البلد السايب يستجلب الإرهاب

..مرة أخرى يرسب اللبنانيون أو - الطبقة السياسية على الأقل - في إمتحان الوحدة الوطنية ومنطق الدولة وسيادة القانون.

البداية كانت من زيارة وزير الدفاع إلياس بو صعب للمحكمة العسكرية قبل ايام قليلة من الحكم في قضية من أدق وأخطر القضايا التي شهدتها الساحة اللبنانية وهي القضية التي عرفت بقضية سوزان – غبش التي كان ضحيتها المواطن والممثل المسرحي زياد عيتاني حيث لُفق له ملف عمالة للعدو الصهيوني وهي تهمة شنيعة وخطيرة كما هو معروف ، هذه التهمة التي لا يفترض التلاعب بها وبمصداقيتها لما لها من تداعيات على الأمن القومي اللبناني. ولو لم يكن من جرم غير ضرب هذه المصداقية لوجب عقاب الفاعلين والمتورطين، وإلا من منا سيصدق بعد الآن أي ملف عمالة ضد أي كان إلا بعد إثباتات موثقة قد تصل درجة اليقين الذي لا لبس فيه.

اقرأ أيضاً: النعرات الطائفية والمذهبية الأخيرة مقلقة جداً

المهم أن الحكم صدر بعد أيام وسط مفارقات لم يسبق لها مثيل كمثل أن ينقلب الإدعاء العام ألعسكري إلى دفاع على خلفية نزاع بين القاضي ومدير عام قوى الأمن الداخلي لدرجة أن الإدعاء يخاطب المتهم غبش بقوله “قلتلي مرتاح عند المعلومات، خليك عندن” على ما نقلت وسائل الإعلام في جو أبعد ما يكون عن جو العدل والمحاكمات وأقرب إلى فانتازيا أو مسرحية هزلية. وكان ما كان من تبادل إتهامات بين تيار المستقبل والتيار الوطني الحر بسبب ما بدا على أنه تدخل سافر من وزير الدفاع في قرار المحكمة. وقبل أن تهدأ الأمور وتخمد نارها، جاءت تصريحات جبران باسيل في تل ذنوب عن السنية السياسية التي أتت على جثة المارونية السياسية، وكذلك ما نسب إليه من وضع ملف مدير عام قوى الأمن الداخلي على الطاولة، جاءت هذه التطورات لتصب الزيت على النار وتزيدها إشتعالا ما إستجلب ردود عنيفة أيضا من تيار المستقبل الذي إعتبر أن هناك إستهدافا مباشرا له وأن الأمور ليست صدفة بل مخطط لها ومقصودة . ولكي يكتمل النقل بالزعرور كما يقال، جاء خطاب أمين عام حزب الله في يوم القدس وإعتباره أن موقف رئيس الحكومة في قمم مكة لا يمثل الدولة اللبنانية في تطاول مباشر على موقع رئاسة الحكومة، متسائلا عن سياسة “النأي بالنفس”؟! عدا هجومه العنيف على المملكة العربية السعودية، معطوفا على مشاحنات القوات – التيار على خلفية ال 40 مليار ليرة لوزارة المهجرين، وقبلها سجالات الإشتراكي – التيار، والإشتراكي – حزب الله على خلفية معمل فتوش.

وهكذا بدا البلد سائبا لا قوانين ولا ضوابط تحكمه وكأنه بلد بلا دستور لدرجة أن مصطلح “العصفورية” أستعمل إعلاميا وسياسيا لوصف الوضع. هذه الأجواء كلها هي كلمة السر للإرهاب كما عودتنا الأحداث السابقة، وماذا يريد الإرهاب ومن وراءه من المتربصين بالبلد الأقربون منهم والأبعدين، أكثر من هكذا أجواء ملائمة ليضرب ضربته، وهكذا كان، وشهدت طرابلس عملا إرهابيا ليلة عيد الفطر قام به ما أصطلح على تسميته “ذئب منفرد” وأسفر عن سقوط أربع شهداء من الجيش وقوى الأمن.

