انتحار الشاعر خليل حاوي..هزائم العرب مستمرة!

الشاعر خليل حاوي

انتحار الشاعر اللبناني خليل حاوي عام ١٩٨٣ في مدينة بيروت، بعدما شاهد الدبابات الاسرائيلية تجتاح أول عاصمة عربية ، بيروت،لم يكن انتحاراً بقيمة آنية قد تعبر وتنتهي، فرصاصات بندقية الصيد التي مزقت جسده بعدما اطلق النار على نفسه،كانت تمزّق روح الهزيمة الكبرى التي “نعِم” بها العرب طويلاً.

لم يتقصد الشاعر الموت بعينه بقدر ما تقصد الذهاب الى ذروة الهبوب والرفض للموت المبرمج وفق آلية الهزيمة النكراء والجريمة الكبرى المرتكبة بحق الحياة نفسها. قتل حاوي نفسه وقتل معها عمر الزمن الأسود الذي ظلل العالم بأسره..
خليل حاوي ، الشاعر اللبناني المنتحر ،إعتراضاً على ما وصلت اليه الأمة العربية من هزائم غيّرت شكل الحياة والوجود، يعاود الحضور والإعتراض بشاعرية تفوق وتتفوق على القصيدة وصداها في أرجاء الروح، من خلال “الديوان الأخير” قصائد غير منشورة أبصرت النور في بيروت، عن “دار نلسن” و”مؤسسة أنور سلمان الثقافية”، وذلك بمناسبة الذكرى الأربعين لانتحاره الاحتجاجي المدوي.

فمع حلول الذكرى الأربعين لرحيله، ترتفع في أرض الروح هدية لمحبي الشعر والحياة، هدية تتمثل بصدور القصائد التي كان قد تركها صاحب “نهر الرماد” (غير منشورة)، لكنها معدّة للنشر، ومرتبة وفقاً لنظام ارتآه الشاعر كي تظهر فيه أشعاره بحلتها النهائية.

مع حلول الذكرى الأربعين لرحيله ترتفع في أرض الروح هدية لمحبي الشعر والحياة هدية تتمثل بصدور القصائد التي كان قد تركها صاحب “نهر الرماد” (غير منشورة) لكنها معدّة للنشر

قبل انتحاره، قبل أربعة عقود، خلّف خليل حاوي وراءه تسع عشرة قصيدة، لم يسبق له أن نشرها في ديوان؛ واحدة منها بالعامية، وقد أدرجت في آخر اللائحة، ويرجح أنها آخر قصيدة كتبها حاوي بالمحكية اللبنانية.

واللافت في هذا الديوان أنه يأتي كمفاجأة أدبية غير منتظرة وغير معلنة، بعد أن قل الاهتمام بما خلفه الأدباء من مخطوطات، وبردت همة الورثة، عن متابعة مهامهم في نشر ما بين أيديهم، أو حتى الاهتمام بإيكال المهمة لغيرهم، مع تراكم الأزمات، وارتفاع تكاليف النشر.

وجاء اهتمام “دار نلسن” التي طبعت الديوان بخليل حاوي بدافع الرغبة والاهتمام بما يمثله الراحل. وليس جديداً على “نلسن”، فهي تحاول منذ عشر سنوات نشر هذه القصائد التي تركها الشاعر في عهدة عائلته، وقد نشر عبر السنين بعضها متفرقاً هنا وهناك، لكنها لم تصدر مطلقاً مجتمعة في ديوان واحد،سوى اليوم، بالتعاون بين “نلسن” و”مؤسسة أنور سلمان الثقافية” وأبصر الكتاب النور،، وأصبح ما كتبه حاوي، وقرر نشره ذات يوم، ولم تسعفه الظروف، قد اكتمل وخرج الى القراء بصورة ممتعة.

إقرأ أيضاً: بينهم «نسر عرسال» وتركي..المؤبد لـ«متخصصين» بتفخيخ السيارات لتفجيرها في لبنان!

ويحتوي الكتاب على كثير من المفاجآت والصور الفوتوغرافية النادرة من أرشيف الشاعر.

