حبيب صادق.. رحيل حارس ثقافة الجنوب وأمين تراثه

حبيب صادق
رحل مساء أمس الأحد، الأديب المثقف والنائب الأسبق في البرلمان اللبناني حبيب صادق، الذي اشتهر بلقب "الأمين العام للمجلس الثقافي للبنان الجنوبي"، هذا المجلس الذي حوّله الراحل الى صرح ثقافي كبير، ضمّ نخبة مستقلة من اعلام الفكر والادب والشعر، وكذلك ضمّ عددا من الناشطين الشباب الهادفين الى نشر الوعي السياسي والاجتماعي عبر الاندية الثقافية والاعلامية التي يشغلونها.

ويقول الشاعر الراحل محمد علي شمس الدين، إن “حبيب صادق أقرب ما يكون إلى عدد من المفكرين العامليين ممن غادروا الجنوب في أربعينات وخمسينات القرن الماضي إلى العراق طلباً للعلم الديني في المدارس الدينية في النجف الأشرف، لكنهم سرعان ما تحولوا في ظل الحوزة الدينية هناك، من شيعة إلى شيوعيين، فخلعوا الجبة والعمامة ولبسوا زيّ المفكر الماركسي. ومن بينهم حسين مروة ومحمد شرارة، وهما الأبرز في هذا المجال. وحين عادوا من العراق إلى لبنان، إما طوعاَ أو كرهاً، عادوا ليبشروا بالفكر الماركسي الشيوعي بدلاً من الفكر الديني”.

هذه الالتفاته الذكية من الشاعر شمس الدين رحمه الله، تؤكد انه لا يمكن اغفال التراث العائلي الديني والأدبي الذي ورثه حبيب صادق، عن والده الفقيه والشاعر اللامع الشيخ عبد الحسين صادق في تكوين شخصيته المعرفية والأدبية، على الرغم من تنصله هو في احد تصريحاته الصحافية من تلك التأثيرات، بالقول ان والده الشيخ الذي كان فقده طفلا في 12 من عمره، لم يكن يهتم به ويسأل عن حاله، مع انه كان اصغر ابنائه، وذلك بسبب انشغاله بالشأن العام ومتابعة الامور الدينية لرعيته في مدينة النبطية وجوارها.

حمل حبيب صادق القضية الجنوبية الوطنية إلى مشارق العالم العربيّ ومغاربه، وفتح أبواب “المجلس الثقافي للبنان الجنوبي”

التراث العائلي يلحظ جليا، من خلال الواقع العملي للتثاقف الأسري، الذي كان سائدا في النصف الاول من القرن العشرين مع قلة المنشورات الصحفية، واقتصار المعارف على الكتب القديمة وإرث العائلات العلمية الدينية، التي انتمى حبيب صادق الى إحداها.

ولما كانت نشأته في مدينة النبطية عاصمة الثقافة العاملية في ذلك الوقت، التي كان يتصدرها نشاط والده الديني والأدبي في ذلك الزمان، مع ثلة من المبدعين رموز النهضة العاملية حينها، منهم محمد جابر ال صفا والشيخ احمد رضا والشيخ سليمان ظاهر وغيرهم، فانه دون شك سمع وحفظ وهو طفل في المرحلة الابتدائية، مقاطع من خطب وأشعار والده الشيخ الاديب عبد الحسين صادق، التي كان يرددها أفراد عائلته والمحيطين به من الاقارب والاصحاب من اهالي المدينة، وبالتالي فان معانيها التي حفظها مع الاحرف الأبجدية الاولى في المدرسة، كانت الركيزة الاولى التي كونت سليقته الشعرية وذوقه الادبي، واصبح الإبن عندما كبر شاعرا واديبا ومعلما ثقافيا كبيرا كوالده الشيخ، مستبدلا فقط العقيدة الدينية الطاغية في خطب الوالد والبناء الكلاسيكي الصارم في شعره، بالحداثة والثقافة المدنية المعاصرة والعقيدة اليسارية التي تعرف عليها لاحقا، بسبب تقدّم المعارف وانتشار المكتبات ووسائل الاعلام في العصر الحديث.

