تروي وفاء سبيتي (ربة منزل وأم لخمسة أولاد) ل”جنوبية”، أن فاتورة المولد الخاص الذي تشترك فيه ترتفع شهريا (وصلت عن شهر تشرين أول إلى مليون و50 ألف ليرة)، بالرغم من أنها تحرص على إستعمال الغسالة والمكواة وتسخين المياه على كهرباء الدولة، كمحاولة مستميتة منها لتخفيض الفاتورة من دون جدوى، والسبب أن صاحب المولد لا يلتزم بتسعيرة البلدية ووزارة الطاقة، بل يزيد ألف ليرة على السعر الذي تحدده الوزارة للكيلو وات الواحد، ويقول بكل صراحة لمراجعيه “يلي مش عاجبو يقطع الاشتراك”.، و تقول أن “فاتورة الكهرباء تشكل ثلث راتب زوجها الذي يتقاضى مليونين و800 ألف ليرة شهريا، ولولا مساهمة أولادها في مصروف المنزل لما إستطاعوا الاستمرار وكانوا إكتفوا بكهرباء الدولة فقط”.
اقرا ايضاً: خاص «جنوبية»: درباس «يفرمل» التحقيق بملف سلامة؟!
قصة وفاء مع مولدات الكهرباء الخاصة هي قصة معظم اللبنانيين، الذين تكتوي جيوبهم شهريا بتسعيرات حسب أمزجة أصحاب المولدات من دون حسيب أو رقيب، إما بسبب تسعير الكيلو وات وفقا لأمزجتهم، أو لعدم قبولهم بتركيب عداد وإلزام المواطنين بدفع مبلغ مقطوع يزيد عن المليون ليرة ل5 أمبير، ولعل جولة وزير الاقتصاد أمين سلام أمس على أصحاب المولدات في أكثر من منطقة، ورفض أصحاب المولدات المجيء حين تمّ إستدعائهم من قبل جهاز أمن الدولة، يدل على “الفجور” الذي يمارسه هؤلاء بحق اللبنانيين، فيما وزارات الدولة والاجهزة الامنية، تقف متفرجة أو عاجزة عن إلزامهم بتطبيق ما تصدره وزارتا الاقتصاد والطاقة لجهة كلفة الكيلو وات أو تركيب العدادات، على إعتبار أن الحاجة ماسة لهم في الوقت الحالي، في ظل الاهتراء الذي تعيشه مؤسسة كهرباء لبنان.
ما يحصل من ممارسات غير منطقية من قبل أصحاب المولدات بسبب إعتبارهم أن الدولة تتفكك في كل القطاعات
هذا المشهد الذي يتكرر شهريا مع أصحاب المولدات، ويبدو أنه سيمتد إلى المرحلة المقبلة لأسباب عديدة، منها الحاجة إلى المولدات الخاصة من جهة، والحماية السياسية والمناطقية التي يتمتع بها أصحاب المولدات من جهة أخرى، فما العمل لإيجاد حد أدنى من التوازن في هذا الملف الشائك الذي يدفع المواطن اللبناني وحده الثمن؟

يجيب وزير الاقتصاد السابق رائد خوري “جنوبية” بالقول “معالجة المولدات الخاصة وإجبارها على الالتزام بقرار وزارتي الطاقة والاقتصاد، يكون من خلال إصرار وزير الاقتصاد على تطبيق القانون، حتى ولو إستلزم الامر مصادرة المولدات المخالفة، والتحقيق مع أصحابها لإلزامهم بالتقيد بالقوانين”، مشيرا إلى أنه “في المقابل يجب أن تكون التسعيرة التي تصدرها وزارة الطاقة عادلة لجميع الاطراف، المواطن أولا وصاحب المولد ثانيا، والاكيد أن ما يحصل في هذا القطاع هو فوضى عارمة، بعد فترة من الانضباط الذي شهده في المرحلة السابقة”.