قبل انتحاره قبل أربعة عقود خلّف خليل حاوي وراءه تسع عشرة قصيدة لم يسبق له أن نشرها في ديوان واحدة منها بالعامية وقد أدرجت في آخر اللائحة

بعد انتظار طويل قررت عائلة الشاعر الراحل خليل حاوي وبجهود جمانة حاوي ابنة شقيقه إيليا نشر ما في حوزتها. لكن قصة الكتاب لم تكتمل كما كان يخطط لها، بحيث يكتب الدكتور وجيه فانوس أمين عام اتحاد الكتاب اللبنانيين(الذي رحل قبل اشهر) المقدّمة لها ويحقّق القصائد ويدقّقها.

كان الدكتور فانوس حين أوكلت إليه المهمة، قد أقبل عليها بحماسة وفرح غامر. فقد كان حاوي أستاذه ومعلّمه وشاعره الأثير، وفي جعبته الكثير مما يمكن أن يقوله عنه. لكن، لسوء الحظ، رحل الدكتور فانوس قبل أن ينجز المهمة، مما أخر صدور الكتاب. وكان فانوس قبل وفاته بأسبوع قد اتصل بجمانة إيليا حاوي، وقال لها، كأنما حدسه كان أقوى منه: “حاسس إنو الجمعة الجاي رح شوف خليل وإيليا…”. هكذا تدخّلت الأقدار وغيرت مسار الكتاب. وتمت الاستعاضة عن مقدمة فانوس الذي سرقه الموت قبل أن يكتبها، بمقالة له كتبها في 13 يونيو (حزيران) 2022 في الذكرى الأربعين لوفاة حاوي، بينما قام بتدقيق القصائد وتحقيقها الدكتور محمود شريح.

بعد انتظار طويل قررت عائلة حاوي وبجهود جمانة حاوي ابنة شقيقه إيليا نشر ما في حوزتها لكن قصة الكتاب لم تكتمل كما كان يخطط له بحيث يكتب الدكتور وجيه فانوس المقدمة لكنه توفى قبل ذلك!

قصيدة “زحفت يداك “بخط يد حاوي مذهلة بصراخها الهاديء جداً.

“الديوان الأخير” يتضمن إضافة إلى القصائد، كلمة للناشر سليمان بختي عن “دار نلسن” تشرح ظروف نشر الكتاب والمصاعب التي واجهها، والقيمة الفنية والجمالية للأشعار التي سيكتشفها القارئ.

كما يضم الكتاب دراسة الدكتور وجيه فانوس، ونصاً للدكتور محمود شريح بعنوان “خليل حاوي كما عرفته في سنواته الأخيرة”، ثم تأتي القصائد مقرونة في كثير من الأحيان بصورة لها بخط يد حاوي، وتظهر أحياناً التعديلات التي أجراها على القصيدة، واستبداله ببعض الكلمات الأخرى، خصوصاً قصيدته المحكية “شو قولكم”، فيما غالبية مخطوطات القصائد، هي أقرب إلى مبيضات، والأشعار مسطورة بترتيب وخط مقروء ومنتظم. واقترنت كل قصيدة في الكتاب، برسم خاص أنجزه الفنان التشكيلي شوقي شمعون.

وما يرفع من أهمية الكتاب ما خصّ به الشاعر شوقي أبي شقرا هذا الكتاب بكلمة زينت الغلاف الأخير حملت عنوان “الشاعر القدوس”؛ حيث قال عن حاوي إنه “تلك العلامة في ثقافتنا”، وكتب عنه ايضاً أنه “لا هو يرضى إلا أن يهجم على المستحيل، وإلا أن يصفعه على مسرح القوم ومسرح الشعراء ومسرح الذين يبحثون عن بطولة معاصرة. وعن الشجاعة وعن ألوانها وعن سيفها المعلق عند خليل حاوي”.

ومما جاء في دارسة د. وجيه فانوس: “وَحده خليل حاوي، بَيْنَ الشُّعَراءِ العَرَبِ المُعاصِرِينَ جَمِيعاً، اسْتَطاعَ أَنْ يَصِلَ إِلى رِحابِ تَوَحُّدِ الذَّاتِيِّ بِالجَمْعِيِّ؛ وَلِذَلِكَ فَإنَّهُ كانَ الشَّاعرَ الوحيدَ الَّذي لَمْ يَجِد بُداً مِنَ المَوتِ، فِي لَحظَةٍ كانَت أُمَّتُهُ فِيها تُشْرِفُ عَلى المَوْتِ. نعَمْ كانَت قَصِيدَتُهُ الأَخيرَةُ، تِلكَ التي كَتَبَها ببارُودِ بُنْدُقِيَّتِهِ، عَلى جَبْهَتِهِ وَفِي مِحجَرِ عَيْنِهِ اليُمْنَى، هِيَ أَعظَمَ دَلِيلٍ عَلى تَوَحُّدِ الذَّاتِ بِالأُمَّةِ؛ لَكِّنَّها، فِي الوَقْتِ عَيْنِهِ، أَكْثَرَ الأَدِّلَّةِ إِيلاماً وَفَجِيعَةً؛ إِذْ وَجَعُ الأُمَّةِ وَسَوادُها حَجَبا، فِي ذَلِكَ الحِينِ، كُلَّ إِمْكانِيَّةٍ لِرُؤْيَةِ الرَّاحَةِ وإِشْراقَةَ الفَجْرِ خارِجَ فِعلِ المَوْتِ”!

