلال تحقيقات أجرتها السلطات الاسرائيلية، ونشرتها صحيفة “هآرتس” الاسرائيلية، من ان قوات الطيران الصهيوني قد قتلت ٣٦٤ مستوطنا إسرائيليا، أغلبهم كانوا في الحفل الموسيقي الراقص، الذي تأكد لاحقا ان حماس لم تخطط مسبقا لمهاجمته، وإنما وجدته صدفة على طريق هجومها. 

ولعل الفشل الاستخباراتي الإسرائيلي هو الأصل الكارثي للفشل العسكري، فعلى الرغم من تجنيد إسرائيل لآلاف الجواسيس والمتعاونين معها في غزة، و امتلاكها قاعدة معلومات شاملة واحصائية لكل أمر في غزة، من عمران سكني وساعات اشتراك في كهرباء، وهواتف اتصال مكشوفة لاجهزة تنصتها ومراقبتها،  وعناوين سكن الناس في  بنايات وابراج او شقق سكنية، وتعاملها مع ثمانية آلاف من العمال الفلسطينيين الذين يعبرون الحدود يوميا للعمل في المستوطنات الاسرائيلية، ويشكل بعضهم مصدر معلومات محتمل، على الرغم من كل هذه الإمكانات والقدرات، فقد فشلت الاجهزة الامنية الاسرائيلية، في توقع هجوم قوات “القسام”، أو في صياغة تحذير من خطر ينمو ويتجسد واقعا، من خلال التدريبات او المشتريات للتجهيزات،  والتي كانت تدخل الى غزة.

يشكل التبني الدولي الشامل، لشعار حل الدولتين، أكبر خسارة يمكن ان تحدث لمعسكر اليمين القومي والديني الصهيوني الذي يتزعمه نتنياهو

وتتصف إسرائيل بجيشها واجهزتها الامنية، بسمعة دولية هائلة، مكنتها بان تطلق على منظومتها الأمنية صفة “الجيش الذي لا يقهر”، وعززت صورتها بعد انتصاراتها في الحروب العربية المختلفة، بان تدعي لنفسها دور الثكنة المتقدمة، التي تحمي مصالح الغرب في الشرق الاوسط، وتتدخل وتدير أزمات المنطقة، وتغلب فريق من الفرقاء في اية ازمة على أعدائه، وتصنع له الانتصار والغلبة، بحيث ترسخت صورة اسرائيل كجيش متفوق و مسلح، بأحدث الأسلحة الغربية، نما حوله مجتمع وتأسست عليه دولة، وقد أدى هذا الوضع، لأن تزدهر وتنمو الصناعات العسكرية و صادرات السلاح وأجهزة التحكم والمراقبة الالكترونية الاسرائيلية، الى مليارات الدولارات، كما ادى هذا الوضع، الى لجوء بعض الدول الى تحديث اسلحتها لدى اسرائيل، وقيام بعض الدول العربية بتطبيع علاقاتها مع الكيان والتقرب منه، أملا في نيل حمايته والتحالف معه، بوجه خطر إيراني محتمل.

ورغم اهمية ما سبق، فإن ما اصاب اسرائيل من خسارات جسيمة، لا يختصر بفشل عسكري وتعمية استخبارية، وانهيار مهابة الكيان وقوته الردعية، وظهوره ككيان مهدد ومذعور، يحتاج إلى حماية دولية والاستعانة بأساطيل اجنبية، تزوده بالأسلحة والذخائر والمعدات، و بقوات عسكرية تشاركه المعارك والعمليات…

