«عاشوراء بيروت» تتنكر لأول مجلس «راق» في «العاملية».. ممارسات ميلشيوية غريبة عن روح المناسبة والمدينة!

عاشوراء

عندما وضع الزعيم الوطني الشيعي البيروتي رشيد بيضون، اول خيمة لإحياء الايام العشرة من ذكرى عاشوراء الحسين عام 1929، اراد نشر المعاني الانسانية والاخلاقية لموقعة العصر في تفاعلاتها الوطنية، والتي تجلت في مبادئها وتعاليمها، أسمى معاني التضحية والفداء واحقاق الحق ومواجهة الشر والباطل.

وبعد 94 سنة من اول احياء شيعي في بيروت، المدينة التي اغلبية سكانها من اهل المسلمين السنة، خرجت الذكرى عن معانيها، باتجاه توظفيها في المشاريع والاطر السياسية المحلية والاقليمية والدولية، وأضحت قيادتها من قبل “امراء الاحياء الميليشياويين” الذين عاثوا في الارض فسادا.

فبعد ان كانت المناسبة والذكرى ملاذا لكل القاطنين في المدينة “الصابرة”، تراها تقتصر على الحزبيين والعامة من اهلهم ومناصريهم خارج إطار العموم الجامع، فلم تعد الجمعية العاملية التي اسست لإحياء الذكرى في منطقة راس النبع في بيروت، مقصدا جامعا لجيل الحزبيين والعقائديين الجدد، بل اضحت كل منطقة يتواجد فيها سكان شيعة، هي المقصد لإحيائها بنسختها الايرانية، بما يشوبهما من نزعات وخصوصيات لم تعتد الثقافة اللبنانية على تقبلها، كما لم يعتد الشيعي اللبناني عليها من قبل، تحولت الى حالات مستشرية، وكأنها مفروضة في مرحلة تسلم “الثنائي الشيعي” مفاصل الدولة الاستراتيجية والامنية والسياسية.

تحولت الى حالات مستشرية، وكأنها مفروضة في مرحلة تسلم “الثنائي الشيعي” مفاصل الدولة الاستراتيجية والامنية والسياسية

وتنتشر في المناطق ذات الكثافة الشيعية (زقاق البلاط- الباشورة- البسطا التحتا- برج ابي حيدر- الخندق الغميق- حي اللجا (المصيطبة) الخيم العاشورائية، وهي تقليد جديد بدا بالتوسع الى بعض النتوءات في منطقة الحمرا والزيدانية وصولا الى بئر حسن.. وهي خيم توزع المياه والراحة والحلقوم على المارة والناس والقاطنين بعد انتهاء المجالس العشورائية في المكان عينه، وبتمويل من “جمع التبرعات عن روح ابي عبد الله الحسين”.

ففي زقاق البلاط يتجمع مناصرون لحركة امل في مقاهي مقابلة لحسينية الزهراء، وقبل الدخول اليها يضعون مكبرات الصوت الضخمة التي تعلو اصواتها، لتصل الى البحر غربا والى المصيطبة جنوبا والى الظريف شرقا، ويدخلون الى الحسينية بعد ساعة من تهيئة الجو في الشارع الضيق، الذي يصل زقاق البلاط بجسر سليم سلام وبشارع الحمرا.

اما في حسينية الامام علي في الخندق الغميق، يتجمع مناصرو امل ايضا احياء للذكرى كذلك في حسينية البر والارشاد في المصيطبة كما في مجمع خاتم النبيين في برج ابي حيدر، الذي يسيطر عليه “حزب الله”، وينتقل مناصروه الى هناك لاحياء الذكرى.

اما في مركز احياء الذكرى الام، وهي المدرسة العاملية تقتصر الذكرى على تلاوة السيرة الحسينية، في اجزائها العشرة مع رفض التفاعل مع كل الاضافات التي ادخلت بعد الثورة الايرانية في العام 1979، على اساس ان هذه العادات ليست عادات عربية ولا حتى شيعية، انما هي عادات ايرانية فارسية لها خصوصيته،ا وعملية نقلها الى بيروت يشكل حساسيات معينة، ويقتصر الحضور على بعض كبار السن وابناء المنطقة المعتادين تاريخيا (كانوا من كل الطوائف) واضحوا من طائفة واحدة.

