راحلون يخلّدهم وضاح شرارة في كتاب «أحوال أهل الغَيبة»

وضاح شرارة

وقوامُ هذا الكتاب، مقالات للكاتب، في راحلين كُثُر، وهي مقالات يجمعها عصب تدويني واحد، وهذا العصب هو، خلودهم المعنوي، لأن موتهم، لم يكن سوى موت جسدي، ليس إلاّ، بحيث تقفُنا محتويات هذا الكتاب، على تداعيات المؤثّرات التي تركها هذا الخلود المتعدِّد – بتعدّد أصحابه – على الوجدانية الحميمة للكاتب. على أن هذا الكتاب، مضمونه الكامل موجَّهٌ إلى “أهل التذكُّر” الذين – وبطبيعة الحال – من يجدر بهم تذكُّر هؤلاء الراحلين الذائعي الصِّيت بالنسبة إليهم، حتى بعد غيابهم المادي (الجسدي) وخلودهم الروحي (المعنوي) فالراحلون الذين شاء المؤلف تخليد ذكراهم، في هذا الكتاب الذي – وعلى ما يسميه صاحبه، في “تقديم الكتاب” وفي “خاتمته” هو – سِيَرٌ مشتركة – “مستعادة “ضد الموت”). يفوق عددهم الـ40 راحلاً وراحلة؛ ومن بينهم: مادونا غازي، عبد المنعم بيضاوي، علي الزين، زينب عسيران، محمود محمد طه، أندريه جدعون، ميشال سورا، جان جينيه، داليدا، حسين مروّة، توفيق الحكيم، عبد الرحمن الشرقاوي، سيلفانا مانغانو، بسام حجار وإيلان كردي. وتقديم المؤلِّف لكتابه هذا جاء تحت عنوان: “سِيرٌ مشتركة”.

اقرأ أيضاً: رواية أولى لفارس خشّان “مومس بالمذكّر… أيضاً!”‏

ونُورد هنا شذرات مما جاء في نص التقديم: معظم العجالات التي يجمعها هذا الكتاب كتبت في ناس عرفتهم على درجات وأنحاء متفاوتة ومختلفة من المعرفة، وفي “مناسبة” رحيلهم وغيابهم. وقليها كتب في ذكرى حادثة جرَّت موتاً كثيراً وخلفت أمواتاً كثيرين. فاستعدت في المقالات ما حَسِبْتُ أن هؤلاء الراحلين كانوا، وما جمعني بهم وإليهم من قرب او من بعيد، في صيغة سيرة مشتركة. وبعضهم لا علم له باشتراكه فيما أُشرِكه فيه.

ونشأت السيرة المشتركة عن التوجه إلى واحد من أهل الغيبة، ولا يتوجه إليهم إلا واحداً واحداً على ما ينبغي، أسأله عن الحادثة أو جملة الحوادث التي لابست لقاءنا، أي لقائي أنا (الكاتب أو القائل) به، وأرست هذا اللقاء معلماً أو وسماً فريداً على ابتداء أو استهلال. وقد لا يبتدئ هذا الابتداء “شيئاً”. وهو ابتداء على غير معنى الأول في جملة أو تسلسل. فقد يقع في أي وقت من أوقات السيرة المزدوجة (حين تستعاد). وقد لا يقع على شاكلة حادثة ويقتصر على تخييل سينمائي أو روائي أو فوتوغرافي او تذكر. وعلى هذا فهو إيذان خالص، ورجع هذا الإيذان وصداه المتمادي، وعوده على بدء غير معيّن.

