وجيه قانصو يكتب لـ«جنوبية»: تونس.. من «بيت الطاعة» إلى الاختبار الديمقراطي الصعب!

وجيه قانصو
يخص المفكر والباحث والأكاديمي الدكتور وجيه قانصو «جنوبية» بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع ومنصاته الإلكترونية.


بين الثورة التونسية وتحقق الديمقراطية في تونس مسار ذو امتداد زمني طويل يمر حاليا، فوق أرض مهتزة مكتظة بنتوءات جارحة، وعبر تعرجات خطرة، وداخل أنفاق غائرة وداكنة.  إنها المسافة بين إطلاق الاحتجاج وإعلان الرغبة في التغيير  من جهة، وبين صيرورة الرغبة فعلاً وفعلية وصناعة واقع جديد لا يأتي لوحده ولا يتحقق من تلقاء ذاته من جهة أخرى.

ما يحصل في تونس الآن لحظة من لحظات هذا المسار وحدث داخل تاريخها المعاصر، هو اختبار لوجهة الثورة التونسية نفسها، التي لا يقاس نجاحها بإزاحة رمز سلطة، أو تغيير اللاعبين القدامى والإتيان بلاعبين جدد مع بقاء اللعبة نفسها، بقواعد التوزيع والأدوار ومنطق العلاقة المستقرة والخفية.

إقرأ أيضاً: وجيه قانصو يكتب لـ«جنوبية»: في لبنان.. الجميع مهزومون

كان سقوط زين العابدين بن علي بمثابة انكشاف لخارطة المجتمع التونسي، لا خارطة ديمغرافيته، بل خارطة توجهاته وميوله وشبكات القوى المنتشرة في جسمه، وانطلاقاً لرهانات متعارضة ومتباينة، ويقظة أمال كانت نائمة لزمن طويل في اقتطاف لحظة انعدام الوزن وارتخاء قبضة السلطة في زمن الثورة وفترتها الانتقالية.   كان الاحتجاج مندفعاً بقوة كافية لإسقاط السلطة القائمة وتفكيك شبكتها الممتدة وتقطيع أوصالها، لكنه لم يملك طاقة التدفق المقتحم للدفع إلى الأرض الجديدة التي تشاد فوقها شروط حياة ومعنى وعلاقات مختلفة، وقواعد انتظام ذات مرجعيات وقيم مبتكرة.

سقوط زين العابدين بن علي كان بمثابة انكشاف لخارطة المجتمع التونسي لا خارطة ديمغرافيته بل خارطة توجهاته وميوله

 صحيح أن الثورة التونسية أسقطت مبدأ الطاعة الملزمة للسلطة من دون مقابل، وكسرت  جدار الخوف الذي أتقنت السلطة بناءه وتشييده، وأظهر المجتمع رغبة وطاقة تعبئة، مقتحمة في إعادة إنتاج المجال السياسي على قاعدة الشراكة المجتمعية والمواطنة. أي ظهور المجتمع لأول مرة على هيئة قوة مدنية ذات تطلع سياسي.  كل ذلك مثَّل خطوة متقدمة إلى الأمام، لكنه ليس بكاف لتوفر شروط إمكان التحول المتوقع.

سقوط السلطة القائمة، كان بمثابة إزاحة غطاء عن حقيقة المجتمع وشبكة قواه، وكشفت حجم تناقضاته وارباكاته، ألقت عليه مسؤولية إنتاج انتظامه الجديد وأظهرت درجة جهوزيته، لتجاوز ذاته وشق مسار اللايقين والقلق بعزم، أو ميله للتراجع والانكفاء والتمترس بطمأنينات وخُلقيات مختزنة لديه، تعزله عن تسربات وتأثيرات الخارج، وتوفر له ثقة ولو مصطنعة أو متوهمة، بإثبات الذات وتأكيد كفايتها وأصالتها. 

خلقت الثورة التونسية حالة صراعية بداخلها، أي عبَّرت عن اتجاهات متصارعة داخل المجتمع

خلقت الثورة التونسية حالة صراعية بداخلها، أي عبَّرت عن اتجاهات متصارعة داخل المجتمع. هي تجل لتناقضات كانت حاضرة داخل المجتمع قبل الثورة، استطاع النظام السابق لجمها والتلاعب بها لصالحها من دون أن يعمد إلى حلها، ومع انكشاف الغطاء وتراخي القبضة الممسكة بها، انفجرت هذه التناقضات بوجه الثوار أنفسهم، تحوَّل معها رفاق الثورة إلى أعداء، وانتقل معها الصراع بين السلطة والمجتمع إلى صراع بين مكونات المجتمع نفسه، ما يهدد لا بزوال الدولة، بل بتشظي المجتمع، وتحوله إلى كيانات مجزأة ذات سيادة خاصة بها وتقوم على روابط عضوية خالصة.

