بدا هذا الإعلان وكأنه ” ضربة معلم ” من “الثنائي “، أولاً عبر ” الإحتماء ” بأميركا من إمكانية الغضب الفرنسي، وثانيا وكأنه دفعة على ” حساب ” العقوبات التي طالت أحد طرفي هذا “الثنائي” وكذلك أحد أبرز حلفائه “تيار المردة “، وبنفس الوقت، وكأنه رسالة بأن هذا “الثنائي” الحاكم الفعلي للبنان يفضل الشرب من ” رأس النبع ” كما يقال والذي هو أميركا وليس من الآبار الجانبية سواء كانت عربية أو أوروبية وهو دليل آخر على براغماتية وميكيافيلية هذا “الثنائي”على الطريقة الإيرانية.
بطبيعة الحال أثار هذا الإعلان المهم الإهتمام ، خاصة وأنه أتى على لسان الرئيس نبيه بري المفاوض الرئيس في هذا الملف خلافا لكل الأعراف الدستورية والسياسية والدبلوماسية في لبنان والعالم.
إذ لم يسبق أن فاوض رئيس مجلس نواب الذي هو رأس السلطة التشريعية في أي بلد، بلدا آخر لسبب بديهي بأن هذا الفعل من المفروض أنه من صلاحيات الحكومة أي حكومة.
وهذا ما يؤكد ويكرس كل ما يقال وما هو معروف بأن الحاكم الفعلي للبنان عند الإستحقاقات الكبرى هو هذا “الثنائي” ، وبأن هذا القول ليس من باب ” الكيد والنقار السياسي” في البلد بل هو حقيقة ثابتة.
الحاكم الفعلي للبنان عند الإستحقاقات الكبرى هو هذا “الثنائي” وهذا القول ليس من باب ” الكيد والنقار السياسي” في البلد بل هو حقيقة ثابتة
وهو ما إستجلب هذا الكمّ من السخرية من جانب اللبنانيين في تعليقاتهم على الإتفاق تذكر بالسخرية المماثلة يوم إطلاق سراح العميل فاخوري وإدعاء البعض بأنه لم يعلم به إلا من وسائل الإعلام ، خاصة وأن هذا “الثنائي” معروف بممانعته لا بل هو يمثل رأس الحربة لقوى الممانعة في المنطقة.
إقرأ أيضاَ: عصام خليفة لـ«جنوبية»: المفاوضات شاقة وموقف لبنان قوي.. رغم الأخطاء!
هذه السخرية والتعليقات وخاصة من الناشطين في بيئة هذا “الثنائي” هي في الواقع لم تكن من باب المزايدة أو رفض الترسيم بحد ذاته لأن هذا الأمر بالنهاية هو لمصلحة لبنان وهو ما كان يطالب به ولا يزال كل لبناني وطني ، فترسيم الحدود ومن كل الجهات سواء الجنوبية أو الشرقية وفي الشمال هو مطلب سيادي وطبيعي ، لذلك فإن السخرية قد نتجت من وحي الكليشهات التي يرددها دائما ويستغلها محور الممانعة ورأس حربته “حزب الله” وأتباعه في تجييش الناس، وإتهام كل من يعارض السياسات الإنتحارية لهذا المحور وآثارها المدمرة على لبنان بأنه عميل للخارج وأنه شيعة سفارات ومرتزق من أموال الخليج .
وهو الذي أعلن أمين عام “حزب الله” نفسه مراراً وتكرارا بأن مال الحزب وسلاحه ومرتباته كلها من إيران وكأن إيران جمعية خيرية توزع أموالها و”سلاحها ” على المظلومين في العالم أصحاب القضايا المحقة في سبيل نصرة الحق وإغاثة الملهوف دون أي مقابل.
وطبعا هذا ليس من باب التبرير للتعامل مع الخارج بالمقابل . وبسبب من هذا الترابط العضوي بين هذا المحور وإيران عقائديا وسياسيا وعسكريا يطرح هذا الحدث الهام عدة تساؤلات عن طبيعة هذا الخيار.
هل التفاوض بهدف ترسيم الحدود هو بمثابة إعتراف بإسرائيل وبأن أرض فلسطين وبحرها هو ملك لها كي تفاوض عليه ؟
على المستوى العقائدي يُطرح سؤال مهم وهو هل أن التفاوض بهدف ترسيم الحدود هو بمثابة إعتراف بإسرائيل وبأن أرض فلسطين وبحرها هو ملك لها كي تفاوض عليه ؟
ولا ينفع التشاطر هنا بالقول بأن هذه المفاوضات هي كمفاوضات ما بعد حرب نيسان 1996 والإنسحاب الإسرائيلي عام 2000 ومفاوضات ما بعد القرار 1701 ، فهذه المفاوضات جميعها كانت بهدف وقف الأعمال الحربية ووضع قواعد للإشتباك وليست بهدف تقرير الوضع النهائي للحدود ، من هنا يكتسب هذا السؤال مشروعيته . على المستوى السياسي هناك سؤال يفرض نفسه وهو هل أن التفاوض سيكون سقفه المصالح الوطنية اللبنانية أم أنه سيكون من ضمن شد الحبال وتسجيل النقاط في الصراع الدائر في المنطقة بين أميركا وإيران ؟
وبالتالي هل هو خيار إستراتيجي أم تكتيكي أعتمد مؤقتا لتمرير عاصفة العقوبات وإستحقاق الإنتخابات الأميركية التي يبني عليها محور الممانعة آمالاً عريضة إذا ما خسرها ترامب ؟
وماذا عن مسألة ترسيم الحدود مع سوريا بإعتبارها دولة ” شقيقة ” والترسيم معها يجب أن يكون أولوية كي لا يبقى هذا الملف مصدر قلق وتسميم للعلاقات بين البلدين والشعبين، عدا عن أهميته بالنسبة لمصير مزارع شبعا مع ما يعنيه هذا الأمر من تأثير على مسار ومصير الصراع مع إسرائيل؟
أسئلة كثيرة متفرقة ولكن أساسية تمهد للسؤال الأهم والأكبر وهو هل يكون أو يبقى إتفاق الإطار لترسيم الحدود البحرية مجرد إتفاق تقني محدد بترسيم الحدود ، أم سيكون مقدمة لترسيم الصراع ومن ثم مشروع حل سياسي مستقبلي ؟
هل ترسيم الحدود البحرية مجرد إتفاق تقني محدد بترسيم الحدود أم سيكون مقدمة لترسيم الصراع ومن ثم مشروع حل سياسي مستقبلي ؟
سؤال أكثر من مشروع في ظل التطورات المتسارعة في المنطقة، من التطبيع الخليجي والعربي مع إسرائيل – ولا يمكننا هنا تجاهل تصريح رئيس النظام السوري بشار الأسد لوكالة أنباء روسية منذ يومين عن إمكانية توقيع سلام مع إسرائيل إذا تخلت عن الأراضي السورية المحتلة – إلى مشروع صفقة القرن الذي يبدو أن كل التحركات تصب في إطاره ولو بطريقة غير مباشرة ، ويبدو أن الإجابة عليه وعلى غيره من الأسئلة لا بد وأن ينتظر نتيجة الإنتخابات الأميركية لأن هذه المشاريع كلها مرتبطة بإدارة ترامب بإعتبارها صناعة أميركية ترامبية تحديدا ،فهي الراعي والمحرك لكل هذه الأحداث، ولا يفصلنا عن هذا الإستحقاق الكبير سوى حوالي ثلاثة أسابيع إذا لم يطرأ أي جديد في عالم يتغير بسرعة، فلننتظر ونرى .