وتشبه السيرة المشتركة وديعة أودعها الغائب من لا يزال مقيماً راسخاً، إلى أجل، في “بهاء الأشياء” (آراغون)، أي الكاتب المتذكر. بينما نزل الغائب عالماً سفلياً يعمه الضباب، وانتهى القرار به إلى من أمست “رؤوسهم من غير قوة” (الأوديسيّة). وأهل الغيبة يودعون وديعتهم الغيبَ، وهو زوارهم المتأخرون، ومتفقدو أحوالهم في آت غير معلوم ولا مقدَّر. وتخرج الوديعة، في السيرة المشتركة، إلى علانية الجهر، الخافت، استجابة للزائر المتفقد، وردّ جواب عليه. ولكن الزائر يحسب رد الجواب ابتداء بادر إليه مضيفه الراحل ومستقبِله. فالمضيف الغائب هو من يملي على زائره الموقف أو المشهد أو العبارة التي يريد أن يوقع بها رجع سيرته ويُعْلمُها العلامة أو المَعلم الذي يخصصها، وينسبها نسباً لا شك فيه إلى نفس صاحبها.

وعلى هذا تشبه الوديعة، وهي الغائب نفسه في صيغة الإرجاء، الوجه (قسمات الإنسان) الذي يستقبل المقبلَ عليه او متصفحة على نحو (وجه) وصفه إيمانويل ليفيناس بـ”الشوق الميتافيزيقي”. فكتب إن هذا الشوق لا يحيط بموضوعه. وموضوعه، وجه الغير الذي يطالع الناظر إليه، ليس موضوعاً على معنى الشيء الذي يقبل التعريف بحد يستوفي صيغته (ما هو). فالوجه الإنسي (وربما الحيواني!) لا ينفك يفيض ويتجدد ما أدام الناظر (المطالع) النظر إليه (مطالعته)، وما استقبل المطالعة أو النظر، وعلى خلاف الموضوع يمضي الوجه على استئناف نفسه والتفتق عن وجوه مرسلة لا تبلغ الاستيفاء، وهو مقيم مع هذا على هوية لا تخطئ العين تعرفها وإثباتها.

اقرأ أيضاً: الإسلام وضرورة التحديث من وجهة نظر قرآنية

وهذه المفارقة (الهوية الثابتة والتجدد) هي مفارقة أهل الغيبة المزدوجة. ففي وسعهم، حين يحضرون تذكرَ اهل الذكر (الإنسي الخالص) استئناف أخبار جديدة عنهم. وكأن أخبارهم، وأحوالهم ووقائعهم، لم تطوَ معهم، ولم تنقطع مع انقطاعهم. فهم يتواطأون، على غفلة تلازم الإنس ولا فكاك لهم منها، على اتخاذ أجزاء من زمننا وسيرنا فيئاً يفيئون إليه ويلابسونه. فإذا “عاج” واحدنا، في أحوال الشقاء وأحوال الهناء، يسائل بعض صور زمنه ألفى هذا الزمن خليطاً من أزمان أخرى، وأزمان آخرين لا يحصون. ووجد نفسه بإزاء ديباج موشى، على قول الإماميين في بعض أولاد أئمتهم وأحفادهم، لا يتخلص فيه ما هو منه (من المتسائل) مما هو من أهل الغيبة.

ويبتدئ أهل الغيبة مخاطبتهم أهل الذكر على شاكلة قلقة وداهمة تضمر آثاراً وأصداء لا يعربون عنها، ولا يحدس فيها من “يصيبه” الابتداء. وهم يلوِّحون، في خفاء يكاد يكون أخرس، بوعود لا يحاط بها. وبين الإضمار والتلويح يستقبل المُسائل وسمَ الغائب، أو بعض الوسم الذي أفرج عنه الغائب، على نحو ما يُستقبل الوليد الذي يبتدئ سيرة حياة، ويقال فيها أنها طي الغيب. فإذا عكف الواحد على بقية الغائب، أو ما يحسبه بقية فقيرة لا تعدو الأصداء الخافتة والضعيفة، وجد نفسه في دوامة سيرة ليئة بالوقائع والإشارات الملغزة والتنبيهات المحيِّرة… إلخ…

السابق
هكذا أفرجت إيران عن التشكيلة الحكومية
التالي
أسبوع الحسم: حصة القوات لا تُمس.. وهذه هي صيغة حلّ «الوزير التشاوري»