الدواء سِلعَة للنهب الحلال.. والشركات تعترف «نتلاعب بالأسعار»

تناولت مجلة "شؤون جنوبية" في عددها الأخير الملف الصحي في لبنان تحت عنوان "صحة اللبنانيين بعناية..مغارة علي بابا"، وأبرز المواضيع التي طرحت هو "الدواء" لما يطرح حوله الكثير من علامات الاستفهام ومنها وكيف يتم إدخاله وتوزيعه والترويج له؟ وما هي العلاقات ما بين الشركة المستورِدة والموزع والصيدلاني والطبيب؟

قال الرئيس نبيه بري في جلسة مجلس النواب اللبناني المنعقدة في 30 تموز 2000: “لقد استطاعت مافيا الدواء أن تعرقل أعمال مجلس النواب على مدى عقود، وبخاصة فيما يتعلق بإطلاق مكتب الدواء”. وهو المكتب المقترح لوضع سياسة لاستيراد الأدوية وتسعيرها وتوزيعها. وفي حديث تلفزيوني في أيار 1998 قال وزير الصحة اللبناني آنذاك والمرشح حالياً لرئاسة الجمهورية سليمان فرنجية “إن سوق الدواء يعمل في غياب أية ضوابط إدارية أو علمية، وتمارس فيه شتى أنواع الشطارة والإلتفاف على القانون، وقد أغرق بمئات الأصناف المزورة والمهربة والمغشوشة والمقلدة والمسحوبة من سوق التداول العالمي بناءً على تقارير الأمم المتحدة. وأكد في حديثه أن نسبة هذه الأدوية تصل إلى 30% من أدوية السوق. . فماذا عن سوق الدواء وكيف يتم إدخاله وتوزيعه والترويج له؟ وما هي العلاقات ما بين الشركة المستورِدة والموزع والصيدلاني والطبيب؟

 

الخلفية

منذ الاستقلال وقيام أول حكومة في تموز 1943، ومروراً بجميع الحكومات قبل اتفاق الطائف وبعده، قدمت شتى أنواع الوعود فيما يختص بنوعية الدواء وتأمينه لكل فئات الشعب، وبأسعار رخيصة، وبقي التنفيذ حبراً على ورق. كانت محاولات للإصلاح، أهمها محاولة وزير الصحة العامة الدكتور إميل بيطار في حكومة الشباب عام 1971، عندما لم يوافق مجلس الوزراء على خطته الإصلاحية، فلجأ إلى مجلس النواب، حيث تم تطيير نصاب الجلسة النيابية المخصصة لمساندة قراره بترخيص أسعار الدواء، وانتهت المحاولة بإخراجه لاحقاً من الحكومة.

 

تسجيل الأدوية    

يقول مصدر مطلع في وزارة الصحة: “لا يوزَّع أي دواء أو يباع إلا إذا كان مسجلاً ومستورداً عبر مستودع أدوية أو صيدلية قانونية. وحتى يكون مسجلاً يجب أن يعرض على اللجنة الفنية المشكلة من مدير عام الوزارة ورئيس دائرة الاستيراد، رئيس دائرة التفتيش وممثل عن مصلحة الصيدلة وطبيبين وصيدليَّين مبرزاً الأوراق التقنية المطلوبة والمحددة من قبل الوزارة. وهذه اللجنة تجتمع ست مرات شهرياً”.

تطلب اللجنة الإفادات التحليلية للدواء من بلد المنشأ لأنه: “يجب إبراز تحليل بلد المنشأ عند استيراد كل شحنة، والوزارة تكتفي بهذه التحاليل إذا كان بلد المنشأ من البلدان المرجعية، وخلاف ذلك تطلب تحاليل إضافية من مختبرات محددة في بلدان مرجعية”.

 

التسعير

وهناك لجنة تسعير في وزارة الصحة يرأسها مدير عام الوزارة وتضم رئيس دائرة الاستيراد، رئيس دائرة التفتيش ورئيس مصلحة الصيدلة. ” وهذه اللجنة تفرض سعراً للدواء في لبنان يجب أن يكون أقل من سعره في دول الجوار. وعلى مصنع الدواء تقديم الوثائق القانونية التي تثبت سعر الدواء في دول الجوار”. وتضيف: “أما الأدوية الجنيسة فيجب أن يكون ثمنها أقل ب 30% من ثمن الدواء الأساسي”.

 

لائحة الأدوية

إن لدى وزارة الصحة لائحة تضم نحو 5000 صنفاً من الأدوية أكثر من نصفهم من الأدوية الجنيسة (المماثلة)، إلا أن العدد الفعلي وحسب المصدر أقل بكثير لأن هناك أدوية غير مسوَّقة لكنها مسجلة في الوزارة.

ولأن البلد بحاجة إلى لائحة تضم أدوية أقل بكثير من لائحة الوزارة، يبرر هذا المصدر الوضع قائلاً: “إننا نعيش في نظام اقتصادي حر، لا يمكن تحديد عدد الأصناف في السوق، على كل حال هذا قرار مرتبط بالوزير نفسه، وكما تعلمون إن قراراً بهذا الحجم مرتبط بالوضع العام.