هذه المرّة مرتديين الجينز والرّاينجر الصّحراوي العسكريّ، تّي شيرت الأسود الضّيّق، وكذلك الوشاح الأخضر هذا العام، بعد زوال موضة الكوفية الإيرانية

ففي كلّ عام يُعاد المشهد نفسه، في كلّ شارع وفي كلّ حيّ، راياتٌ سوداء وأعلامٌ عاشورائيّة شعائريّة، ومجموعة الشّبّان الّذين اعتادوا وقوف الزّوايا ما زالوا مكانهم. ولكن هذه المرّة مرتديين الجينز والرّاينجر الصّحراوي العسكريّ، تّي شيرت الأسود الضّيّق، وكذلك الوشاح الأخضر هذا العام، بعد زوال موضة الكوفية الإيرانية السوداء الّتي انتشرت في العقد المنصرم، ناهيك عن الاوشم التي تجتاح اجساد العاشورائيين في حلتهم الجديدة وفي نسختها الميليشياوية.

وتنتشر الحواجز وزحمة السّير الجنونيّة في مواعيد المجالس العزائيّة، كلّ سيّارةٍ ستخضع للتّفتيش لا محالة في كلّ بقعةٍ تشهد نهرًا من السواد. كلّ هذا إلى حدٍّ ما يعتبر “طبيعيًّا” داخل حدود الضّاحية الشيعية، التي اعتادت على إحياء المراسم الدينية لكنه غير طبيعي بتاتا في بيروت وشوارعها وازقتها، مع وجود تلاويين مختلفة من ثقافات متعددة، وهي مدينة تاريخية بمزاياها السياسية والثقافية والسياحية والتربوية وغيرها…

لقد سعى عقلاء الطائفة الشيعية وكبارها الى قمع وتدارك امر المزايدات، وكان اول من نادى بمنعها العلماء الراحلون الشيخ محمد مهدي شمس الدين والمرجع السيد محمد حسين فضل الله والسيد محمد حسن الامين والسيد علي الامين والشيخ هاني فحص وغيرهما من المراجع المتنورة في الطائفة الشيعية، وحاولوا مرارا وتكرارا مع المراجع السياسية والحزبية اخراج هذه الذكرى المجيدة، من آتون المبالغات التي ادخلت فيها خصوصا في مدينة بيروت.

الامر ينتهي وينتفي مع اول خضة سياسية تحصل واستفحلت مع التراجع السياسي والامني والاقتصادي

الا ان الامر ينتهي وينتفي مع اول خضة سياسية تحصل واستفحلت مع التراجع السياسي والامني والاقتصادي، فضلا عن المناخ الذي اوجده فائض السلاح الذي اوجد “عنتريات” ينتشي بممارساتها بعض الميليشياويين خلال احياء الذكرى .

وبدل ان ترخي الذكرى ومجالسها حالة من الروحانية لعموم البشر وليس للشيعة فقط، ها هي ترخي حالة نفور عند آلاف السكان الآمنين من الشيعة، قبل غيرهم، الذين يفضلون الخروج من مناطقهم في الايام العشرة بعيدا عن الممارسات، التي لا يعتبرونها تدخل في صلب الذكرى او من مبادئها واخلاقياتها السامية، ويفضلون احياء اليوم العاشر على شاشات التلفزة، بدل المجالس المسيسة والهادفة الى التعبئة الدينية والطائفية.

السابق
بالفيديو.. الخبير الإقتصادي الخوري لـ«جنوبية»: صراع على مستقبل حاكمية «المركزي».. والشح بالليرة لا بالدولار!
التالي
الدولار«الأسود».. هكذا أقفل مساءً