فقد لبنان وظائف اقتصاده الاقليمية، بسبب من ضيق آفاق منظومته السياسية الفاسدة، وانعدام أية رؤية لهذه المنظومة، تواكب مستجدات العصر وترسم خيارات مستقبلية لها، وفقدت أغلبية قطاعاته الاقتصادية ميزاتها التفاضلية وقدراتها التنافسية، وتحول الداخل اللبناني خواءً ضعيفا، انتاجا واقتصادا وسياسة، واصبح مرهونا بخارج اقليمي يديره ويُموّل معيشة أبنائه، فتحول اللبنانيون من شعب حر كفوء، بمهارات ريادية، الى رهينة تحتاج إغاثة أو وصاية، أو تدخلا إنقاذيا “، وأصبح لبنان بعد مئة عام على تأسيسه، وطنا يحتاج الى التأسيس مرة أخرى.
يتبدى الموقف اليوم بان استمرار لبنان وطنا للعيش فيه، مرهون بعملية اعادة تأسيس شاملة
وانفجرت ازمة اقتصادية ومعيشية، غير مسبوقة في تاريخ الشعوب من حيث شموليتها وتعدد ابعادها وفداحة خسائرها واخطارها، ورغم ذلك فان منظومة السلطة لا تمتلك اي خطة ولو أوّلية لوقف انهيار لبنان، و ما يؤكد ذلك هو امتناعها منذ سنتين واكثر، على سلوك خطوة واحدة على طريق انقاذه، فهي ما تزال متمسكة خلافا لكل منطق باستمرار سلطتها، وبإدامة استنزافها للمال العام، وما تبقى من رصيد عملات اجنبية في مصرف لبنان، سواء عبر عمليات تهريب هائلة، عبر الحدود تديرها خلافا للقانون ولمصالح لبنان او عبر عمليات ترقيعيه تخديرية، لشراء وقت لمستقبل مجهول، ويتبدى الموقف اليوم بان استمرار لبنان وطنا للعيش فيه، مرهون بعملية اعادة تأسيس شاملة، وان اعادة تأسيس الوطن مرهونة باستعادة الدولة من محتليها وخاطفيها، لبنانيين وأجانب، و يبدأ ذلك عبر إعادة تكوين السلطة، كل سلطة وفي كل ميدان، سواء كانت :
• سلطة معايير وقيم، تتعلق باسترجاع احترام الدستور وسيادة القانون كل قانون، من قانون السير بداية، الى قانون الدفاع الوطني، وصولا الى قوانين المحاسبة العامة والاثراء غير المشروع وما بينهما. فسيادة اي دولة تتحقق اولا باحترام الدستور وانفاذ القانون.
• أو كانت سلطة سياسية تتناول استرجاع المؤسسات الدستورية، كرئاسة الجمهورية والحكومة ومجلس النواب، بحيث تعبر هذه المؤسسات عن رضا الناس وتتبنى الدفاع عن حقوقهم وخدمة مصالحهم، وتصون مصالح لبنان وثرواته الطبيعية والبشرية وتدير علاقاته الخارجية والدولية.
• او سلطة قضائية مستقلة فاعلة، تبنى على قاعدة النزاهة والحيادية والتجرد عن الاهواء والسياسة، وتؤمن تنفيذ الاحكام وسرعة تنفيذها، ولا تكرس ممارسات الافلات من العقاب، والتستر على الجناة والمفسدين، ولا تشكل منصة لقمع منهجي تمارسه السلطة ضد معارضيها.
• او سلطات أمنية وعسكرية بحيث تستقر وظيفتها أولا وأخيرا، بأن تنفرد بصون الحدود والدفاع عنها، وتنظيم الحركة بالقانون عبرها، وحماية المواطنين وأمنهم، وتأمين حقوقهم السياسية والدستورية طبقا للقانون، والامتناع عن ممارسة، الاعتقال التعسفي، والقمع الأمني والعنف المنهجي والتعذيب الجسدي، تلبية لأهواء نافذين بالسلطة او السياسة.
• او سلطة المعرفة والعلم التي تضطلع بها الجامعات العريقة ومراكز الابحاث والدراسات لأخذ دورها وعملها بأن تتولى، من موقع العلم والخبرة، تشخيص الازمات وتوصيف المعضلات ودراسة الملفات واستنباط الحلول، وبناء السياسات العامة والخيارات الكفيلة بتحقيق المصلحة العامة والخدمة المناسبة والتنمية المستدامة.
• السلطة الرابعة في الاعلام والصحافة والثقافة والفنون، واستعادة ريادتها كقطاع منافس وحديث، وتحرير مؤسساته ومنابره من المحاصصات الحزبية والطائفية، ليكون اعلاما ديموقراطيا تعدديا، يطور الحياة الديموقراطية، ويلتزم اصول الصحافة المهنية، بالسعي الى اظهار الحقائق وعرض الآراء المختلفة، ويساهم في توعية جمهوره في كافة الميادين العلمية والثقافية والانمائية.
لبنان بحاجة الى اعادة بناء تحالفاته العربية والدولية، وتجديد انتمائه لحاضنته الثقافية
• أو سلطات الهيئات المنتخبة ذات الشرعية النسبية، بطبيعتها القطاعية كنقابات المهن الحرة والهيئات المنتخبة في مجالات الشباب والمرأة وفي الجامعات والقطاعات الانتاجية والصناعات والاعلام وغيرها. وقد افرزت نتائج نقابات المحامين والمهندسين، إضافة الى نتائج الانتخابات الطلابية في الجامعات الخاصة ومندوبي اساتذة الجامعة اللبنانية مدى الانحياز الكبير لإرادة التغيير في اوساط النخب اللبنانية.
