هناك ثلاثة محاور في الاقليم: أوّلها المحور السعودي ـ المصري الذي له تحالفاته على غير صعيد، وثانيها المحور التركي ـ القطري الذي له ايضا شبكاته الاسلامية التي تراوح بين “الاسلام الإخواني” و”الاسلام الجهادي”، وثالثها المحور السوري ـ الايراني المرتكز الى حليف قوي هو “حزب الله” والى امتدادات في هذا البلد أو ذاك. لكن هذا التقسيم لا يفسّر وحده التقاطعات الجارية بين هذه الدول المنتمية الى هذا المحور وتلك المنتمية الى ذاك.
فالمحور السوري ـ الايراني ليس بعيداً بقطبه الايراني عن تركيا، فيما المحور السعودي ـ المصري ليس بعيداً بقطبه المصري عن سوريا. بينما لكل من هذه المحاور الثلاثة حلفاؤه واصدقاؤه على المستوى الدولي.
التحليل المبسّط للاوضاع السائدة هو تحليل مُضلِّل لأنه يعجز عن تفسير أمور كانت التحليلات السابقة تجد لها تفسيرات بالغة السهولة، ولكن التحليل المركب والمعقّد يمكّن من فهم التطورات الجارية، ويساعد على تحديد احتمالات وسيناريوهات مختلفة قد تظهر في قابل الايام.
فزيارة رئيس وزراء تركيا رجب طيب اردوغان الاخيرة لإيران قد تخضع لتفسيرات عدة، لكن احداً لا يستطيع إنكار تزامنها مع “جنيف -2 ” الذي استبعدت منه طهران بذريعة موقفها المساند لدمشق، فيما وزير خارجية تركيا احمد داود اوغلو كان يكرر خطاباً معادياً للنظام السوري.
كذلك لا يمكن لأحد إنكار أن هذه الزيارة قد جاءت فيما تشهد العلاقة التركية ـ الاميركية توتراً على خلفية فضيحة الفساد التي اصابت الحكومة الاردوغانية في الصميم.
ولا يمكن لأحد تجاهل توافق العاصمتين الاقليميتين الكبيرتين على اعتبار مكافحة الارهاب اولوية في سياستيهما، وهي اولوية سعى الوفد الرسمي السوري لجعلها العنوان الرئيسي لجنيف ـ 2 في مقابل اولوية تشكيل هيئة الحكم الانتقالية بصلاحيات كاملة سعى اليها وفد الائتلاف السوري المعارض وحلفائه.
في المقلب الآخر لا يمكن إغفال شعور القاهرة المتحالفة مع الرياض، بأنها ودمشق تخوضان المعركة نفسها ضد قوى تتهمها بالارهاب، فيما لا تخفي ايران يومياً رغبتها بفتح صفحة جديدة في العلاقات مع الرياض، اذ لا يعقل حصول حوار بين طهران وواشنطن، ولا يحصل بين عاصمتين اسلاميتين كبيرتين.
ولذلك، فإن تعدد المحاور والتقاطعات بين بعض مكوناتها يجعل المنطقة مفتوحة على تحولات كبيرة تشي بمصالحات تبدو اليوم مستحيلة.
ويميل السياسي المخضرم نفسه الى رؤية متفائلة، على رغم تكاثر الانفجارات في لبنان واشتداد الحروب في سوريا والعراق ومصر، فهو يعتقد ان ايران مؤهلة لبناء جسور بين أنقرة ودمشق، وأن القاهرة بعد استكمال استحقاقها الرئاسي مؤهلة لفتح الابواب الموصدة بين دمشق والرياض.
لكن قراءة هذه التقاطعات والتحولات المحتملة يجب الّا تُغفل التطورات المرتبطة بالمساعي الاميركية الهادفة الى فرض “اطار اتفاق” بين الفلسطينيين والاسرائيليين من دون القفز فوق معادلة حكمت منذ عقود مساعي تسوية القضية الفلسطينية، وهي إنّ ما يريده الاسرائيليون لا يمكن للفلسطينيين ان يقبلوا به.
وفي الطرف الآخر من هذه المعادلة ان ما يريده الفلسطينيون كحد ادنى لن يقبل به الاسرائيليون حتى ولو حمل لهم كيري تهديدات باتساع المقاطعة لهم في دول الغرب وحتى داخل الرأي العام الاميركي. فواشنطن تحاول ان تلعب اللعبة اياها إبّان محادثات فك الارتباط بعد حرب 1973 والتي اوصلت الرئيس انور السادات الى الكنيست الاسرائيلي عام 1977 ثم الى معاهدتي كمب ديفيد عام 1979.
يومها ظنّت واشنطن، ومعها تل ابيب، انها تستطيع تمرير تنازلات السادات تحت وطأة نيران الحرب الاهلية في لبنان، بل واستهداف دمشق من خلال بيروت. وبالتالي، فإن هذا السيناريو اذا اعتمد، مُرشّح لأن تصبّ واشنطن الزيت على نار الحروب المشتعلة في سوريا والعراق ولبنان ومصر وغيرها من دول المنطقة. ولكن هذه النيران قد تطيح مصالح اميركية رئيسية في المنطقة.
فهل تلجأ واشنطن المُربكة بمأزق المعادلات الاقليمية الى خروج شامل من الحروب العربية الحالية؟ وهل تقتنع بأنّ قتل الملايين من العرب وتهديم دولهم وتدمير جيوشهم لا يحمي مصالحها في المنطقة؟ أم انه مسار خطير سيدفع الجميع ثمنه؟

