وفي المعلومات أيضاً، التي قيلت، وربما تمت مناقشتها، ولكن على نحو غير مباشر، من جهات قريبة، في شكل أو أخر، من “بطلَي” المواجهة الاقليمية في المنطقة، “ان المملكة العربية السعودية لا تؤمن بالأحزاب والمؤسسات في الخارج، وليس عندها في الداخل أحزاب وحركات شعبية. حتى ان مؤسساتها المُنشأة بقوانين، تُدار أحياناً كثيرة بعقلية الأعراف والتقاليد. ولهذا السبب “تلبّكت” في سوريا، عندما أيّدت الثائرين على نظامها ورأسه بشار الأسد. فانقساماتهم الحزبية والسياسية والعشائرية والمناطقية، فضلاً عن المذهبية والطائفية، أصابها الارتباك، بشيء من الغضب وربما من الاحباط. في اختصار، لا تحبِّذ المملكة مفاوضات رسمية (حول طاولة) مع إيران. بل تفضل مفاوضات من تحت الطاولة، كما يقال، أي غير رسمية. وعندما تسفر عن اتفاق معيّن، سواء على إطار أو على مبادئ أو على ما هو أكثر من ذلك، يمكن أن توضع له الصيغة المناسبة. وسبب الخوف أو الحذر من الحكي الرسمي حول طاولة هو الاختلاف في الطبيعة والعقلية بين “البدو” و”الحضر”، الذي تحدّث عنه “الموقف” قبل يومين. وربما لهذا السبب، رفض العاهل السعودي عبد الله بن عبد العزيز استقبال وزير خارجية إيران، القريب من الرئيس الجديد للجمهورية الاسلامية الشيخ حسن روحاني، بعد “إنجازه” النووي مع المجموعة الدولية 5 + 1 في جنيف قبل أسابيع. فهو أراد شخصية من حجمه ووزنه للاجتماع معها، والتداول في القضايا الخلافية. لكن الوزير محمد جواد ظريف تمسّك بمطلب استقبال الملك له في أثناء زيارته المملكة. واعتبر موقفه اشتراطاً فتم رفضه، ولم تتم الزيارة.
هل المنطق المشروح أعلاه، كما في “الموقف” يوم السبت الماضي، منتِج؟
المتابعون اللبنانيون والعرب، وحتى الأجانب، للاوضاع في لبنان، لا ينكرون صحة قسم مهم منه. لكنهم يعتبرون أن الشق السعودي منه، لم يؤمن مصالح المملكة ولا مصالح حلفائها اللبنانيين، كما لم يساعدها في إعادة توازن ما، بينها وبين الجمهورية الاسلامية الايرانية، أو في إضعاف ما تشعره من تهديد إيراني كبير لها. وكي لا يبقى الكلام في إطار العموميات، يُذكّر المتابعون أنفسهم بالنتائج التي حصدتها السعودية مباشرة من سوريا الأسد، ومداورة من إيران الاسلامية، عندما مارست سياسة الأعراف والتقاليدـ وعندما استعملت منطق “البدو”، لترتيب الأوضاع في لبنان، التي ساءت سياسياً، وكادت أن تسوء أمنياً في إحدى المراحل. وهذا الأمر حصل مرتين على الأقل، فالنائب سعد الحريري، عندما شكّل حكومته الأولى، قام بمبادرة تجاه سوريا، وتحديداً تجاه نظامها ورئيسها الأسد، رغم أن ما بينهما من الحقد والمرارة والغضب والخوف والرفض معروف من الجميع. فزار دمشق والتقى الأسد، بل أمضى قرابة 24 ساعة فيها، ونزل في ضيافته، والجهة التي دفعته الى ذلك كانت المملكة العربية السعودية، التي كان الامير عبد العزيز بن عبد الله، المكلف منها التعاطي مع سوريا في موضوع لبنان. وماذا كانت النتيجة؟ سلبية. لم يحصل شيء عملياً، وعلى العكس من ذلك فإن حليف المملكة الحريري “استُقيل” من الحكومة، أو أُقيل، وبانقلاب سياسي نفَّذه حلفاء الأسد وإيران. ويُستَبعد أن يحصل ذلك من دون معرفتهما أو موافقتهما، وعلى العكس من ذلك، فان العاهل السعودي عبد الله بن عبد العزيز بادر بعد ذلك الى زيارة سوريا، وعمل “قعدة عرب” مع رئيسها الأسد، وتبادل معه “قبلة” أخوية، ثم انتقل معه الى لبنان، لمباركة حكومة “الانقلاب” المذكورة، التي ترأسها نجيب مقياتي، ولـ”إقناع” الحريري بمباركتها. لكن ماذا كانت نتيجة ذلك أيضاً؟ سلبية من دون أي شك. طبعاً، ربما عزّز الفشل السعودي المباشر في لبنان مع سوريا، وغير المباشر مع إيران، اقتناع الملك عبد الله وسائر كبار العائلة المالكة، بأن موقفهم الأساسي مُحق، وهو حذر “البدو” من “الحضر”، الذين يساومون ويأخذون ويعطون ويَعِدون ولا يفون وربما يغشّون. طبعاً، لم يدفعهم ذلك إلى تغيير طبعهم وشخصيتهم، أو إلى اتخاذ قرار بتغييرهما. لكنه دفعهم الى ممارسة أسلوب آخر أقلعوا عنه بعد نجاح المؤسس الملك عبد العزيز في تأسيس المملكة، هو المواجهة المباشرة للأعداء، واستعمال كل الوسائل المتوافرة لذلك. وللإنصاف، لا بد من الاشارة، إلى أن ثورة الشعب السوري، كما ثورات عربية أخرى، إضافة إلى ما يشهده لبنان، هي التي جعلت المملكة تنتهج خطها الجديد.
ماذا يعني انتهاج الخط الجديد؟ وماذا ستكون نتائجه سورياً ولبنانياً وإيرانياً وأميركياً؟