وضعت لحظةُ ما بعد الثورة تونسَ أمام مفترق طرق، مودي إلى مسارين لا يجتمعان ولا يتعايشان:

مسار رأى في الثورة إعادة الأمور إلى نصابها ومسعى لاستعادة أصل فُقد، أو مبدأ أُسقط، أو حقٍ سُلِب، أو معيار انتُهِك.  الثورة وفق هذا المسار ليست خروجاً، بل أعادة الامور إلى أوضاع سابقة، تتسم بالثبات والاستقامة، بالعودة إلى المستقرت التقليدية والدينية الباعثة على الطمأنينة والشعور بالأمان والاستقرار.  أي العودة إلى أصل قائم وقيمة راسخة ترفع لوائه قوى السلف، التي تجهد في استعادة مثال لم تتسنى له فرصة تحققه الكامل، وترى في القيم التقليدية الموروثة مصدراً للأمان والحماية من عبث السلطة وتوحش السوق العالمي.

مسار آخر يجهد في إحراز الانتقال، إلى دولة حديثة لا تكون القيم التقليدية أو الدينية نقطة ارتكازها، بل تستدعي العبور إلى مستوى انتظام جديد يقطع مع ما قبله، تكون الحرية عماده وأس بنيانه.  مسار يرى في الثورة عبوراً إلى أرض جديدة، نهاية طور وبداية طور آخر،  بداية جديدة لتاريخ لم يكن معروفاً من قبل،  ورواية لقصة جديدة لم تُروَ سابقاً. مسار يستدعي حصول تغيير أساسي مفاجئ وربما عنيف في القيم السائدة داخل المجتمع، وفي المؤسسات السياسية، وفي الهيكل الاجتماعي، وفي مفهوم القيادة نفسها لا القادة تغيير القادة فقط، وفي الأنشطة والسياسات الحكومية.   

بتنا أمام ثورة واقعة بين حدين: أحدهما يريد قلب وجهة الثورة إلى الوراء والآخر يريدها دفعاً إلى الأمام المجهول والخطِر

بتنا أمام ثورة واقعة بين حدين: أحدهما يريد قلب وجهة الثورة إلى الوراء، لتتحول حنيناً إلى ماض بائد ودفاعاً عن عقيدة منتهكة واستعادة لقيمة مهملة وذود عن هوية مهددة ، والآخر يريدها دفعاً إلى الأمام المجهول والخطِر، المنعتق من رهاب الماضي وأثقال الذاكرة،  المتحرر من تكبيلات الإرث والتقليد والعادة ومألوف العيب وتعسفات المخجل والممنوع والمُحرَّم. الأمام الذي يعتقك من أصفاد مكانك ويقذف بك إلى أرض مرح لهو وتحليق في الهواء، قبل أن  تستجمع شتات رشدك وتصحو على صدمات الواقع المفكك، لتضع لعبة حياة جديدة مُنشأة على إكراهات وإرغامات من نوع مختلف. 

أمام هذا التمزق الداخلي، لم تكن مظاهر الانتخابات والتمثيلين السياسي والنيابي، سوى تأطيراً شكلياً مُنظَّماً لضبط الصراع بين القوى المتناقضة، أكثر منه عملية ديمقراطية، ذات قيم جلية وعامة وجامعة، تلم شتات الطاقة المجتمعية المبددة والمنقسمة على نفسها، وتحول الصراع إلى تنافس.  كان مشهد ما بعد الثورة في تونس، صراعاً على خيارات الثورة نفسها ووجهتها، بل على هوية المجتمع التونسي نفسه، وعلى مرجعيته القيمية وقواعد انتظامه الجديدة، بدل أن يكون مساراً تكاملياً بين القوى، وترسيخاً لأرضية جامعة وصلبة، ومأسسة لانتظام صلب في بقائه ورحب في فرز ألوانه المتجددة باستمرار، واستيعاب تنوعاته وتعددياته اللامتناهية. 

 نتيجة لذلك، لم تنجز تونس حتى الآن مشروع تثبيت الديمقراطية، بحكم غياب المقدمات أو شروط الإمكان التي تؤهل المجتمع للتحول نحو أفق انتظام جديد عمدته الحرية السياسية.  فلا نخبه نجحت في التنظير لانتظام عام جديد على أرضية فلسفية وعلمية، ولا المجتمع أعاد إنتاج تضامناته على قاعدة مدنية، ولا البنية الإنتاجية بوضعيتها الحالية، قادرة على خلق دينامية ذاتية داخل المجتمع وإستحداث قوى وتضامنات قادرة على الصمود أمام ضغط السلطة، وعلى تقييد إطلاقها، تمهيداً لإعادة إنتاجها على مبدأ الشرعية والتمثيل الاجتماعيين. والأهم من ذلك، غياب الإجماع على وجهة تونس وهويتها ما بعد الثورة.

هل الفعل الرئاسي لسعيد بإقالة الحكومة وحل المجلس النيابي، خرقاً للديمقراطية وانتهاكاً لأصولها وقواعدها، أم حلقة من حلقات الصراع التي لا تنتهي وتطحن جميع من بداخلها،  أم هو ملاذ يائس لكن ضروري لتصويب مسار الثورة التونسية، بحماية الديمقراطية خصومها وأعدائها الداخليين ؟

للحديث صلة… 

السابق
بعدسة «جنوبية»: مصير ركاب طائرة حالات مجهول.. والدولة تستنفر اجهزتها لكشف ما حصل
التالي
«حزب الله» يرصّ صفوف ٨ آذار بوجه القاضي البيطار.. الى الشارع غداً دُرّ!