 على الرغم من الخسارة الفادحة في الجانب الأمني العسكري، فان خسارات أخرى على نفس المستوى من الاهمية، قد طالت الكيان، وهي تهاوي السردية الاسرائيلية، وفقدانها اية مصداقية ورصيد من الحقيقة، فقد ظهرت رواية  الأربعين طفلا الذين قطعت رؤوسهم وفصلت عن أجسادهم، ككذبة عارية لم تصمد ليومين من الزمن، رغم تبني إشاعتها من الرئيس الأمريكي ورؤساء دول أوروبية، ورغم ترديدها باصرار معيب، من أكبر وسائل الإعلام الغربية، كما انهارت سردية بنيامين نتنياهو، حول استهداف “حماس” للمدنيين في الحفل الموسيقى أو المستوطنات، بعد ان ظهر ان “حماس” لم تستهدف الحفل اصلا، وان اختيار مكانه من قبل منظميه، قد تم قبل يومين من الهجوم، وان معظم ضحايا هذا الحفل (364 شخصا) قد سقطوا برصاص اسرائيلي قذفته مروحية،  كما ظهر أيضا بعد عدة مقابلات لسكان من المستوطنات، دخل مسلحو “القسام” منازلهم، كيف تعامل المسلحون معهم، وكيف اقتحمت القوات الاسرائيلية مراكز الشرطة في المستوطنات، التي احتلتها “حماس” وجمعت فيها رهائن واسرى، وقامت قوات اسرائيلية بقتل مسلحي “حماس” وأسراهم، تطبيقا لمبدأ هانيبال الذي يعتمده جيش الاحتلال،  “بقتل كل إسرائيلي يقع في أسر اعداء اسرائيل”.

إقرأ ايضاً: حارث سليمان يكتب لـ«جنوبية»: اطفال غزة ساميون ايضا

وفي جردة بسيطة للارقام حول استهداف المدنيين من قبل “القسام”، فان اسرائيل اعترفت ب ١٤٠٠ قتيلا،  بينهم ٣٢٠ جنديا من الجيش، و ٥٩ شرطيا و١١ مجندا من الامن العام الشاباك، كما اعترفت ب ٢٤٢ أسيرا، بينهم ٥٣ مدنيا او مزدوجي الجنسية، واذا ما اخرجنا من الحساب من قتلتهم اسرائيل، والذي يناهز عددهم ٤٠٠ شخص من الحفل ومراكز الشرطة، كما اخرجنا من حساب الاسرى الرهائن المدنيين، والتي أعلنت “حماس” رغبتها بالافراج عنهم بعد ثلاثة ايام من احتجازهم، يصبح الحساب ٣٩٠ قتيلا عسكريا، من اصل الف و ١٩١ اسيرا عسكريا من أصل ٢٤٣. ولذلك فقد استهدفت “القسام” ٥٨١ عسكريا قتلا واسرا، من اصل ١٢٤٢ شخصا قتلوا في الجانب الاسرائيلي، بين مدني وعسكري، اي نسبة 47 %  من العسكريين، فيما لا تعني النسبة المتبقية وهي ٥٣ % ان هؤلاء جميعا مدنيون، إذا أخذنا بعين الاعتبار نظام التجنيد الإجباري في كيان العدو، والذي يجعل من كل اسرائيلي او اسرائيلية، عمره يتراوح بين ١٨  و٥٢ سنة، جندي احتياط يستدعى الى الخدمة العسكرية في كل حرب مشتعلة…

والسؤال الذي يتبدى هنا؛ ما حصيلة حساب ضحايا الجيش الاسرائيلي من الفلسطينيين المدنيين، والذي بلغ من الأطفال والنساء ٧٠ بالمئة، من عدد ضحايا العدوان الذي وصل الى ١٥ الف قتيل واكثر من ٣٠ الف جريح ؟  إضافة الى عدد إضافي من الكهول والمعمرين، الذين هدمت منازلهم على كامل عائلاتهم في منازلهم.

واذا كان الارهاب تعريفا، هو عنف يستهدف قتل المدنيين الابرياء، من اجل الضغط على حكوماتهم وسلطاتهم، لنيل مكاسب سياسية وتحقيق مطالب فئوية، فمن يستحق صفة الإرهاب بجدارة لا تضاهى، حكومة نتنياهو، أم قيادة حركة “حماس” وبأي درجة يمكن وسم كل جهة بالإرهاب؟!

