حين «ترعد» في العراق و«تمطر» في لبنان!

الاحتجاجات في العراق
تطرح الأحداث المستجدة في العراق أسئلة عديدة عن مآلات الأوضاع في المنطقة، خاصة وأن كل الأحداث اليوم في منطقتنا كانت صدىً لغزو العراق وأحتلاله عام 2003 من قبل أميركا. فقبل هذا التاريخ كانت الأحداث في المنطقة تتمحور بمجملها حول القضية الفلسطينية التي كانت قد وصلت عملية السلام فيها التي إبتدأت بإتفاقية أوسلو إلى طريق مسدود كان من نتيجتها أن إندلعت إنتفاضة الأقصى وما تبعها من حرب شاملة على الفلسطينيين تخللها حصار ياسر عرفات في مبنى المقاطعة في رام الله.

بعد الإحتلال الأميركي للعراق تغيرت الموازين ومعها قواعد الإشتباك التي كان معمولا بها في المنطقة وكانت زيارة كولن باول يومها لسوريا التي كانت لا تزال ممسكة بالوضع في لبنان بداية هذا التغيير، حيث قدَّم باول جملة مطالب للاسد تتعلق بالوضع في العراق ولبنان وفلسطين وعلاقته بإيران وهو الأمر الذي إعتبره النظام السوري تضييقا عليه ومحاولة لخنقه تمهيدا ربما لإسقاطه كما نظيره البعثي في العراق.
بطبيعة الحال كان لبنان من أكثر البلدان تأثرا بهذه التغييرات حيث بدا واضحا أن المنطقة سائرة نحو مواجهة بين المحور الأميركي ومعه محور “الإعتدال” العربي الذي كان له مساهمته سواء المباشرة أو عبر العجز عن التأثير في الأحداث في ظل تفكك العالم العربي وتداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر، في مأساة إحتلال العراق، وبين محور الممانعة المتمثل في إيران وسوريا وحزب الله في لبنان. فكان أن إتخذت الأحداث منحىً تصاعديا تمثل بالإصرار السوري على التمديد للرئيس اللبناني إميل لحود الأمر الذي شكل إستفزازا لشريحة واسعة من اللبنانيين وعلى رأسهم الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط والأطراف المسيحية التي تجمعت يومها في لقاء قرنة شهوان برعاية البطريركية المارونية بقيادة البطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير ، وكان ما كان من فرض التمديد للحود وما تبعه من إنسحاب الرئيس الحريري وإستقالته، وما تبع ذلك في مثل هذه الأيام من العام 2004 من محاولة إغتيال الوزير مروان حماده وهو من كان يمثل يومها قاسما مشتركا بين رفيق الحريري ووليد جنبلاط وهو الأمر الذي بدا واضحا بأنه رسالة للجانبين، ما لبثت أن تجلت بشكل أكثر وحشية ودموية بإغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

