الفتوى.. ملك حصري للمرجعيّة أم حق لمن يريد من العلماء؟

صدرت فتوى مؤيدة لحملات #سكر_خطك، فماذا يقول المطلعون على الفتاوى وطبيعة المُفتين، وأحقيّة الإفتاء في القضايا المطلبية؟

طالعتنا منذ إسبوع تقريبا حملات #سكر_خطك، و#رح_سكر_خطي، و#الكفاح_المهذب و#بدي سكر_خطي، والى ما هنالك من حملات للحراك المدني اللبناني، التي تسعى الى تخفيض التكاليف على المشتركين في الخطوط الخليوية في كل من شركتي (أم. تي. سي) و(ليبانسل)، عبر حملة “فايسبوكية” و”تويترية” لاقفال الخط وعدم الإتصال والتواصل الهاتفي، واللجوء الى ما يعرف بـ(الواي.فاي) للتواصل مع من يريد.

إقرأ أيضا: جديد الفتاوى السعودية: تحريم مسلسل صور متحركة !

وقد نجحت الحملة، الى حد بعيد، في كسب تأييد عدد كبير من اللبنانيين رغم الإنقسام السياسي في البلد حول الموضوع. حيث أُعلنت النتائج في اليوم التالي، والتي أظهرت أن مليون ونصف لبناني من أصل ثلاثة ملايين تقريبا تضامنوا مع الحملة وأقفلوا خطوطهم الخليوية.

فقد اعتبرت جماهير تيار المستقبل ان الحملة موجهة ضدهم، كون الوزير الجديد وهو جمال الجرّاح ينتمي الى تيار المستقبل.

إقرأ أيضا: رموز حزب الله بـ #سكر_خطك تستفزّ خصومه

بالمقابل، اعتبر جمهور حزب الله والتيار العوني ان الحملة مناسبة كون القيميين على الحملة هم من المؤيدين للحزب وللتيار كالناشط التويتري عباس زهري وغيره.

ونشط اليساريون ايضا، وبكثافة، لأنهم يعتبرون أنفسهم أمّ الصبي في مكافحة الفساد، وهم من كان ولا يزال يدعم منظمات الحراك الذي انطلق صيف 2015.

كل هذه الاجواء باتت معروفة في لبنان، اذ لا يمكن للقوى السياسية أو الشعبية ان تتفق على موضوع واحد مهما كان مصيريا. علما ان التخفيض بالكلفة سيطال الجميع سواء المؤيدين او المعارضين للحملات المطلبية.

ولكن الجديد اليوم هو دخول الفتوى الدينية على ملفات مكافحة الفساد في لبنان. فقد أصدر كل من الشيخ محمد علي الحاج العاملي مدير حوزة السجاد العلمية، والشيخ علي مظلوم (وهما رجلا دين شيعة)، والشيخ وليد علامة (وهو رجل دين سنيّ)، يدعون الى الالتزام باقفال الخطوط الخليوية طيلة نهار الأحد الواقع في 8-12-2017 . فهل دخلت الفتوى في صلب القضايا المطلبية في لبنان، ومن هو المُلزم بها؟ وهل يحق لرجال الدين الإفتاء في هذا المجال؟

الشيخ محمد حسين الحاج

في هذا الاطار، إعتبر العلامة الشيخ محمد حسين الحاج، رئيس المجمع الثقافي الجعفري، في اتصال خاص مع “جنوبية” ان: “القضايا المطلبية والاجتماعية بالنسبة للناس هي من الموضوعات بالنسبة لرجل الدين، وتسمى في الفقه بالموضوعات، وهي شأن المكلف فقط. ومن يتدخل من رجال الدين بالموضوعات إنما يعبّر عن رأيه الشخصي، وليس واجبا على أيّ مكلف ان يستخدم هذه الفتوى او ان يلتزم بها. اما من يحق له الافتاء فهو المجتهد الجامع للشرائط فقط”.

ولكن للاسف “نحن نعيش في لبنان من التسيب، كما في مجتمعنا العربي والاسلامي، الكثير بحيث كل رجل دين يقول أنا أقول، وأنا أفعل، ويُعطي رأيه كمجتهد”.

ويؤكد الشيخ محمد حسين الحاج بالقول: “نحن، وتحديدا المجتمع الإسلامي والعربي نعاني من هؤلاء الذين تدخلوا بما لا يعنيهم، وهم ليسوا الا مجرد مبلغّين للأحكام ليس إلا”.

وبرأيّ سماحته “هم من يصدُق عليهم قول رسول الله (من أفتى بغيرعلم فليلزم مقعده من النار). وختم سماحته، قائلا “نحن ننبّه المُكلف الى الالتزام بقرار المرجعيّة، ورأي الذي أفتى لا يُلزم الا نفسه بها”.

