لماذا يرفض اللبنانيون والعرب، وحتى العالم تصديق حزب الله، لماذا يرون ويحاولون إقناع أنفسهم بعكس ما يرون، لماذا يأملون ببناء استراتيجيات “بالتراضي” مع مسؤولين لبنانيين رسميين “مش مسؤولين عن شي”، “وما بيمونو على شي”، أو يأملون بحلول ضد ما يعلنه لهم الحزب بنفسه، وبكل وضوح؟!
اقرأ أيضاً: حسن فحص يكتب لـ«جنوبية»: إيران و«النوم مع العدو» الأميركي..ماذا عن «حزب الله»؟!
وهل يجب اعتبار “الورقة الكويتية” وأخواتها، تحذيراً جدياً قبل مواجهة اقتصادية محتملة، وحصاراً وعقوبات مالية أو ما شابه ضد لبنان، مع استبعاد أي عملية عسكرية عربية أو أممية..؟ وذلك، في حين يدرك الداخل والخارج أن حزب الله، الذي نفذ 7 أيار الأولى، لن يمانع بتنفيذ 7 أيار ثانية أو ثالثة، إذا ما دعت حاجته لذلك، وهو الآن غير منشغل عسكرياً في سوريا، وحشوده العسكرية غير منشغلة في أي أمر آخر. ولكن، لا يبدو أن هناك حاجة لتنفيذ 7 أيار جديدة في الأفق. فالاعتراضات اللفظية “ما بتأثر كتير”… “تركوهم يحكو!” أما الرد الداخلي للحزب فسيكون بمزيد من احكام السيطرة على القرار السياسي والمالي مباشرة، وعبر الحليف وحليف الحليف، ومع تحييد الجيش اللبناني والقوى الأمنية بالكامل. ولا يمانع الحزب، عند الضرورة، بالتضحية بالأمور الثانوية في السياسة اللبنانية إذا ما لزم الأمر، كتأجيل الانتخابات النيابية. فالإمساك بالقرار الأمني، في ظروف الحزب، له الأولوية دائماً! خاصة في ظل تراجع أسهم المهادنين معه من القيادات السنية، وتوقع ارتفاع أسهم الصقور السنية المواجهة له، القديمة منها والجديدة.
وما يميز حزب الله في خياراته هو الوضوح الشديد في الموقف! وهو أنه جزء من المحور الايراني، ويتبع ولاية الفقيه والثورة الاسلامية في ايران، بتمويل وتسليح ايراني بالكامل. وهو يعتبر أن سلاحه مقدسا، ولا يمانع بالمشاركة في مناقشة أي استراتيجية دفاعية في لبنان، تنتهي بضرورة وأهمية بقاء سلاحه و”ميليشياته” أو “جيشه” الخاص خارج عن الدولة، وبإمرته منفرداً، الى ما شاء الله، وحتى تنتهي دولة العدو الاسرائيلي!
وفي خياره المحور الايراني، يدعم حزب الله بالضرورة فكرة تصدير الثورة الايرانية، الى الدول العربية ويساهم فيها. وهو يؤيد بالتأكيد سيطرة ايران على 4 عواصم عربية. ويطمح الى سيطرتها على كل العواصم العربية! وهو يدعم كل القوى العسكرية الموالية لإيران في كل المناطق العربية، والعالمية حيثما وجدت. وهو جزء من الخيارات المذهبية الايرانية. كما يدعم بالضرورة الحوثيين في اليمن، وفي استهدافهم المباشر لدول الخليج العربي، وبشكل خاص السعودية والامارات… ويدرب ما أمكن من المقاتلين في المحور الإيراني أينما كان، ويقاتل خارج الحدود عندما يشاء، كما قاتل في صربيا. ويعتبر أميركا الشيطان الأكبر، ولا يمانع أن تفاوض إيران مع “الشيطان الأكبر”، ولا أن يقدم “الشيطان الأكبر” المساعدات الى الحكومات التي يشارك فيها، أو حتى الى قرى “محسوبة عليه”.
ويعمل الحزب، ولا يمانع من، ايجاد مداخيل خارجية وداخلية له، بأي طريقة ممكنة (فالغاية تبرر الوسيلة)، وهو يحكم سيطرته بالتالي على العديد من المرافق في لبنان، مع سيطرة أمنية، ومخارج خاصة، في المرفأ والمطار وعلى الحدود مع سوريا. كما يهيمن على الحكومات اللبنانية وعلى قراراتها الكبرى. ويحافظ على وزارة المالية للثنائي. ولا يمانع في تعطيل عملها عند الحاجة، كما عمل في السابق لتعطيل البلاد زمناً طويلاً جداً بفراغ رئاسي لإيصال حليفه الى سدة الرئاسة…
المبادرة في أي مواجهة عسكرية مع العدو الاسرائيلي، ليست أولوية لحزب الله اليوم. فاذا قامت لسرائيل بأي اعتداء واضح ومحدود، يقوم الحزب بالرد المحدود المماثل. أما خيارات المحور الايراني في المواجهة مع اسرائيل فهي واضحة أيضاً. فإيران لا تريد، ولا تعمل على مهاجمة اسرائيل عسكرياً، واسرائيل تبادلها الهدوء الكامل! وسوريا لا ترد عسكرياً على أي اعتداء عسكري اسرائيلي “محدود” عليها. إذ ليس هناك حروباً كبرى في الأفق. والمساكنة مع العدو الاسرائيلي في المنطقة لإيران وسوريا وحزب الله أصبحت بمثابة “التطبيع الأمني”! وسوريا طبعاً، لم ولا تبدي أي نية باسترداد الجولان، بالمقاومة أو بالحرب أو بأي شكل عسكري. ويبقى لبنان بالنسبة إليهم كورقة تفاوض (كما في مفاوضات فيينا)، وفتيل تفجير لتصعيد الموقف عند الحاجة.
ولا يجدر بأحد أن ينتظر غير ذلك. فحزب الله مقتنع أن مصلحة اللبنانيين، بعكس قناعة الكثيرين في لبنان، لا بل الأغلبية المطلقة، أن سلاحه وانتماءه الى المحور الإيراني، هما مصدر كل الخيرات التي تتدفق على النعيم الذي يعيش فيه اللبنانيون! ولذلك، فهو غير معني لا بأي “ورقة كويتية”، ولا بالحياد، ولا حتى بأي اتفاق، كاتفاق بعبدا الذي طلب الحزب من اللبنانيين أن “ينقعوه ويشربو مايتو” بعد توقيعه عليه، ولا بأي شيء لا يقرره بنفسه أو بقرار إيراني!
ومن المستغرب ألا يدرك البعض أن حزب الله، مستعد لكل الخيارات العسكرية والأمنية لمنع ما يعتبره “تعدي” على سلاحه، بأي شكل من الأشكال. وهو يحظى بالدعم الايراني المالي واللوجستي لذلك، وبالدعم السوري لتسهيل مرور الدعم اللوجستي الايراني. فهل يمكن لخيارات حزب الله أن تكون أكثر وضوحاً؟!

