العامليون لم يستسلموا للجزّار: حرب العصابات أجبرت العثمانيين على الانسحاب

جزار باشا

لم يرضخ اهالي جبل عامل لغزوة احمد باشا الجزار لبلادهم رغم مقتل زعيمهم الشيخ ناصيف النصار واستباحة جيش الانكشارية لبلادهم، فشكلوا مقاومة وشنوا اول حرب عصابات في تاريخ المنطقة، نجحت بالنهاية في اجبار العثمانيين على الرضوخ والانسحاب السلمي من المدن والقرى العاملية.

دخلت بلاد الشام عموماً ومنها لبنان والبقاع وجبل عامل عام 1517م، تحت الحكم العثماني فظلّ يحكمهم بالوكالة أسر إقطاعية من آل الصغير، وكذلك في بعلبك مع آل حرفوش وآل حمادة وغيرهما، فقد كانوا يتولون جباية الخراج للوالي العثماني ويوكلهم بحكم تلك المناطق ،حالهم في ذلك حال باقي البلاد العربية والإسلامية التي وقعت تحت حكمهم في ذلك الزمان.

اقرأ أيضاً: الحاكم الفرنسي لشيعة الجنوب: لماذا تدعون بمساجدكم للشريف حسين السنّي؟!

لقد كانت بلادنا في العهد العثماني مقسمة إلى ولايات وهي لا تستقر على إدارة ثابتة، ففي عام 1864 كان جبل عامل يتبع ولاية سوريا ثم استحدثت ولاية بيروت عام 1888 وكانت تتصل مباشرة بوزارة الداخلية ويديرها موظفون مدنيون وعسكريون وكانت هذه الولاية مؤلفة من خمسة سناجق ويُقسم أربعة أقنية بيروت، صيدا، صور، مرجعيون. وبذلك يكون جبل عامل قد ألحق بسنجق بيروت أما المناطق الأخرى التي ستلحق بجبل لبنان عام 1920 لتؤلف لبنان الكبير ثم الجمهورية اللبنانية الحالية، فقد كانت حينها متضمنة في ولاية سوريا فالبقاع والسفح الغربي لسلسة جبال لبنان الشرقية كانا في قضاء بعلبك التابع لولاية سوريا أما عكار في الشمال فقد كان في سنجق طرابلس التابع أيضاً لولاية بيروت. وكثيراً ما كان جبل عامل في القرن الثامن عشر والتاسع عشر يلحق بولاية عكا أو بولاية صفد شمال فلسطين كما في العهد الجزار ثم ما يلبث أن يحكم من قبل أمير جبل لبنان كما أيام الأمير بشير الشهابي وقبله أيام الأمير فخر الدين المعني.

بعد نكبة الجزار هاجر العلماء العامليون الى الهند والعراق وإيران

إذن لم تعرف حدود لوطن بشكل ثابت أيام الحكم العثماني الذي طبعه التخلف وسوء التنظيم الإداري والفساد و جشع الولاة وظلمهم، فيما كانت التنظيمات الإدارية الحديثة تتقدم في الدول الأوروبية التي بدأت فيها الثورة الصناعية والعلمية الحديثة والتي جعلتها تهيمن على العالم فكراً وحضارة وقوة عسكرية.

جبل عامل والجزّار

شاءت الأقدار أن يصبح الجزّار والياً على صيدا ودمشق وعكّا بعد اغتيال الشيخ ظاهر العمر ما بين 1776م – 1785م. ولمّا استفحل أمر الجزّار ودانت له فلسطين بأكملها، حوّل نظره إلى جبل عامل يريد أن يخضعه لسلطته. وكان جبل عامل يومئذٍ أمنع من عقاب الجوّ، وكان زعيمه الأكبر الشيخ ناصيف النصّار من أشجع رجال عصره. وبنهاية الشيخ ظاهر العمر استولى الأميرال العثماني حسن باشا على عكّا، وسلّمها لأحمد باشا الجزّار فقام هذا الأخير بالاستفادة من تحصيناتها، وسعى إلى التخلّص من أخصامه, فقضى أولاً على أولاد الشيخ ظاهر العمر، وحين رأى العامليون ما حلّ بأبناء ظاهر توقّعوا أن تكون الحملة التالية على بلادهم، فبدؤوا بملء حصونهم بالمقاتلين والسلاح، واستعدّوا للقتال. وبالفعل فقد صدق حدسهم، فما لبث القبطان حسن باشا أن اتّفق مع والي صيدا الجديد على تجهيز حملة على جبل عامل، لتهديم قلاعه وحصونه وجمع السلاح، لكنّه خشي انتشار القلاع والحصون في ربوعه، وما عرف عن سكّانه من شجاعة وفروسية ومهارة في القتال وتعلّق بالحرية.