ومع ذلك وبدلا من عودة الوعي والتكاتف والتضامن، إستمر البعض في غيه وبدأت الإتهامات والكليشيهات السابقة عن البيئة الحاضنة تارة وعن طرابلس على أنها قندهار، لدرجة أن أحد النواب السابقين وآخر حالي من تيار رئيس الجمهورية قد نشرا صورة للواء أشرف ريفي مع أحد المواطنين الملتحين على أنه الإرهابي الذي قام بالعملية، ورغم ظهور المواطن على وسائل التواصل مكذبا أنه الإرهابي فلم يصدر أي إعتذار عن المعنيين، هكذا دون حسيب أو رقيب أو حتى لفت نظر من قبل رئيسهم او التيار المنتمين إليه وهو المفروض أنه تيار الحزب الحاكم الذي من مصلحته الهدوء والإستقرار ولكن على من تقرأ مزاميرك يا داوود؟ وهكذا بات يصح فينا القول على نفسها جنت براقش، فالتجارب السابقة في لبنان أثبتت أن الأمن هو أمن سياسي، وأنه بمقدار ما يكون هناك هدوء سياسي ينعكس الوضع فورا على الوضع الأمني لأن الإرهاب إنما يدخل من الثغرات التي توفرها له السجالات والخلافات السياسية ومن المعروف أن الإرهاب ليس من فعل أفراد وما إصطلاح “الذئب المنفرد” إلا نوع من أنواع العمليات والأساليب الإرهابية وليس معناه أن العمل فردي، فالإرهاب وراءه أجهزة مخابرات تابعة لدول تسلك هذا النهج لتحقيق مصالح لها هي عاجزة عن تحقيقها بالأساليب السياسية الطبيعية والعادية، والأخطر في الإرهاب أن ظاهره قد يكون خادعا، فليس شرطا إن يكون المعلن عن العمليات الإرهابية هو الفاعل الحقيقي ولا نتكلم هنا عن المنفذ فالمنفذ هو مجرد وسيلة حقيرة جاهلة، بل نتحدث عن المُخَطِط الذي قد يكون أبعد ما يكون عن الشعارات التي يطلقها متبني الفعل.

اقرأ أيضاً: تعليقا على جريمة طرابلس: ينشغلون بالنتائج ولا يعالجون الأسباب

ومكمن الخطر من كل هذه التطورات رغم أن لبنان بأجمعه متضرر منها، أنها تبدو وبالمنطق اللبناني السياسي والطائفي أنها موجهة ضد طرف سياسي ومذهبي هو المكون السني في البلد مع ما يحمله هذا الإعتقاد من تشنج وتوتر قد يصل إلى ما لا تحمد عقباه وهو ما بدأ بالظهور عبر ما يتعرض له رئيس الحكومة من إنتقادات وصلت بالبعض حد التهجمات الشخصية من ضمن بيئته السياسية، إذا لم يتدارك العقلاء – هل هناك من عقلاء أصلا؟ – الموقف والبدء بتنفيس الإحتقان عبر تبريد الرؤوس الحامية من بعض الأطراف ونقولها صراحة من قبل تيار رئيس الجمهورية والذي يبدأ بتغيير عقلية التحدي والتنمر على بقية الأطراف في البلد وأن يتذكر بأنه إذا ما فلتت الأمور لا سمح الله فلن يكون هناك منتصر ومهزوم ولنا في تجربة ال 75 التي لا زلنا نعيش تداعياتها ونتائجها عبرة ودرس، فهذا البلد أثبتت الأحداث أنه لا يحكم بالتحدي والتعدي والإفتئات على حقوق الآخرين، ولا بإحتكار الوطنية والسيادية وإدعاء أن هناك طرف أصيل في البلد وآخر دخيل، ولن نقول أكثر من أن المارونية السياسية وهي بأبهى صورتها قد أنتجت حربا أهلية فكيف بالحري اليوم، وهذا الكلام ينطبق على كل طائفية ومذهبية سياسية فلا يجب أن يكون هناك لا مارونية ولا سنية ولا شيعية سياسية بل حياة سياسية طبيعية سقفها الدستور وميثاق العيش المشترك. ونذكر هنا بقول مأثور منقوش على مدخل السراي وندعو الجميع إلى قراءته والتمعن فيه في كل مرة يدخلون السراي للإجتماع وهو لو دامت لغيرك، ما إتصلت إليك. أفلا تعقلون؟

آخر تحديث: 8 يونيو، 2019 4:13 م

مقالات تهمك >>