لن تجد معطيات تؤيد أو تسوغ الربط: بين مصير مفاوضات فيينا بين النظام الإيراني والولايات المتحدة من جهة، وبين تفسير الأزمات وبناء التوقعات حول مصير الأزمات السياسية، التي لإيران الدور الأساسي فيها عبر حلفائها، في أكثر من دولة عربية من جهة أخرى. إضافة إلى أن هذا الربط، لا ينسجم مع استراتيجيات النظام الإيراني ومراميه البعيدة، ولا يتوافق مع أولويات الولايات المتحدة الدولية، وذهنيتها الراهنة في إدراتها للمفاوضات.
لا يكفي لتفسير مسار التصعيد، أو توقع انفراجات في الأزمات القائمة، في مناطق الصراع أو التنافس بين الأمريكي والإيراني، رصد حدة أو انخفاض التوتر بين الطرفين، أو ترقب انسداد أو انفراج مسار التفاوض بينهما.
بل لا بد من فهم العقلية والاستراتيجية والثوابت، التي يقوم عليها كل من الطرفين. فالمسألة لا تتعلق بلعبة الضغط والابتزاز من الطرف الإيراني، ولا تتعلق بالضغط وسياسة التأديب أو الاحتواء من الجانب الأمريكي، بقدر ما تتعلق بالطريقة التي بات الأمريكيون ينظرون بها، إلى موقعهم في العالم، ويصورون دورهم فيه، وإلى ذهنية النظام الإيراني الجديد (نظام ولاية الفقيه)، في نظرته إلى نفسه وفي منطلقاته الأيديولوجية، التي تختبيء وراء براغماتيته وتُوجِّه سياساته.
مع سقوط الإتحاد السوفيتي، أخذت أهمية الشرق الأوسط تتقلص، بالنسبة لصناع السياسة في الولايات المتحدة الأمريكية. حيث تحولت أولويتها، من التنافس على النفوذ الكوني ضد التمدد السوفيتي، إلى الاعتبار الاقتصادي والأمن الذاتي. أي من اعتبار: بناء أحلاف سياسية موالية مثل حلف بغداد، والتدخل المخابراتي والعسكري لحماية الأنظمة الموالية لها، مثلما فعلت في إيران، لاسترجاع الشاه المعزول في خمسينيات القرن العشرين، ومثلما فعلت ضد احتلال العراق للكويت، وتنصيب شرطي للمنطقة يملك قوة التدخل الحاسم، مثلما فعلت مع إسرائيل وإيران-الشاه، ومحاصرة الأنظمة المعادية لها، والعمل على تقويضها وإضعافها ، مثلما فعلت مع حكم عبد الناصر في مصر، هذا إضافة إلى تسليح المنظمات والميليشيات، التي واجهت التمدد السوفيتي، مثلما فعلت مع “المجاهدين الأفغان”، الذين كان الإعلام الأمريكي يسميهم بمقاتلي الحرية (Freedom Fighters)، ومثلما فعلت في لبنان حين مولت قوى اليمين اللبناني، لمواجهة المد اليساري، والنفوذ الفلسطيني المتحالف مع المحور السوفيتي.
يسعى بايدن إلى أحياء الإتفاق النووي الذي تنصل منه ترامب بنفس ذهنية أوباما أي فصل الملف النووي عن الأمني والسياسي
كان سقوط الاتحاد السوفيتي، بداية تحول أساسي في سياسات الولايات المتحدة في العالم، الذي تسبب بانكفاء وانسحاب من مسار أحداث العالم. صحيح أن انهيار المعسكر الشيوعي، عزز جدوى وتفوق المقولة الليبرالية الرأسمالية، على أي نموذج اقتصادي أو سياسي أو حتى أيديولوجي في العالم. إلا أن غياب الخصم والعدو الكبير، وتقلص التحديات الأمنية الكبرى، بخاصة التحدي النووي، ولد ارتخاءً أمريكياً في التصدي لملفات العالم، وأخذ صانع السياسات الأمريكي يغض الطرف أو لا يبالي، بالكثير من التحولات التي لا تصب في صالحه. فتراه بدأ يعيد النظر في جدوى حلف الناتو، وأخذ يقلص ميزانيته العسكرية إلى حد بعيد، ويقوم بتسويات مع خصومه ومناوئيه لغرض استيعابهم، وصار يعتمد على الوكلاء في تعميم سياساتهض، بدل المتابعة والتورط المباشرين. وانتقل الهاجس الأمريكي، من تأمين الولاءات والتبعيات في العالم، إلى الحديث عن الاستقرار والتوازن، الذي لا يقضي على الخصم، بقدر ما يحاصره ويحتويه ويشركه في لعبة الاستقرار.