اقرأ أيضاً: 10 أخطاء في خطاب عادل عبد المهدي

 نسترجع هذه الأحداث لنشير بأنه لطالما كانت الأحداث في العراق تمثل بارومتر للسياسة والتطورات في المنطقة وخاصة في لبنان كما كان الحال عام 1958 عندما كان النزول الأميركي في لبنان عبر الأسطول السادس كردة فعل على قيام إنقلاب عبد الكريم قاسم في العراق الذي أطلق عليه فيما بعد إسم ثورة 1958، وذلك نظرا للتشابه الديموغرافي بين العراق ولبنان خاصة بالنسبة للمكون الشيعي في المنطقة بحيث أن الوجود الشيعي العربي بأغلبيته يتواجد في كلا البلدين، ومما زاد في أهمية هذا الأمر دخول إيران الشيعية بإيديولوجيتها “الإسلامية” الثورية التي كانت في الواقع مذهبية ومخططاتها التوسعية وحلمها الإمبراطوري، ساحة الصراع في وعلى المنطقة عبر تمددها في لبنان بعد فشلها في الحرب العراقية – الإيرانية التي دامت ثماني سنوات.
كان إحتلال العراق كما قلنا إيذانا ببدء مرحلة جديدة في المنطقة لا زالت مستمرة حتى اليوم ، سقط النظام العراقي البعثي وركَّبت أميركا نظاما طائفيا عكس ما كانت أعلنته من أنها ستجعل العراق واحة من الديمقراطية الملهمة لغيره من الشعوب والبلدان ، فكان أن “لبننت” النظام في العراق عبر محاصصة طائفية كانت رئاسة الجمهورية فيه من نصيب الأكراد ورئاسة المجلس النيابي للسنة ورئاسة السلطة التنفيذية التي تتجمع بيدها كل السلطات تقريبا كانت من نصيب الشيعة على إعتبار أنهم يمثلون الغالبية من سكان العراق ولا ندري مدى صحة هذا القول في غياب إحصاء سكاني حقيقي وجدي، هؤلاء الشيعة الذين يمثلون الإسلام السياسي الشيعي الذي يتبع بغالبيته إيديولوجيا لإيران في مفارقة سياسية عصية على الفهم فكان أن تقاسمت أميركا وإيران السلطة عبر هذه الأحزاب ومن منا لا يذكر زيارة الرئيس الإيراني “المتشدد” محمود أحمدي نجاد للعراق في ظل الإحتلال الأميركي وفي حماية حرابه، حدث هذا في ظل مقاومة عراقية شرسة للإحتلال عمادها المكون السني دخل على خطها تنظيم القاعدة الذي كان الكثير من قادته في إيران يومها كسعد بن لادن وسيف العدل المصري وغيرهم ما أدى لأن يدفع السنة الثمن وتكسب إيران موطئ قدم لها في العراق ما لبث أن توسع وتمدد على النحو الذي هو عليه اليوم.
النظام العراقي الجديد الذي جاء نتيجة زواج “متعة” أميركي – إيراني إذا جاز التعبير، كان يحمل في داخله بذور موته فإيران التي لها مشروعها في المنطقة لم تكن لتقبل كما هو الحال في لبنان الذي بات لها اليد الطولى فيه عبر حزب الله بعد الأحداث التي شهدها منذ العام 2005 تاريخ خروج القوات السورية منه ، بإقامة دولة عراقية أو لبنانية طبيعية في المنطقة وإلا فكيف لها أن تستثمر في البلدين ، فكان أن إتبعت نفس الأسلوب الذي إتبعته في لبنان عبر تأسيس ميليشيات موازية للجيش العراقي الذي أشرفت أميركا على إعادة بنائه بعد حل الجيش السابق ، ساعدها في ذلك طبقة سياسية عراقية خرجت ويا للمفارقة من لدنها ووصلت إلى بغداد على متن الدبابة الأميركية لحكم العراق ولا هم لها سوى تنفيذ أجندة إيران مقابل إطلاق يدها في نهب وسرقة خيرات العراق الذي يعد من أغنى دول العالم بما يختزنه من ثروات، فكان أن بقي الشعب العراقي يعاني سياسيا وإقتصاديا وإجتماعيا أكثر من معاناته أيام صدام حسين ، وتداول على الحكم كافة أطياف وشخصيات هذا الإسلام السياسي دون أن يتغير شيء يذكر لأن الأساس الذي قام عليه النظام لا يمكن أن يبني دولة ، فكيف تبنى الدولة في ظل ميليشيات تتحكم بمصير البلد وتمثل سلطة موازية لسلطة الجيش والمؤسسات حيث لا محاسبة ولا رقابة في ظل مجلس نواب يمثل هذه الميليشيات ومصالحها حتى وصل اليوم إلى طريق مسدود كما هو الحال عندنا في لبنان حيث نعيش المأزق لأن النظام القائم على المحاصصة وصل إلى خواتيمه ولم يعد بمقدوره الإستمرار أو حتى إنتاج نفسه لأنه بات نظاما غير قابل للحياة في ظل التغول والتوحش الذي مارسه ولا يزال ضد مؤسسات الدولة، فكان أن إنفجر الوضع في العراق حيث لا أحد يدري إلى أين المصير في ظل التطورات والتعقيدات في المنطقة من سوريا إلى اليمن مرورا بالأحداث في مصر والجزائر.

اقرأ أيضاً: الممانعة.. «قلبها» في واشنطن و«قالبها» في لبنان!

يبقى أن ننتظر لنرى كيفية تأثير الوضع في العراق على الوضع عندنا في لبنان، وهل سيصاب الشعب اللبناني بالعدوى وينتفض ، أم أن الوضع الطائفي والمذهبي المعقد سيبقى هو طوق النجاة لهذه الطبقة السياسية العفنة، والذي سيمنع اللبنانيين من الإلتقاء في ساحات التحرر كما إلتقى العراقيون في هتاف واحد يقول سنة وشيعة هذا البلد ما نبيعه ، وإيران برا برا وبغداد حرة حرة، وإلى متى ستبقى الطائفية والمذهبية تحكمنا وهي المفروض أنها تمثل تعددية حضارية ونعمة حولناها نحن بجهلنا إلى نقمة؟ سؤال سنبقى بإنتظار الجواب عليه حتى نخرج من المأزق إن عاجلا أو آجلاً.

السابق
عبداللهيان يعلّق على احداث العراق: أياد خارجية خبيثة خلفها
التالي
نقابة الصرافين في لبنان تعلق إضرابها