لأن التجديد استعصى على السلطة الحاكمة بسبب العجز الموضوعي والبنيوي فيها، اندفعت مستقوية بالداخل حينا وبالخارج احيانا اخرى لمنع التغيير الديمقراطي، ليتفاقم الوضع الى حد اندلاع حرب أهلية أطاحت بكل المكتسبات التي حققتها الفئات والشرائح الاجتماعية على مدى العقود السابقة، صاحبة المصلحة بالانعتاق من سلطة ضاقت على طموحات شعبها.
إقرأ أيضاً: حزب الله «منشار الحراك».. يبتز و يقايض ويحمي !
في العام 1975 تم اللجوء الى العنصر الاقليمي السوري تحديدا لمنع التحول الديمقراطي للنظام السياسي في لبنان، وهو كان يرى في هذا التحول مغامرة غير محسوبة ومصدر خوف من انتقال عدوى التغيير الديمقراطي في لبنان الى الداخل السوري، وهذا امر كان من شأنه ان يربك منظومة التوازنات التي اعتاد على ادراتها وعلى مسك اوراقها ومنها الورقة اللبنانية لتوظيفها لمصلحته في ادارة الصراع العربي الاسرائيلي وفي المناكفات العربية العربية. واندلعت الحرب على مدى عقود صدح فيها المدفع حينا وخبا حينا، ولم تنته باتفاق الطائف لانه لم يكن الا اتفاقا لادارة هذه الحرب وتهذيب خوضها.
اليوم ومع انكفاء الدور السوري كراع للتسويات في لبنان بسبب الانشغال بهموم الداخل، يندفع العامل الايراني عبر حزب الله، ذراعه العسكرية والسياسية في لبنان لممارسة الدور نفسه كضابط امني وعسكري للايقاع اللبناني متلطيا بالمقاومة وبحمايتها، وهي حركة صادرها حزب الله ونصب نفسه وصيا وراعيا لها..وعلى قاعدة هذه المعادلة الشعبوية مارس حزب الله العمل السياسي وطرح نفسه محررا ومتعففا عن ممارسة السلطة، مع انه كان شريكا في هذه السلطة الفاسدة على مدى عقود..
نسي حزب الله او تناسى ان الحكم سلة متكاملة وليست انتقائية، وان مشاركته فيه ليست مشاركة فخرية، نسي او تناسى ان موضوع المقاومة وتحرير الارض ليسا جزيرة معزولة عن الاداء الشفاف وغير الفاسد في ممارسة السلطة. قايض حزب الله شركاءه في هذه السلطة بورقة المقاومة وحمى الفساد تحت وطأة هذه المقايضة، وأصبح حركة مقاومة للدفاع عن السلطة محولا نفسه الى قوة احتياطية للردع والتهديد في وجه اي تغيير ديمقراطي وتعطيل قيام الدولة القادرة والعادلة التي تعود لها وحدها حصرية الدفاع عن التراب الوطني وتحقيق مطالب اللبنانيين بالدولة الحديثة والعادلة .
الاّن وقد استعادت الساحات ناسها، مطالبة بحقوقها، وهي الحقوق نفسها التي كانت تردد عشية الحرب الاهلية مع بعض الاضافات التي فرضها تطور الزمن، اصبح بالامكان القول ان الحرب الاهلية المستمرة منذ اكثر من اربعة عقود قد وضعت أوزارها، اسقط ناس الساحات الانقسامات المفتعلة، واستطاعوا بناء خطاب وهموم جامعة تعيد تصويب البوصلة واستعادة القانون العلمي لطبيعة الانقسامات على قاعدتها الطبيعية الافقية تجمع كل المتضررين على مستوى الوطن بشكل عابر للطوائف والمناطق في مواجهة كل المستفيدين من تعطيل الاصلاح والتغيير على كامل الخارطة اللبنانية.
بعد خمسة واربعين عاما من الحرب الاهلية اللبنانية والانقسام العمودي، لم تع قيادة حزب الله او كأنها لا تريد ان تعي ان المقاومة المسلحة لردع اسرائيل تصبح شعارا شعبويا خاويا ومملا ما لم تقترن وبشكل عضوي بالسعى لقيام دولة الحريات ومحاربة الفساد والمحاصصة والتنمية بمعناها الشامل، وكل ما عدا ذلك تبريرات فارغة لا تبرا الحزب من المساهمة في تعميق اوجاع اللبنانيين ومن قطعه الطريق امام مطالبهم وحقوقهم بالدولة العادلة الحامية.

