جذوة الحيوية اللبنانية تخبو ولا تنطفئ، الشعب اللبناني حقيقة وجودية وليس وهماً يرتجى. أما الانقسام فهو صناعة وحرفة مافياوية وميليشيوية، وبمثابة شريان حياة وبقاء، لمن يقوم وجوده على سفك الدماء والنهب العام الممنهج، ويستمر عبر امتهانه الاستقواء على الدولة اولا، وعبر الاستقواء على ضعاف البشر، وعلى امثاله من ضعاف النفوس واسرى الخوف والمهانة، المموهة بالكرامة الفارغة من معانيها. لذا الانقسام لا يستقيم وجوده أو يسيطر في ظل القانون والعدالة، ومع قيم المواطنية والكرامة الإنسانية، لأنهما على طرفي نقيض.
إقرأ أيضاً: علي الأمين عن الأزمة الرئاسية في لبنان: هناك تحفظ دولي شديد ولا تدخلات
الشعب اللبناني حقيقة اجتماعية، يصعب طمسها واخفاءها، مهما تعالت اصوات الانغلاق والعزلة، وبلغ نهج الاستقواء من قوّة ومكانة، لأن الحقيقة اللبنانية لا تموت، فهي تعود لتحضر وتتقدم وتعبر عن نفسها، بما فيها من خدوش أو كسور، لكن بطموح الارتقاء وارادة التجدد.
الدولة التي قامت على عقد اجتماعي هي المرتكز فيما الدويلة ظاهرة سطحية عرضة للتلاشي
ليست الحقيقة اللبنانية، فيما هو ظاهر على سطح الاحداث، أي ليست في الانقسام المصطنع، نعم هذا ظاهر المشهد لا باطنه وجوهره، الذي تجري محاولات التعمير عليه وخنقه من دون جدوى. باطن المشهد هو الحقيقة وليس ظاهره المزيف، في الجوهر تكمن الحقيقة اللبنانية الوطنية، أي في الارادة الوطنية الوجودية، التي تعبر عن نفسها في كل مفصل تاريخي، لتذكر اللبنانيين بأنهم شعب، وتعلن أن مقولة الشعوب في لبنان هي اكذوبة ووهم، وان الدولة التي قامت على عقد اجتماعي هي المرتكز، فيما الدويلة ظاهرة سطحية عرضة للتلاشي، مهما نهشت في جسد الدولة وروحها.
وحدة الشعب التي تجلّت في نبضها كانت حقيقة لا يمكن حجبها، اما القول بهزيمتها، فهذا لا يقلل من شأن وجودها
في انتفاضة ١٧ تشرين ٢٠١٩، تجلت الحقيقة اللبنانية، مهما قيل ويقال ضد هذه الانتفاضة، فإن وحدة الشعب التي تجلّت في نبضها كانت حقيقة لا يمكن حجبها، اما القول بهزيمتها، فهذا لا يقلل من شأن وجودها، فالشعوب تهزم احيانا ولكنها محكومة بالوجود والبقاء والديمومة، لذا هي الأكثر امتلاكا لشروط النصر.
هذا الكلام ليس وهما، بل حقيقة موضوعية يمكن معها إطلاق تسمية على جانب محوري في هذه الحقيقة، هو نظام المصالح الوطني العميق، الذي يجمع اللبنانيين ويشد من أزر وحدتهم العميقة، وهو الدولة بما هي من ارض وشعب ونظام ومؤسسات، وهو ذاته الذي يكشف نظام مصالح المافيا الحاكمة بالاستقواء على الدولة، من خارج نظامها وسياقاتها الدستورية والقانونية.
المافيا الحاكمة بما فيها الدويلة، لديها قلق وجودي من الدولة
المافيا الحاكمة بما فيها الدويلة، لديها قلق وجودي من الدولة، لذا تستمر في محاولات تقويضها، والشعب اللبناني بما فيه وبما يوحي، ينتابه القلق الوجودي افرادا وجماعات على تنوعهم، من تداعي الدولة وانهيارها المستمر، والدولة مهما تعددت التصورات حول نظامها، فإن ما لا يختلف اثنان حوله هو شرط وجودها، اي واجب احتكارها العنف المشروع والسلاح أولا، ومن هنا يبدأ الخروج من نفق الأزمة، ولا سبيل سواه، ومن لديه فليقدم ما لديه من بديل لشعب ووطن.