نشاطه الثقافي

نزح حبيب صادق الى العاصمة بيروت، كي يدرس ويحصل على اجازته الجامعية في العلوم المصرفية ويتعيّن في وزارة الصحة، غير انه ما لبث ان استقال بعد ان غرق في عالم الاندية الثقافية والكتابة والنشر والتأليف، ثم انضم الى المجلس الثقافي للبنان الجنوبي وترأسه عام 1975، محدثا نهضة ثقافية كبرى فيه، فقد نسج علاقات بكثيرٍ من الأدباء والمثقفين القادمين من الجنوب، مثل إميلي نصر الله ومحمد دكروب وعبد اللطيف شرارة وسلام الراسي وبولس سلامة وحسن الأمين وجورج جرداق وعبد الرؤوف فضل الله ويوسف حوراني، وكانت علاقته وطيدة مع الشيخ واللغوي عبد الله العلايلي، وكانت ابواب المجلس الثقافي مفتوحة دائما، للمثقفين الجنوبيين والمفكرين من رجال الدين المتنورين المستقلين مثل السيد محمد حسن الأمين والسيد هاني فحص رحمهما الله.

يقول الزميل الصحافي كامل جابر: حمل حبيب صادق القضية الجنوبية الوطنية إلى مشارق العالم العربيّ ومغاربه، وإلى المنابر الدوليّة، وفتح أبواب “المجلس الثقافي للبنان الجنوبي” الذي تأسّس في العام 1964، وشغل منصب أمينه العام سنوات طويلة، للضيوف الأدباء والفنانين والتشكيليين العرب لرفد الثقافة الوطنية الجنوبية والوطنية بثقافة وطنية عربيّة، تماماً مثلما فتح أبواب المجلس ومنابره إلى كلّ مثقف وفنان جنوبي ووطني وواكبه من البدايات إلى المراتب العليا، ونذكر هنا مجموعة ما سمّيوا بشعراء الجنوب الذين كانت بداياتهم من المجلس الثقافي للبنان الجنوبي وكذلك جولاتهم وصولاتهم الإبداعية: محمد علي شمس الدين، جوزف حرب، الياس لحّود، محمد العبدالله، حسن عبدالله وشوقي بزيع وغيرهم.

نشاطه السياسي

عاش حبيب صادق محطات نضالية واجتماعية كثيرة من الجنوب إلى بيروت. فهو تزوج من الاديبة الراحلة ديزي الأمير (1973–1975)، شارك في انتخابات المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ليفوز بخمسة مقاعد (العام 1975 ضمن لائحة “التضامن الوطني”). تعرض لمحاولة اغتيال في 9 أيلول 1977 عقب دخول جيش النظام السوري الى لبنان، دُمّر منزله وجُرف في الخيام بعد الاجتياح الإسرائيلي الأول العام 1978، عاش لسنوات في المنفى في بغداد، ثم باريس.

ترشح حبيب صادق للانتخابات النيابية العام 1968، ثم العام 1972 مدعوماً من احزاب اليسار مع انه لم يكن حزبيا، فلم يوفّق، ثم شارك في الانتخابات النيابية العام 1992 مرشحاً في لائحة “حركة أمل وحزب الله “في اول انتخابات برلمانية بعد انتهاء الحرب الأهلية، ونجح عن منطقة النبطية، ولكن سرعان ما دبّ الخلاف بينه وبين الثنائية الشيعية، لينسحب من التحالف معهما ويعلن نفسه نائبا مستقلا.

فاز في الانتخابات النيابية العام 1992 مرشحاً في لائحة “حركة أمل وحزب الله” ولكن سرعان ما دبّ الخلاف وانسحب من التحالف معهما

وفي عام 1996 عاد وترشح للانتخابات النيابية مدعوما ايضا من اليسار فنال اكثر من 65000 الف صوتا، ولكنه خسر بوجه تحالف امل حزب الله المدعوم من السلطة.

صدر للاديب الراحل حبيب صادق أكثر من 13 كتاباً في الأدب والسياسة والشعر، بالإضافة إلى اشتراكه في الكثير من الدراسات التي نظّمها واصدرها المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، وبوصفه حارسا لثقافة الجنوب وأمينا على تراثه، اهتمّ صادق بجمع التراث الشعري والأدبي العاملي، وأشرف على مجموعة من الإصدارات تحت عنوان (تراث عاملي).

السابق
كريم مروة: تميّز حبيب صادق بسمات جعلته محبباً إلى أبناء الجنوب
التالي
قاضٍ يتوعد «الفاسدين».. ويُحمّل الدولة المسؤولية في حال تعرضه لخطر أمني