ولعل هذا كان سمة النظام العالمي الجديد، الذي روج له الأمريكيون بعد سقوط الإتحاد السوفيتي، والذي يقوم بنحو كبير، على إشراك جميع القوى السياسية الفاعلة في العالم، بما فيها العدو والخصم والمناوىء، لغرض تحقيق استقرار عالمي، يحول دون تولد اضطرابات أمنية، أو اهتزازات سياسية وتصدعات في الكيانات السياسية القائمة، ويطلق عجلة الرفاه الاقتصادي، الذي تكون الولايات المتحدة محوره ونقطة ارتكازه.
إقرأ أيضاً: وجيه قانصو يكتب لـ«جنوبية»: المبادرة الكويتية للبنانيين.. ليكن لكم دولة
هذا يفسر إلى حد بعيد، التسهيل الذي قدمه الأمريكيون للنظام السوري، في بسط هيمنته على لبنان، لمدة تزيد على عشرين عاماً، مقابل تعهد السوريين، بتأمين استقرار دائم في لبنان، وقدرة تامة على التحكم بالقوى المناوئة والمعادية للولايات المتحدة. ويفسر التعامل السمح مع طالبان، التي أحكمت قبضتها على أفغانستان بمرأى ومسمع من الأمريكيين، من دون أن يحركوا ساكناً، وفي عدم الجدية في الحد من تنامي التنظيمات الأصولية العنفية، التي وضعت مصالح الولايات المتحدة على رأس أهدافها.
ورغم مسعى ما سُموا بالنيو الليبراليين في الولايات المتحدة، في استمرار الزخم والحضور الأمريكي المؤثرين والشاملين في العالم، حيث عمدوا إلى بلورة ايديولوجية هيمنة جديدة، قوامها أن الولايات المتحدة، صاحبة المشروع الليبرالي التحرري للعالم (فوكوياما)، الذي يمثل نهاية التاريخ، أي نهاية صراع البشرية للوصول إلى خلاصها الارضي.
إضافة إلى إنتاج عدو جديد، أخطر على المشروع الليبرالي التحرري للعالم من الكيان السوفيتي السابق، الذي صوروه بطريقة مصطنعة على أنه الإسلام، الذي خرج من قمقمه، ويملك بحكم انتشاره الكوني، وكثافة سكانه ووفرة موارد وقدرته التعبوية الشديدة، قدرة تدميرية هائلة (هننغتون).
انشغال صناع القرار الأمريكي بالداخل الأمريكي بسبب الكارثة الاقتصادية التي تسبب بها تورط إدارة بوش العسكري في الخارج وتفاقم الأزمة الاجتماعية
رغم هذا المسعى الداخلي، فإن حظوظ هذا التيار في الإمساك والتحكم بالسياسة الأمريكية كانت ضعيفة، ولم يتمكن من الحد من الإنكفاء الأمريكي تجاه العالم، أو من سلوك اللامبالاة تجاه الكثير من الأحداث. وما ظهورهم العلني بعد أحداث 11 أيلول، وتبوء بعضهم مناصب رسمية في عهد بوش الإبن، إلا مرحلة استثنائية، ومجرد رد فعل داخلي على الإهانة الوطنية، والشعور العالي بعدم الأمان، الذي تسبب به اعتداء 11 أيلول، الأمر الذي سمح باستجابة رسمية وشعبية آنية، لخطاب استعراض القوة وخطاب التحريض والانتقام للجرح الوطني. بيد أن هذه الاستجابة، لم تتحول إلى منطلق راسخ في صناعة القرار، أو استراتيجية واضحة في التعامل مع الملفات الدولية، بخاصة ملفات الشرق الأوسط.