أما سليمان بختي، ناشر الكتاب، ففي رأيه أن هذه القصائد “جزء من آثار حاوي وتجربته، وربما، تتساوى قيمتها التوثيقية بقيمتها الفنية، وتكتسب أهمية على صعيد آخر؛ وهو معرفة ماذا كان يكتب خليل حاوي في سنواته الأخيرة، وماذا كانت أفكاره وانهماكاته، وما هو الشكل الذي يترصّده في تجربته الشعرية. أراد خليل حاوي لهذه الأمة ما أراده لها رجال النهضة وروّادها من تقدّم وإصلاح، ولكن دون ذلك أهوال”.

أما سليمان بختي ناشر الكتاب ففي رأيه أن هذه القصائد “جزء من آثار حاوي وتجربته، وربما تتساوى قيمتها التوثيقية بقيمتها الفنية وتكتسب أهمية على صعيد آخر

لعل الكشف عن هذه القصائد سيعطي براهين أكبر لأولئك الذين مالوا للقول إن حاوي أخذ في أشعاره الأخيرة يميل للاختزال، ولكتابة القصائد السريعة والقصيرة، التي تكتفي بتمرير الرسائل أو إيصال صرخة، أو تسجيل فكرة. فما يحتويه “الديوان الأخير” هو من هذا الصنف الشعري الذي أخذ الشاعر يلجأ إليه، كأنما كان ينطفئ بالتدريج، دون أن ينتبه لذلك أحد.
كتاب الحضور الصاخب، كتاب المنتحر خليل حاوي، يرفع مجدداً صرخة الحياة الرافضة لقتل الحياة نفسها.

نبذة عن الشاعر خليل حاوي

ولد الشاعر خليل حاوي عام 1919 في الشوير في لبنان، وتوفي عام 1982. عمل بناءً وانتسب إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، وعضو مجلس بلدية الشوير. تعلم اللغات العربية والإنجليزية والفرنسية والفيزياء والكيمياء والرياضيات، وأتم تعليمه الثانوي والتحق بكلية الشويفات الوطنية. نشر أولى أعماله الشعرية في مجلة (العروة الوثقى) التي كان أحد القائمين على إصدراها.

له 6 دواوين شعرية وغنى له من المطربين المعروفين مارسيل خليفة. عمد إلى إنهاء حياته عقب الاجتياح الإسرائيلي لبيروت في عام 1982.

درس في المدارس المحلية حتى سن الثانية عشر حين مرض والده، فاضطر إلى احتراف مهنة البناء ورصف الطرق، وخلال فترة عمله عاملاً للبناء والرصف كان كثير القراءة والكتابة ونَظَم الشعر الموزون والحرّ بالفصحى والعامية.

علَّم حاوي نفسه اللغات العربية والإنجليزية والفرنسية حتى تمكن من دخول المدرسة ثم الجامعة الأمريكية في بيروت التي تخرج منها بتفوق، ما مكنه من الحصول على منحة للالتحاق بجامعة كامبردج البريطانية، فنال شهادة الدكتوراه وعاد بعدها إلى لبنان ليعمل أستاذًا في الجامعة التي تخرج فيها واستمر في هذا العمل حتى وفاته.

مع دخول قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى بيروت في يونيو عام 1982، لم يتحمل الشاعر خليل حاوي ما رآه فأطلق النار على رأسه في منزله في شارع الحمراء في بيروت وفارق الحياة.

السابق
«المدّ الفارسي» يتوغل في دير الزور..تجنيد نساءها في «الحرس» مقابل مليون ليرة سورية!
التالي
أم تروي جريمتها المروعة.. قتلت طفلها قطعته وأكلت لحمه!