خوري لـ”جنوبية”: ملف المولدات الخاصة لا يحتاج إلى إجماع سياسي بل إلى قرار من وزير الاقتصاد
يضيف:”اليوم على وزير الاقتصاد ومراقبي الوزارة، أن يمارسوا ضغوطا على أصحاب المولدات للإلتزام بالقوانين وبالتعاون مع الاجهزة الامنية والبلديات، ولا يكفي أن يجول الوزير سلام مرة واحدة على أصحاب المولدات، بل عليه أن يضرب بيد من حديد لإعادة الامور إلى نصابها”، مشددا على أن “الأمور لا تحتاج إلى قرار وإجماع سياسي، بل إلى قرار من وزير الاقتصاد بممارسة صلاحياته بتصميم للوصول إلى نتيجة”.
الثمن الاكبر يدفعه المواطن وهيبة الدولة ومن الضروري المحافظة على القواعد والهيكلية التي أرستها وزارة الاقتصاد في هذا الملف
ويرى أن ما يحصل اليوم من ممارسات غير منطقية من قبل أصحاب المولدات، هو بسبب إعتبارهم أن الدولة تتفكك في كل القطاعات، وهناك صعوبة في في ضبط هذا الامر من قبل مراقبي الوزارة من دون حمايتهم من قبل الاجهزة الامنية وتأمين بدل لتنقلاتهم، في ظل الارتفاع الكبير في أسعار المحروقات. كل هذه العناصر هي أمر ضروري لأن الضحية هم المواطنين”، لافتا إلى أن “فاتورة مولدات الكهرباء تشكل ثلث مدخول العائلات، لذلك يجب أن ينصب الاهتمام على ضبطها من قبل الوزارات المعنية من دون الاختباء بتراجع امكانيات الوزارات بتطبيق القانون”، ويعتبر أن “الثمن الاكبر يدفعه المواطن وهيبة الدولة، لأنه من الضروري المحافظة على القواعد والهيكلية التي أرستها وزارة الاقتصاد في هذا الملف”.
ويختم:”صحيح أن الحاجة للمولدات الخاصة لا تزال كبيرة، ولكن يجب أن يوازيها إجراءات تمنع الفوضى والاستغلال الحاصل الذي يدفع ثمنه المواطن اللبناني”.

على ضفة جمعية حماية المستهلك يرى رئيس الجمعية الدكتور زهير برو ل”جنوبية” أن “ما يحصل في ملف المولدات الخاصة، يدل على أنها مهنة نشأت كقطاع طفيلي على حساب عجز الدولة وتراجع دورها”، لافتا إلى أن “هذا ما يحصل أيضا في العديد من القطاعات مثل قطاع النقل، حيث أن النقل الخاص أنهى دور النقل العام، وللأسف إستطاع أصحاب المولدات الخاصة أن يأخذو دور الدولة، وان يخلقوا شبكة مصالح بينهم وبين النافذين في الدولة، مما يعطيهم صلاحيات وإمتيازات (عدم دفع ضرائب وتوقيع عقود مع البلديات)، تحت حماية السياسيين لتأمين إستمراريتهم وجني أرباح خيالية”.
خوري لـ”جنوبية”: ملف المولدات الخاصة لا يحتاج إلى إجماع سياسي بل إلى قرار من وزير الاقتصاد
يضيف:”المولدات الخاصة هو شكل من أشكال انهيار النظام اللبناني، وعلاج هذه المشكلة لا تكون بتركيب العدادات أو إختراع وظائف لوزارة الاقتصاد، بل بتصحيح الخلل الاساسي في النظام الاقتصادي والمالي في لبنان وحل مشكلة كهرباء لبنان”، معتبرا أن “إستمرار هذه الظاهرة التي يحميها عدد من السياسيين، ويتم خلالها هدر الوقت عبر جولات لموظفي وزارة الاقتصاد، في محاولة لضبط تجاوزات أصحاب المولدات الخاصة، هي أشبه بمن يحارب طواحين الهواء”.
قطاع المولدات الخاصة يكلف خزينة الدولة أكثر من ملياري دولار في السنة والاجدى إستثمارها في كهرباء لبنان
ويلفت إلى أن “قطاع المولدات الخاصة يكلف خزينة الدولة أكثر من ملياري دولار في السنة، والاجدى إستثمارها في كهرباء لبنان، بدل إستمرار النزيف الذي يعاني منه المجتمع اللبناني لأن أي مجتمع لا يملك قطاع طاقة ونقل جيد، لا يمكن له أن ينطلق ويستمر في الانتاج”.

