الفساد العميم لا يستفز… فقط الفرح والرقص

ثمّة ما يتسرب كالماء بين الأصابع يسقط ويتلاشى حتى حدود العدم، الدولة اللبنانية هي هذا الماء والدستور وتطبيق القانون يتلاشيان والفساد ينخر ما تبقى من مؤسسات وقيم الدولة...هكذا والصمت مخيف المجتمع يستسلم بل يقع في فخ الفساد إمّا بالانخراط فيه أو بفقدان حس الإعتراض على هذا الخلل الوجودي للدولة والوطن..والحال هكذا يطل البعض من هنا وهناك على قول المثل ياغيرة الدين...هناك من يريد ان يغني او يرقص يا للهول...فعلا ياهول ما وصلنا اليه.

“البلد مش ماشي”. كل الوقائع الدستورية والقانونية تشير إلى أنّ الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية في تدهور متواصل. الأزمة السياسية لم تزل مستحكمة عند مفصل الرئاسة الأولى. القرار الإيراني بعدم انتخاب رئيس هو الأبقى، والفساد يبدو الأقوى في البلد، وأصوات الإعتراض على هذا التدهور لا تتخذ أشكالاً مألوفة، كأن نشهد تحركات نقابية أو تظاهرات في الشارع. والإعتراض يأخذ شكلاً تدميرياً يتناغم مع سياسة تدمير الدولة، الجارية بأيدي الحكام أنفسهم.

يمكن القول أنّ الإعتراض هذه المرة هو على الإنهيار في نتائجه التدميرية على المجتمع والمؤسسات. ليس خفيّاً أنّ نسبة الجرائم في لبنان تزداد، وأنّ السجون لم تعد تحتمل زيادة في أعداد المساجين. فالنظارات مكتظة، وأجهزة الأمن المعنية متلهية بنقل المحتجزين والموقوفين من سجن إلى آخر بسبب ضغط الأعداد. ربما علينا أن نشكر القوى الأمنية على جهودها، لكن في المقابل يجب الإنتباه إلى أنّ هذا الواقع المزري في المخافر فتح على شهية الفساد لدى البعض. إخلاءات السبيل تتم بشروط أسهل هذه الأيام بضغط العدد والتدخل السياسي الذي صار هذه الأيام وسيلة استقطاب وسبيل سلطة في زمن الشحّ المالي.

المخدرات ليست جديدة في لبنان لكن العصابات تتحرك بيسر وتستقوي بتدهور الأوضاع المعيشية وبعجز الدولة إن أرادت مواجهة هذه العصابات بسياسة جدية وفاعلة. الإتجار بالسلاح سلعة رائجة. الذاهبون للقتال في سورية يحق لهم بتشريع حزبي أن يأتوا بالسلاح من سورية باعتباره غنائم حرب. تجارة السلاح هذه وتغلغلها يكشفه إخلاء سبيل أحد المحكومين في آذار الماضي، ببيع سلاح ومتفجرات للذين نفذوا تفجيري برج البراجنة الإنتحاريين العام الماضي. بائع السلاح ومزود التكفيريين بالمتفجرات تمّ الإفراج عنه، ولا تسأل عن السبب. استمرار سجنه هو العجب. هكذا يجب أن نفكر في لبنان.

إقرأ أيضاً: «محطة كهرباء الضاحية الجنوبية» من التوليد الى التحويل ببركة مافيات الفساد

البلد يتداعى وصفقات النفايات لم تعد تحرك ساكن المجتمع. ما قاله رئيس الكتائب سامي الجميل عن الفساد في صفقات النفايات يصح فيه القول: “وشهد شاهد من اهله”. نعم استقال حزب الكتائب من الحكومة، وهذا يسجل للجميل، لكن الرئيس الشاب يقول ما يقوله الناس وهو يقدم الإثباتات. لا يهتز البلد ولا الحكومة ولا أشرف الناس، باعتبار أنّ كرامة الجميع محفوظة “إلا الكرامة ما حدا يمسّ فيها”. الكرامة منعاً للالتباس وسوء الفهم هي لا تتحقق بمعاقبة الفاسدين، لا سمح الله، ولا بتطبيق القانون لا قدر الله، ولا بإنتخاب رئيس للجمهورية اليوم قبل الغد لا رعاك الله، الكرامة تتحقق من أنفاس الزعيم وبسمته وثرائه وقوته وبطشه.

مهرجانات صيدا

لذا لا يجوز الربط قانوناً ولا شرعاً (والأخيرة جرياً على ما نشهده هذه الأيام من أحكام شرعية وفتاوى في ما يجوز ولا يجوز، في الفرح، من زوطر إلى صيدا) بين الكرامة والحق بالحصول على الماء أو التيار الكهربائي أو العمل، أو حق السكن و… ذلك أنّ هذه الحقوق البسيطة لا يمكن أن ترقى إلى متطلبات كرامة اللبناني. هكذا مثلاً يخرج بعض الناشطين في صيدا على سبيل المثال ليطلقوا حملة ضد مهرجانات صيدا لأنّ فيها فساد.

أعوذ بالله: كيف لا يستفزكم كل هذا الفساد باسم الدين، كل هذا النهب للمال العام باسم الطائفة، كل هذا الموت والقتل والتكفير…وفقط حفلة غنائية في صيدا هي التي تتحداكم في الدين؟

إقرأ أيضاً: صيدا تجاهد وترقص وتغني وتحيا بتنوعها

“البلد منو ماشي” ولا يتفاجأن أحد بأنّ الشعب لا ينتفض على تجار دمه وماله ومستقبله. السلطة أفسدت المجتمع. نعم أفسدته. وهذه المرة جيّرت كل الطاقة المذهبية والدينية للافساد. لم يعد نهب المال العام، ولا سرقة حقوق الناس ولا الإثراء غير المشروع، جرائم يحاسب عليها. الجريمة هي أن تفضح هذه الجريمة وتطالب بمعاقبة مرتكبيها. كشف فساد واحد من المرتكبين ومحاسبته هو الجريمة باعتبار أنّ من يسرق في بلادنا مالاً عاماً أو يصادر مشاعاً أو حقوقاً هو حكماً يستند إلى سلطة دينية أو مدنية. وفي الحالين هو لن يعاقب. البلد يتلاشى. وليطمئن الزعماء أنّ الشعب لن يقوم ضدهم ولن نشهد تحركات جامعة بعد الآن. ما سيجري هو أخطر في مسارات السلطة، كالتي نراها في لبنان. والأرجح نهايات مأساوية على رموزها ومدمرة للبلد ستسبق أيّ امكانية لتحولات ديمقراطية بعيدة ومحتملة.

آخر تحديث: 31 أغسطس، 2017 2:08 م

مقالات تهمك >>