 

المختبر المركزي

نصت القوانين المتعلقة بالأدوية بضرورة إجراء تحاليل مخبرية للأدوية المستوردة أو المصنعة محلياً في المختبر المركزي، إلا أن إقفاله حال دون ذلك وكان ذلك أكبر خدمة لمستوردي الدواء، مما دفع الوزارة إلى تحديد عدد من مختبرات الجامعات الموجودة في لبنان لتكون بديلاً عن المختبر المركزي، لكن لم يعرف المعيار الذي استخدم لتحديد مختبرات الجامعات في لبنان”.

 

الصناعة المحلية

ويبدو أن وزارة الصحة تسهّل عمليات تسجيل الأدوية المصنعة محلياً، إذ هناك نحو 1000 صنف يصنع محلياً. إلا أن هذا الإنتاج لا يتمتع بأفضلية في التسويق والتوزيع بل هو خاضع للعرض والطلب في السوق الداخلي والخارجي”.

وكما يبدو “أن الوضع السياسي في لبنان يمنع تقديم حماية للدواء المصنع محلياً، وأن هناك أنواعاً مماثلة تستورد في بلدان الجوار وتدخل إلى السوق اللبناني، وتنافس الدواء الوطني من دون تقديم أية حماية للإنتاج المحلي”. وحسب تعبير المصدر المطلع.

ولا تتبع الوزارة سياسة المعاملة بالمثل، فإذا كان في لبنان كماً كبيراً من الأدوية المستوردة والمماثلة للأدوية المصنعة لبنانياً، فإن السوق العربي لا يسمح بإدخال أكثر من 12 صنفاً من الأدوية اللبنانية، لأن بعض البلدان العربية تؤمن حماية لإنتاجها المحلي.

لكن هذه الصورة الوردية التي يعطيها المصدر المطلع في وزارة الصحة تتحول،إلى صورة قاتمة، من خلال آراء خبراء صيادلة و”أبناء سوق الدواء” كما يمكن وصفهم.

    

الوضع العام

يحاول أحد الخبراء في سوق الدواء، والذي يرفض ذكر اسمه تسليط الضوء على المشكلة فيقول: “صار الدواء سلعة تجارية لا علاقة لها بصحة المريض وما يمكن أن تقدمها له. نسي الجميع قسم أبو قراط. الدواء في خطر فمنذ ثمانية أعوام كان لدينا 3000 صنف، الآن في السوق نحو 6000 صنف، في أميركا نفسها يُسجل 30 – 40 دواء في السنة، عندنا يصل التسجيل إلى نحو 200 دواء سنويا”، عملية التسجيل تتم بسرعة”.

 

أسعار الدواء

ويشير الخبير: “لقد تحولت هذه المهنة من مهنة محترمة إلى مهنة الفوضى غير المراقبة. ” أسعار الدواء لدينا هي الأعلى في المنطقة، دفعنا العام الماضي أكثر من مليار دولار ثمن أدوية، منها مليون دولار ثمن أدوية سرطان، سوقنا مفتوحة، نستورد من كل بلدان العالم، المختبر المركزي مقفل والرقابة تحولت إلى رقابة صورية”.

وعن احتكار الأدوية يوضح: “هناك 9 شركات تستورد 90% من الأدوية وباقي المستوردين حصتهم لا تزيد عن 10%”.

 

الأدوية الجنيسة

يوضح الخبير أن الأدوية الجنيسة ” هي ادوية مماثلة للأساسية لكنا تنتج بعد نحو 10 – 15 عاماً من إنتاج الدواء الأساس، وفي لبنان أكثر من نصف الأدوية جنيسة، ولكن السؤال، هل تمتلك المواصفات المطلوبة ؟ لا جواب عن ذلك لغياب المختبر المركزي الجهة المخولة بإجراء التحاليل عليها”.

 

“الإستيراد الموازي”

سابقاً كان الإستيراد يتم عبر شركات وكيلة، إلى جانب كميات من الأدوية المهربة، لكن مع نشوء الوضع خلال تتابع الحرب، نشأ ما يسمى الإستيراد الموازي. “وهذا الإستيراد كان يتم بموافقة الوزير، وبدون أن يخضع للشروط القانونية المطلوبة. وبعد ذلك كرت السبحة، وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي وحلفائه، استفادت دول أوروبا الشرقية من الحصول على أدوية بأسعار رخيصة مدعومة من الحكومات الجديدة، فلجأ تجار لبنانيون إلى شراء الأدوية من تلك البلدان واعادوا شحنها إلى بلد ثالث ثم إلى لبنان، وبالتالي لم تحظ هذه الأدوية بشروط التخزين، التوزيع والتحليل الجيد.