أمران عززا انشغال صناع القرار الأمريكي بالداخل الأمريكي: أولهما الكارثة الاقتصادية، التي تسبب بها تورط إدارة بوش العسكري في الخارج، ثانيهما تفاقم الأزمة الاجتماعية، التي تضم بداخلها مشكلة عدالة توزيع الثروة، التمييز العنصري، حقوق الأقليات، خدمات الدولة، مشكلتي التعليم والطبابة. وهي مشكلات هيمنت على النقاش الداخلي، وتسببت بانشقاقات واصطفافات غير معهودة، وصلت إلى حد التباين في تحديد حقيقة الهوية الأمريكية نفسها، أي “معنى أن تكون أمريكياً”. هي عوامل غيبت العامل الخارجي تغييباً شبه كامل عن الهم السياسي، وأخذت إدارة أوباما تصور أميركا لاعباً شريكاً في العالم، وليس لاعباً رائداً أو قائداً أو في الصدارة. وهو شعار ترجم عملياً بتنصل الولايات المتحدة، من الكثير من مسؤوليتها المباشرة في أكثر ملفات العالم، وإلى غض الطرف أو تجاهل الكثير من الإنتهاكات الإنسانية، التي تمارس من قبل الأنظمة البوليسية، وإلى ميلها للتفاوض والمساومة بدلاً من المواجهة، وإلى سياسة الاحتواء التي تدعو إلى شراكة مع الخصم والعدو، لتأمين استقرار سياسي وأمني بدلا من العقاب أو القطيعة.
بهذا الواقع وهذه الذهنية، كان مسار التفاوض الأمريكي مع النظام الإيراني في عهد أوباما. وهي ذهنية عكست: تردداً أمريكياً في المواجهة، وابتعاداً عن لغة الحسم، وتقديم إغراءات للخصم المفاوض ليدخل معه في صفقة، والقبول بفصل الملف النووي عن ملفات السياسية الإيرانية، ومستوى تسلحها وحجم تدخلها المدمر عبر فصائلها الموالية لها، داخل الدول والكيانات المجاورة لها، بخاصة المجال العربي. هو أمر جعل مسار التفاوض النووي بين الإيرانيين والأمريكيين، يأخذ طابعاً تقنياً بحتاً وإجرائيا خالصاً، يتعلق بحجم ودرجة التخصيب وآليات المراقبة، مع فصل كل ذلك عن التوسع والتغلغل الإيراني الخطيرين، داخل المجال العربي، ليكون غض الطرف عن هذا النشاط، بمثابة الثمرة أو الجائزة الكبرى، التي حصلها الإيرانيون جراء قبولهم بدرجة تخصيب نووي، تبتعد عن التسلح النووي أياماً قليلة.
هذا يعني أن الإيرانيين نجحوا في استثمار الاتفاق في السياسة، ليجعلوا من الإتفاق غطاء قانونياً ودولياً لأعمالهم التوسعية داخل محيطهم، مقابل ضمانة شكلية حصلها الأمريكيون والأوروبيون، تحول دون التسلح النووي، التي تعني عملياً ضمان أمنهم الذاتي بعدم وصول رؤوس نووية إيرانية إلى أراضيهم، مقابل تخليهم عن أمن المنطقة، واستقرار مجتمعاتها وسيادة دولها. وهو ما أشعر دول المنطقة، بخاصة الخليجية، أن الإتفاق النووي الأخير، جعلها مكشوفة الظهر، ومهددة ليس فقط لمصالحها، بل لوجود أنظمتها.
الإيرانيون نجحوا في استثمار الاتفاق في السياسة ليجعلوا من الإتفاق غطاء قانونياً ودولياً لأعمالهم التوسعية داخل محيطهم
يسعى الأمريكيون في عهد بايدن، إلى أحياء الإتفاق النووي الذي تنصل منه ترامب، بنفس الذهنية التي قاربت بها إدارة أوباما الملف النووي، أي فصل الملف النووي عن الملف الأمني والملف السياسي، وعن تعقيدات النفوذ الإيراني في المنطقة. أي يستمر الأمريكيون في تفريغ المفاوضات النووية من أي محتوى سياسي أو إلزام أمني، أو ترتيب سياسي يضبط إيقاع النظام الإيراني ويقيد نشاطه في المنطقة. ما يعني أن الأمريكي، ومعه شريكه الأوروبي، يهمه إقفال النووي، مقابل ترك ملفات المنطقة مفتوحة على المجهول. في حين يعمل النظام الإيراني، على إضافة شروط جديدة في الإتفاق، تؤمن له غطاء قانونياً ودولياً، لاستثمارات سياسية إقليمية ودولية قادمة، تسهل إنتشاره وإحكام قبضته.
هي مفارقة مقلقة وغريبة في وجهة طرفي المفاوضات النووية: الأمريكي يريد إنجاز الإتفاق النووي، ليسوغ انسحابه وانكفاءه من المنطقة، والإيراني يريد اتفاقاً ليعزز المزيد من حضوره النافذ فيها.
ماذا عن المفاوض الإيراني؟ للحديث صلة.