من يستحق صفة الإرهاب بجدارة لا تضاهى، حكومة نتنياهو، أم قيادة حركة “حماس” وبأي درجة يمكن وسم كل جهة بالإرهاب؟!

ولعل هذه الحقائق التي أدركها العالم، تفسر الانتقال لصورة إسرائيل في الرأي العام العالمي، وعواصم الغرب من صفة الضحية، التي لها الحق بالدفاع عن نفسها، في مواجهة حركة حماس-داعش الارهابية التي يتوجب اقتلاعها والبحث في بدائلها، إلى صورة جيش وحشي يمارس جرائم الحرب كافة؛ من الابادة الجماعية، والتهجير القسري للسكان، واتباع سياسة العقاب الجماعي و القتل والحصار للمدنيين، عبر المنع عنهم الغذاء والماء والدواء والوقود، واستهداف المستشفيات والأطقم الطبية وقصف مدارس، شكلت مراكز ايواء لنازحين دمرت بيوتهم، وقتل رجال الصحافة ومراسلي الإعلام، من أجل التعتيم على جرائمها. 

وبحسب أحد مراكز البحث الإسرائيلية، الذي يتتبع اتجاهات الرأي العام الدولي، فقد انخفضت نسبة مؤيدي إسرائيل بعد ١٣ اوكتوبر من ٣١% الى ٥ %، فيما ارتفع تأييد الفلسطينيين من ٦٩ % الى ٩٥ %، وهو أمر لم يكن ممكنا، لولا نجاح وسائل التواصل الاجتماعي، في تجاوز هيمنة إسرائيل على مراكز الإعلام الغربي ومحطات تلفزته، في كل دول القرار العالمي، ولذلك فإن كسر أحادية السردية الاسرائيلية في الاعلام العالمي، هو انجاز بحد ذاته. 

 في منتصف الحرب على غزة، تهاوت السردية الإسرائيلية وزعزعت مصداقية روايتها، وثبت انتهاك اسرائيل لكافة المعايير الانسانية والقانون الدولي الإنساني

يشكل التبني الدولي الشامل، لشعار حل الدولتين، أكبر خسارة يمكن ان تحدث لمعسكر اليمين القومي والديني الصهيوني الذي يتزعمه نتنياهو، ويطرح هذا التطور على الدول العربية مهمة عاجلة، وهي مطالبة دول العالم بإعتراف فوري بالدولة الفلسطينية، في الضفة الغربية وقطاع غزة قبل قيامها، و بمعزل عن تحديد حدودها…

ومع استمرار الهدنة اليوم، يتضح اعتراف العالم لشعب فلسطين كضحية تستحق انصافا، أما تحصيل الاستقلال الوطني، وحق تقرير المصير على ارضه واقامة دولته السيدة المستقلة، فأمر منوط بتحديات جسام مقبلة، ليس اقلها بقاء شعب غزة على أرضها، وإعادة إعمار القطاع ليعود صالحا للحياة، وتحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية، عبر بناء قيادة فلسطينية جديدة. 

 في منتصف الحرب على غزة، تهاوت السردية الإسرائيلية وزعزعت مصداقية روايتها، وثبت انتهاك اسرائيل لكافة المعايير الانسانية والقانون الدولي الإنساني،  او الالتزام بموجبات اتفاقات جنيف لتحييد المدنيين أثناء الحرب، فهل تبقى اسرائيل فوق اية مساءلة.. والى متى ؟!

السابق
تصعيد اسرائيلي ضد «اليونيفيل»..إستهداف دورية بالرصاص قرب عيترون!
التالي
تعثر صفقة التبادل..«حماس» تؤجل الدفعة الثانية بسبب التلاعب الاسرائيلي بلوائح الاسرى!