تمرّد العامليين

شهدت الفترة الممتدّة من 1776م إلى 1781م سلسلة من الفتن الداخلية في جبل لبنان، استفاد منها مشايخ جبل عامل, فامتنعوا عن دفع الميري المتوجّبة على بلادهم، فصدر فرمان سلطاني إلى والي صيدا يأمره بالسير إلى جبل عامل وتدميره للأسباب الآتية:

– تمرّدهم أيام ظاهر العمر، ودورهم في هزيمة عثمان باشا والي دمشق

– غزواتهم على منطقة دمشق

– امتناعهم عن دفع الميري الضريبة

– استيلاؤهم سابقاً على أماكن متعدّدة من ولاية صيدا، مثل شفاعمرو وحيفا وعكا

على أثر ذلك قرّر الجزّار الاستفادة من الفرمان السلطانيّ لتحقيق مكاسبه باستعمال القوّة والحزم للأسباب الآتية:

أولاً: تعزيز مركزه وزيادة قوّته وإقامة حكم مركزيّ فعّال في الولاية.

ثانياً: القضاء على مراكز القوى المستقلّة, لأنّ ذلك يعيق مخطّطاته.

ثالثاً: تحقيق مكاسب مادّية بالسيطرة على جبل عامل الغني بموارده الزراعية والتجارية، والاستيلاء على ثروات مشايخه.

معركة يارون، واستشهاد الشيخ ناصيف

ونظراً لما يعلمه الجزار عن مدى كفاءة وشجاعة السكّان القتالية، ووعورة البلاد وما تتضمّنه من حصون وقلاع، قرّر تجهيز حملة قويّة قادرة على تحقيق آماله. ولمّا دخلت قوّات الجزّار البلاد، خرج الشيخ ناصيف النصّار من قلعة تبنين على رأس ألف فارس للتصدّي للحملة، والتقى العساكر المهاجمة عند قرية يارون الداخلة ضمن بلاد بشارة، وجرى اقتتال بين الفريقين في 23 أيلول 1781م. وأثناء القتال زلّت قدم جواد الشيخ ناصيف على بلاطة يارون فعاجله بعض الجنود بإطلاق الرصاص فخرّ قتيلاً، وقد قُتِل معه أربعمئة من فرسانه، في حين خسر الجزّار ثلث قوّاته، ثمّ تقدّم بعساكره في بلاد بشارة لتحطيم القلاع السبع الرئيسة فيه (هونين، وتبنين، وميرون – ديركيفا – وميس، وصربا، وجباع، وشمع) واستولت العساكر على ميناء صور.

خشيَ مشايخ جبل عامل أن يتعرّضوا للذبح والقتل والإهانة، ففرّوا بعيالهم وأنصارهم من الشيعة، واختفى بعضهم في بلاد بعلبك لدى مشايخ آل حرفوش، وبعضهم الآخر في بلاد عكّار لدى محمد بيك المرعبي (الأسعد)، في حين صمد الشيخ حيدر الفارس برجاله الستّمئة في قلعة الشقيف، وفشلت جميع جهود الجند لاحتلال تلك القلعة. من ناحية ثانية اكتسح جنود الجزّار البلاد، وأحرقوا القرى ودمّروا المنازل، ثم شُحنت المكتبات من جبل عامل إلى عكا على ظهور الجمال، وكانت أعظم حادثة، إحراق تلك الكتب النفيسة، كمكتبات آل الأمين في شقرا، وكتب آل سليمان في مزرعة مشرف، وآل خاتون في جويا. وكان يكفي سبباً لإتلاف هذه الكتب كونها مختصّة بالشيعة، بل كونها من كتبهم وإن لم تختصّ بهم. وقد أسرف رجال الجزّار في الشعب قتلاً وذبحاً، وقبض الجزّار على فريق من الوجهاء فأماتهم خنقاً في سجون عكّا. ثمّ هاجم قلعة الشقيف، وكان قائد حاميتها الشيخ حيدر الفارس من الأمراء الصَّعبيّة، حاصره شهرين ثمّ دخلها بالأمان، فقتل جميع من فيها غدراً. ثمّ هاجر العلماء وأهل الفضل للبلاد الإسلامية النائية كالهند والعراق وإيران وبلاد الأفغان، وخدموا فيها الإسلام.