• اما في ميدان العلاقات الخارجية العربية والدولية، فان لبنان بحاجة الى اعادة بناء تحالفاته العربية والدولية، وتجديد انتمائه لحاضنته الثقافية والحضارية العربية، وتعزيز علاقاته السياسية مع الدول العربية، والنأي بنفسه عن الصراعات العربية والاقليمية، وتأكيد التزامه سياسة التضامن العربي، و اقامة علاقات دولية متوازنة بين الغرب والشرق، وعلاقات حسن جوار اقليمي مع كل من تركيا وايران، بما يؤمن له مغادرة محور الممانعة الذي تقوده ايران، ويعفيه من لعب وظيفة المتراس الامامي الذي يتولى الاشتباك عنها في حروبها، ولذلك فان اعادة بناء جهاز ديبلوماسي كفوء ومهني وشبكة من السفارات والقنصليات، على اساس المهنية والكفاءة والالتزام بمصالح لبنان العليا، وحضوره العالمي والدولي.
هذه هي ميادين وساحات معارك اعادة تكوين السلطة، الخاضعة للصراع السياسي والاجتماعي والقانوني، يضاف اليها فئة ثانية هي المؤسسات الدينية وقطاعات المال والاعمال، وهي فئة يرتبط حراكها بآليات مختلفة، وسؤال اعادة تكوين السلطة يطرح حل معضلة ايجاد خرائط طرق محددة، للتقدم في كافة هذه الساحات واحداث التغيير واعادة التشكيل فيها، فلا تغيير بالسلطة الا بإعادة تشكيل الدولة العميقة فيها.
وذلك عبر اقرار مبدأ التمانع الشامل بين الانتماء السياسي والحزبي والميادين الثمانية التالية.
1. ٠فصل العمل السياسي عن العمل الحزبي السياسي، فلا يصح لاي رجل دين، ان يكون زعيما لحزب سياسي او جزءا من قيادته، وان اول استجابة لموجبات دولة مدنية هي فصل الانتساب الى مؤسسات دينية، عن الانتساب الى مؤسسات حزبية سياسية، وهي خطوة تأسيسية في مسيرة الغاء الطائفية السياسية وتجاوز الطائفية بكافة اشكالها.
2. فصل السياسة عن القضاء واقرار مبدأ التمانع قانونا، بين العمل في القضاء المالي والاداري والنيابات العامة والمحاكم بكافة اشكالها، وكل موقع من مواقع تولي موازين العدالة من جهة اولى، وبين اي امكانية لتولي مناصب وزارية او الانخراط اللاحق في استحقاقات انتخابية سواء كانت مواقع نيابية او بلدية او رئاسية.
3. فصل السياسة عن مواقع القيادة العسكرية في الجيش والاجهزة الامنية، وجعل الترقية الى رتبة عقيد وما فوق، مشروطة بتعهد صاحب الترقية بتعهده الزاما، بالتخلي عن حقه بتولي اي منصب نيابي او وزاري او رئاسي.
4. فصل السياسة عن الادارة والوظائف العليا، في اجهزة الرقابة والتفتيش الاداري والمالي وهيئات التأديب والمحاسبة والمناقصات العامة ومجلس شورى الدولة، واعتماد الخبرة والكفاءة والمهنية معايير آمرة في الترقيات والتعيينات المذكورة.
فصل النيابة عن الوزارة بما يعزز استقلال السلطة التشريعية عن السلطة الاجرائية
5. فصل النيابة عن الوزارة بما يعزز استقلال السلطة التشريعية عن السلطة الاجرائية، وبما يحرر الوزارات من ضغوط الزبائنية والمحسوبية، ويقلص استعمال موارد الدولة وخدماتها كرشاوى انتخابية لكسب ولاء المقترعين وتجيير اصواتهم.
6. فصل الشأن الخاص عن المال العام والزام كل سياسي، او صاحب مسؤولية عامة، بوقف اعمال شركاته الخاصة، من تاريخ توليه منصبه، عن الاشتراك باية تلزيمات او مناقصات او تعهدات مع الدولة او الوزارات او البلديات او المؤسسات العامة، بما يمنع التربح من السلطة وممارسة صرف النفوذ.
7. اعادة النظر بتراخيص محطات التلفزة، وتحريرها من سيطرة واحتكار الاحزاب السياسية الطائفية، والتطبيق الحازم لقانون تنظيم المؤسسات المرئية والمسموعة من حيث منع احتكارها وتعددية حاملي اسهم ملكياتها، ومنع تطييفها، واعادة تشكيل المجلس الوطني للاعلام المرئي والمسموع، بعيد عن الممارسات التي اعتمدت حتى تاريخه.
8. اعادة النظر بتراخيص الجامعات، وتدقيق وظائفها والتحقق من برامجها ومناهجها والرقابة على شهاداتها، لضمان جودة التعليم فيها، ولتعزيز مصداقية وقيمة الشهادات التي تصدرها، واقفال كل مؤسسة ارتضت ان تنحدر من سمو التعليم كانتاج ونقل للمعرفة؛ الى حضيض الارتزاق والتزوير، كتجارة زائفة.