ويؤكد الدكتور عبد الرحمن البزري على عاملين أساسيين لضمان وصول الدواء بشكل صحي إلى المواطن. “العامل الأول، مراقبة النوعية والتدقيق بتركيبها والتأكد من مواصفات الدواء وخصوصاً أن الأدوية الجنيسة لا ضمانة أن تكون بجودة مثيلاتها الأساسية، منها ما هو جيد ومنها ما هو بحاجة إلى رقابة فعلية وخصوصاً أن هناك أدوية تستخدم في لبنان، لا يتم استخدامها في بلد المنشأ”.

ويضيف د.البزري :”العامل الثاني يتعلق بتسعير الدواء، وهنا يجب التدقيق واستخدام الأدوية الجنيسة والتي هي أرخص من الأساسية، وخصوصاً أنه في البلاد الأوروبية يلجأون إليها بديلاً عن الأساسية لتأمين الدواء بسعر أرخص للمواطنين”.

 

الدواء في أرض الواقع

يقول مسؤول أحد مخازن الأدوية: “نقدم ملفاتنا إلى اللجان المختصة في الوزارة لدراستها، ونحصل على إذن دخول قبل التسجيل، وهذا الإذن يسمح لنا بالبيع بالسعر الذي نكون قد تقدمنا به إلى الوزارة إلى حين تبت وزارة الصحة بالسعر. ونقوم بعد ذلك بالترويج للدواء وهو ترويج غير قانوني.

 ادوية

كيف يتم الترويج؟

يقول مندوب إحدى الشركات: “نقدم عروضاً خاصةً للصيدليات وموزعي الأدوية فمثلاً منتوجات O.T.C. تصل عروضاتها إلى مستوى 100% من الكمية، أما الأدوية التي تصرف بوصفات طبية رسمية فإن عروضها أقل من ذلك. لكن هذه العروضات لا تسجل بأي سجل رسمي، وهي تؤمن أرباحاً هائلة للصيدليات والمخازن بالإضافة إلى المستشفيات ولايستفيد منها المرضى”.

وتوضح مندوبة إحدى الشركات :” إننا نعطي المستشفى نوعاً من الأدوية التي يحقن بها المريض ويكون عرضها 120%، فإذا اشترت المستشفى 100 حقنة، تأخذ مجاناً 120 حقنة إضافية، وإذا كان سعر المبيع للحقنة الواحدة عشر دولارات مثلا”  وتحصل إدارة المستشفى على حسم يصل إلى 25% فتصير كلفة 220 حقنة 750 دولاراً أميركياً في حين يتم بيعها للمريض بمبلغ 2200 دولار أميركي أي بربح يصل إلى 300%”.

إقرأ أيضًا: الفساد ينخّر سوق الادوية في لبنان

وتقدم شركات الأدوية عروضاً خاصةً للأطباء مثل حفلات الغذاء والعشاء بالإضافة إلى رحلات إلى خارج لبنان تحت حجة الإطلاع على معامل التصنيع.

يروي أحد الأطباء ذلك قائلاً :” قبل سنتين، قضيت أسبوعين في الهند بدعوة من إحدى الشركات، تحت حجة زيارة المصنع، لكنها كانت رحلة سياحية بامتياز”.

 

أدوية “مدى الحياة”

في حين تلجأ إحدى الشركات إلى تنظيم ندوات طبية، وتحضر النقاط الأساسية للطبيب المحاضر، وهذا باب قانوني لتقديم مساعدة مالية له لقاء ترويجه للدواء تحت حجة أنه ألقى محاضرةً حول الدواء المذكور.

إقرأ أيضًا: شركتا فايزر ومكتافارم اكدتا احترامهما للقوانين واسعار الدواء

ويقول أحد المندوبين :” لايستطيع أحد مراقبة ما يحصل على صعيد تقديم الهدايا، والتي هي على شكل عيني او مالي”. ويضيف :” إحدى شركات الأدوية التي توزع أدوية لضغط الدم، تطلب من الأطباء ملء استمارة لكل مريض يطلب منه الدكتور استخدام منتوج الشركة،  وتمنحه لقاء ذلك مبلغ مئة دولار عن كل مريض، وتكون النتيجة أن المريض يصير بحاجة للدواء طوال عمره وتبدو المئة دولار وكأنها لا تزيد عن قروش قليلة في صندوق الشركة التي ستستفيد من المريض طوال حياته”.

وتبدي إحدى الصّيادلة المتخرجة حديثاً دهشتها وتقول: “كنت أنظر إلى المهنة، وكأنها مهنة انسانية، لكني أمضيت فترة تجربة في إحدى المستشفيات، فاكتشفت أن ادارة المستشفى تُدخل في نظامها الدواء الذي يصرف للمرض على أساس أنه الدواء الأساسي في حين أن الدواء المستخدم هو دواء جنيسي، فيدفع المريض ثمن الدواء على أنه أساسي في حين أنه دواء موازٍ”.

يضحك مدير إحدى الشركات :” إننا نتلاعب بالأسعار ولا أحد يستطيع إمساكنا، لأن هيئات الرقابة والتفتيش مشلولة”.

آخر تحديث: 27 أكتوبر، 2017 12:27 م

مقالات تهمك >>