وقد أقفرت قرى عديدة في جبل عامل، وخلَت من سكّانها، وأصبحت أثراً بعد عين.

بعد هلاك الطاغية الجزّار اتسعت حرب العصابات في جبل عامل

حرب العصابات

هذه النكبات القاسية، التي تجرّعها العامليون ضروباً من التعسّف والشقاء، حملتهم على الاستبسال والاستماتة في سبيل الدفاع عن حوزتهم، فثار الزعماء وأبناء العشائر وألّفوا العصابات الثورية. وفي عام 1783م اجتمع في قرية شحور جماعة من أعيان البلاد، وقد أعياهم أمر الجزّار وأرهقهم جوره وما أصاب البلاد من شروره، فأجمع رأيهم على الكفاح وإنقاذ البقيّة الباقية من وطنهم من الدّمار, فألّفوا فرقة من رجالهم الأشدّاء للفتك بعمّال الجزّار وجنوده التي كانت ترابط في مناطق عاملة وتحتلّها احتلالاً عسكرياً صارماً، وتلزمها بنفقاتها وعلف خيولها وإعاشتها واحتمال أضرارها وأذاها، وكان على رأس الثورة الشيخ حمزة بن محمد النصّار، ومدير شؤونها الشيخ علي الزين صاحب شحور. وهاجمت الفرقة حاكم البلاد العامّ في تبنين من طرف الجزّار فذبحوه ذبح النّعاج، وأثخنوا أعوانه وجنده، وأخذوا الخزينة الأميرية.

اقرأ أيضاً: حوزات جبل عامل تكسر هيمنة «حزب الله» على طلبة قُم والنجف!

أرسل الجزار جنوده وزبانيته تتعقّب الثوّار، فداهموهم في قرية شحور، وثارت بينهما حرب دامية استشهد فيها الشيخ حمزة النصار وفرّ من بقي حيّاً. وسار الشيخ علي الزين وإخوانه إلى العراق، وواصل الشيخ عليّ سيره إلى إيران، ثمّ أتى الهند، فاستَوْزَرَهُ أحد ملوكها. ولم تهدأ الأحوال في جبل عامل إلّا بعد هلاك الطاغية الجزّار سنة 1804م. لكنّ حرب العصابات اتّسعت، وامتدّت سلطة الثوار فشملت عكّا وصفد. عندها أيقن الوالي الجديد أنّ جنده سيصابون بالفشل نتيجة اتّساع سيطرة الثوار, فاستدعى إلى عكّا الشيخ علي الفارس ليقيمه حاكماً على جبل عامل من قِبله، فأبى إلّا بعد الاتّفاق مع الثوّار وإجلاء جيش الأتراك والأرناؤوط عن البلاد وعودتها إلى حالها قبل فتن الجزار. وأخيراً استجاب الوالي سليمان باشا بعد أن عُقد اجتماع بحضور بشير الشهابي، حضره أيضاً الشيخ فارس الناصيف النصّار ممثّلاً جبل عامل وعُفي عن الثوّار وأُعيدت الأملاك المصادرة إلى أصحابها، واستقرّ الوضع حتّى حملة إبراهيم باشا المصري سنة 1832م.

( هذا المقال نُشر في مجلة “شؤون جنوبية” العدد 181 خريف 2021)

السابق
السبحة تكر.. هل يعلن ميقاتي عزوفه عن الانتخابات؟
التالي
بشرى سارة عن «المعاش التقاعدي».. هذا ما كشفه أحد النواب!