الشيخ محمد علي الحاج

بالمقابل، اعتبر الشيخ محمد علي الحاج العاملي مدير حوزة السجاد العلمية وصاحب الفتوى في اقفال الخطوط الخليوية يوم الأحد الماضي، فقال “أعلق بسبع نقاط :

أولا : ليس صحيحا أن الفتوى محصورة بالمرجع فقط، بل هو أحد الذين يحق لهم الإفتاء، و هو يكون متصديا لتبيين أحكام الشريعة بشكل عام، لكن في مبادئنا الفقهية أن أي عالم توصل لمستوى علمي معتد به يؤهله لفهم الشرع الإسلامي الحنيف فحينها لا يجوز له أن يقلد غيره، بل إما يعمل برأيه أو يحتاط، على الأقل في المجال تعمقه و بحثه …

ثانيا : أحكام الشريعة الإسلامية تشمل ليس حركات الإنسان بل حتى سكناته، و تاليا لا تنحصر أمور الدين بجملة عبادات.. ، و من استغرب كلامنا كان الأجدى به أن يستغرب فتوى (تحريم تولي منصب الوزارة في الحكومة اللبنانية لغير أبناء الثنائية الشيعية!!!) التي صدرت من عدة سنوات..
كما كانت صدرت فتاوى تحرم شراء البضائع الأمريكية، و أخرى تحرم بيع أراضي المسلمين لغيرهم، و ثالثة تحرم شراء أسهم في شركة السوليدر… و كل هذه الفتاوى خارج الشؤون العبادية المعروفة ..

ثالثا : من أبسط حقوقي، بل واجباتي، تبيين الأحكام الشرعية للناس، بعدما قضيت في دراساتي الدينية الفقهية فترة ترقى لأكثر من ربع قرن !!

رابعا : ليت الحريصين على (مقام الفتوى) يستشكلون باطلاق تسمية (المفتي) التي تستعمل رسميا لمجموعة من علماء الدين، في حين أن التحصيل الديني لبعضهم أقل من العادي!! علما أن شيعة إيران و العراق لا يطلقون لقب (المفتي) على أصحاب المقامات الدينية الرسمية، و هذه التسمية بدعة لبنانية، أخذناها من إخواننا السنة!!
ناهيك عن (منصب القضاء الشرعي) الذي يشترط فيه (الاجتهاد) أيضا، علما أن عددا معتدا به منهم تحصيلهم عادي جدا ، وبعضهم أقل من العادي!!

خامسا : ينبغي التدقيق في النص الصادر عنا، حيث جاء : (يحسن بالمؤمنين)، و لم يرد :(يجب على المؤمنين); و بين النصين فرق كبير جدا، كونني أستحسن ذلك فقط.
و أما ما صدر عن غيرنا من (وجوب إقفال الهاتف) فالأفضل مراجعتهم شخصيا..

سادسا : أي صاحب ذوق فقهي سليم يدرك – بشكل قاطع – وجوب العمل بكل الوسع للضغط لإصلاح النظام عموما، في كل المجالات التي ينتشر فيها الفساد، وحاليا كامل بنية نظامنا الراهن فاسدة، و عليه الأمر لا يحتاج لفتوى محددة طالما أن القواعد الفقهية العامة واضحة في هذا المضمار.
فمثلا (حرمة التزوير) بديهية فقهية، فإذا أفتينا بحرمة (تزوير نمر السيارات العمومية) فتكون هذه الفتوى تنسجم مع المبادئ الفقهية العامة، و لا يوجد أي خلل فيها.
و نفس الشيء لو أصدرنا فتوى(بحرمة سرقة الكهرباء) أو فتوى (بحرمة مخالفة قوانين البناء العامة).. و سواها من أمور تشكل مصاديق لفتاوى هي محط إجماع فقهائنا .

سابعا : لم أكن أود إثارة هذا الأمر لو لم يشكل ضرورة هنا، فقد آن لنا أن ندرك أن الفتوى الدينية لدى الشيعة ليست محصورة بقومية معينة، و كأنها محرمة على العرب!!
آن لنا أن ندرك أن الطاقات العلمية الموجوة في لبنان و العراق لا تقل أهمية عن تلك الموجودة في إيران…

إقرأ أيضا: الفساد العميم لا يستفز… فقط الفرح والرقص

سابعا: لم أكن أود إثارة هذا الأمر لو لم يشكل ضرورة هنا، فقد آن لنا أن ندرك أن الفتوى الدينية لدى الشيعة ليست محصورة بقومية معينة، وكأنها محرمة على العرب!.

وختم سماحته بالقول “آن لنا أن ندرك أن الطاقات العلمية الموجودة في لبنان والعراق لا تقل أهمية عن تلك الموجودة في إيران”.

آخر تحديث: 18 يناير، 2017 9:12 م

مقالات تهمك >>