أسئلة ملحة في الغاية من وراء «تسريب الفتنة الشيعية»

... منذ إسبوعين وفي يوم عيد المقاومة والتحرير ، فجأة وبدون مقدمات تطل الفتنة برأسها على الساحة الشيعية اللبنانية عبر "تسريب" صوتي لقارئ العزاء نصرت قشاقش يتهجم فيه على المرجع الراحل السيد محمد حسين فضل الله ، في إستعادة لخطاب الفتنة وتذكير بمرحلة سوداء في تاريخ الشيعة ولبنان ما يثبت مرة أخرى بأن تلك المرحلة لا زالت نارها تحت الرماد لدى البعض وفي نفوسهم.

تلك المرحلة التي أسست لما نحن عليه اليوم على الساحة الشيعية واللبنانية من إحتكار، ومصادرة للقرار الشيعي عبر ما يسمى “الثنائي الشيعي” والذي هو في الحقيقة والواقع أحادية شيعية برأسين. الواقع أن “التسريب” كان ليمر مرور الكرام وإعتباره عملاً فردياً، لو أن الجهات الشيعية السياسية والدينية التي ينتمي إليها قشاقش قد سارعت للتبرؤ والتنديد بهذا الكلام المسيء لمرجعية شيعية إسلامية بقامة السيد محمد حسين فضل الله، خاصة وأنه إنتقل إلى جوار ربه منذ حوالي تسع سنوات .
لكن المفاجأة كانت بأن هذه الجهات التي يفترض أنها مسؤولة عن سلامة وإستقرار الساحة الشيعية كما تصور نفسها دائما، وبإسم هذه الساحة تهيمن على كل المناصب والموارد في المؤسسات الشيعية والرسمية العامة، صمتت صمت القبور ولم يصدر عنها أي موقف ولو خجول مما حصل لا بل بدا وكأنها تتبنى هذه الأقوال سياسيا عبر زيارة النائب هاني قبيسي لخيمة معوض ونشره صوره هناك مع (السيد) قشاقش، ودينيا إذا صح التعبير عبر تسريب آخر للعضو بالهيئة الشرعية للمجلس الشيعي (الشيخ) قاسم قبيسي – هل هي مصادفة – يؤكد فيها على “الفتاوى” ضد فضل الله بإعتباره “ضالّ ومضلّ”.

اقرأ أيضاً: البلد السايب يستجلب الإرهاب

ما بدا وكأن الامر لم يكن بالصدفة وأن الأمر أكبر من مجرد “تسريب” بل هو فعل مقصود ومخطط له، ما يدعو للتساؤل عن الغاية من وراء هذا الأمر. هنا لا بد من العودة قليلا إلى الوراء، فمنذ مدة وباتت الأمور في المجلس الإسلامي الشيعي تحت المجهر، وبات الحديث عن الفساد في هذا المجلس يتم بصوت عال في حملة جريئة تصدى لها وبجرأة فائقة الشيخ محمد علي الحاج العاملي عبر الإعلام، ما إستدعى من المجلس الشيعي والمسؤولين عنه وبدل الرد بالمنطق والوقائع والمستندات على الشيخ العاملي بأن أقاموا عليه دعوى قضائية، وأتهموه بتشويه صورة المؤسسة.

فهل تكون هذه الحملة اليوم نوع من الإلهاء للناس وصرف الأنظار للتغطية على الفساد المحكى عنه في مؤسسات المجلس؟ أم هو صراع سياسي داخلي في حركة أمل تمهيدا للخلافة – بعد عمر طويل – في محاولة لشد العصب والإستقواء بإستحضار مرحلة من مراحل الصراع العسكري؟

ولكن المفارقة هنا أن الهجوم والتطاول على الراحل السيد فضل الله ينطلق من إعتبار أنه كان المرشد الروحي لحزب الله في حينه، دون الإقتراب من الحزب نفسه ولا من قياداته السابقة أو اللاحقة والتي كانت بلا شك في صلب الصراع مع حركة أمل؟ يبقى التساؤل أيضا هل هو صراع فكري بين خطّين في حركة أمل “الخط الصدري الأصيل” القائم على الإعتدال دينيا وسياسيا، و”الخط الشيرازي” الذي يقال بأن قشاقش ينتمي إليه وهو الخط المتشدد والذي يبدو أنه بدأ يتمدد داخل الحركة، خاصة وأن حركة أمل وشبابها لم تسلم من آثار التسريب الصوتي عندما وصفهم بأنهم بلا دين؟

ولا ننسى هنا زيارة الرئيس بري للعراق وإجتماعه مع المرجع السيد علي السيستاني وما يعنيه هذا في الإطارين السياسي والديني الشيعي. فكان الهجوم على السيد محمد حسين فضل الله هو بدل من ضائع ورسالة بعدة إتجاهات منها السياسي، ومنها الفكري الديني، خاصة وأن الشارع الذي يتبع السيد فضل الله رحمه الله هو اليوم شارع “مستضعف” إلى حد ما، خاصة وأنه شارع غير مسلح، ولا ننسى ما حصل السنة الفائتة عندما منع مقلدوه من الصلاة في عدد من المساجد في جنوب لبنان يوم العيد.

أسئلة قد يراها البعض منطقية والبعض الآخر لا، ولكنها مطروحة وبقوة بإنتظار توضيحات لا يبدو أنها ستظهر في ظل هذا المناخ من “الإرهاب الفكري” المسيطر على الوسط الشيعي، الغائب للاسف عن الوعي والمنشغل عن مشاكله الآنية والملحة واليومية من إجتماعية كمشاكل المحاكم الشرعية وما أكثرها، ومن فساد يضرب جل مؤسساته المذهبية منها والوطنية، وإقتصادية ووطنية كبرى قد تضع مصير الوطن كله على المحك ، فتراه ينشغل عنها بقضايا “إستراتيجية” كبرى كالحرب الوهمية المتوقعة بين اميركا وإيران والدخول في قضايا لا ناقة له بها ولا جمل. فإلى متى غياب الوعي الذي قد يجر مرة أخرى الساحة الشيعية وبالتالي الساحة الوطنية اللبنانية إلى ما لا تحمد عقباه؟

المطلوب التحلي بالحكمة والإعتدال في مقاربة الأمور سواء الشيعية الداخلية منها أو الوطنية اللبنانية بعيدا عن الإرتباط بالأزمات الخارجية وأطرافها، التي يعمل كل منها لمصلحته في صراع إرادات ولعبة أمم لا طاقة لنا ولبلدنا على اثقالها.

آخر تحديث: 10 يونيو، 2019 11:49 ص

مقالات تهمك >>