قال الرئيس الراحل صائب سلام يوماً: “لبنان واحد، لا لبنانان”. واليوم هناك مشروعان، ولبنانان، الأول مع السلاح الشرعي، والثاني مع السلاح اللاشرعي. الأول مع إعلان بعبدا، والثاني مع إعلان “النصر” أيّاً يكن حجم الضحايا والخراب والدمار؟!. لبنان الأول مع الدولة والشرعيّة والمؤسسات. لبنان الثاني مع الفراغ حتى الوصول الى تسوية جديدة، أو طائف جديد؟!
وسط هذا الإنقسام العمودي، يحتاج أي كلام عن الإستحقاق الرئاسي الى الكثير من الصدقيّة، وهذه ليست موجودة عند أي طرف محلّي، بل عند الخارج المؤثر، وبقي معرفة من هو هذا الخارج، هل هو إيران، أم السعوديّة، أم الولايات المتحدة، وروسيا الإتحاديّة، ام فرنسا والفاتيكان، أم مجموعة الدعم الدوليّة، أم كلّ هذا “الكوكتيل”؟!.
ومع حفظ الإعتبار للجميع، يبدو دور الفاتيكان متقدماً. أولا: هناك بابا تغييري، ديناميكي، قلق على مسيحيي الشرق، هذا ما أفصح عنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعيد إجتماعه به.
ثانيا: لأن الفاتيكان أعلن موقفه صراحة من جنيف – 2 . يريد سوريا مستقرّة موحدة تتسع للجميع، وللمسيحيين ضمناً.
ثالثا: كل كلام عن مبادرة فاتيكانية رئاسيّة غير دقيق. يشكّل هذا الإستحقاق جزءاً من الملف اللبناني، وهذا يشكّل جزءاً من الإهتمام الفاتيكاني الذي يشمل سائر الملفات الإنسانيّة في المنطقة.
رابعا: تستمع الكنيسة الفاتيكانيّة جيداً الى الكنيسة المارونيّة، وسائر الكنائس عن أحوال المسيحيين، وأوضاعهم، وعن زعمائهم، وإدائهم، وخلافاتهم، ومدى تورطهم بالفساد المادي والمعنوي والأخلاقي، ومدى مسؤوليتهم المباشرة عن الحال التي وصل اليها لبنان، والمسيحيون فيه، لذلك فإن مقاربة الإستحقاق الرئاسي تبدأ أيضاً من مقاربة المواصفات والأسماء الجديرة بتحمّل هذه المسؤوليّة، هناك مواصفات ضيقة ودقيقة يريدها الفاتيكان غير تلك المتداولة أو التي ألِفَها اللبنانيون عند المرشحين التقليدييّن. المطلوب تصحيح المسار بدءاً من رأس الهرم؟!.
خامسا: لا يرى الفاتيكان بأن التغيير في الشرق الوسط يصنعه السلاح، بل الحوار المؤدي الى تفاهمات حول تسويات عادلة متوازنة. التغيير يجب أن يكون بإتجاه هدف واحد جامع مشترك.
لا يزال 22 كانون الثاني المقبل موعداً إفتراضيّاً لعقد جنيف – 2 ، لكنه إستحقاق مصيري سواء التأم الشمل، أم تمّ التأجيل، وفي ضوء ما سيتقرر، ستتضح أمور ثلاثة على الأقل:
– صدقيّة الولايات المتحدة وروسيا حول مستقبل سوريا، وهل ستعمل الدولتان على وقف النار توطئة للحوار، أم تغضان الطرف؟
– صدقيّة المجموعة الدولية لدعم لبنان، وكيفية تعاطيها مع ملف النازحين. هل من قرار يصدر عن مجلس الأمن تحت الفصل السابع لإستحداث مخيمات داخل الأراضي السورية القريبة من الحدود اللبنانية بإشراف الأمم المتحدة، ورعايتها، وحمايتها، ام ان لبنان آخر سينشأ هو ” لبنان المخيم”، الذي يضم الملايين من النازحين السوريين، والفلسطينيين، والإرهابيين، وشذاذ الآفاق، الى جانب الأقليّة اللبنانيّة؟!.
– صدقية الدول الديموقراطيّة المؤمنة بالحوار والتنوع والقيم الإنسانيّة والأخلاقيّة تجاه لبنان، هل يبقى أرض الحوار، ووطن الرسالة، وملتقى عشّاق الحريّة والفرادة، وملجأ الأقليات بخصائصها وعاداتها وتقاليدها المنفتحة، أم أن وظيفة هذا اللبنان قد إنتهت، وسيكتب لمستقبل هذا الكيان ما قد يكتب لمصير ومستقبل الكيان السوري، وأقلياته، والكثير من كيانات دول الجوار لسوريا او تلك التي إنغمست أيديها بأنهار الدماء بإسم التغيير؟!.
إن الكلام الجدّي عن الإستحقاق الرئاسي لم يحن أوانه بعد، ربما يصبح أكثر واقعية بعد موعد الثاني والعشرين من الشهر المقبل، وما هو متداول الآن، فهو من باب التذاكي، والكيديّة، وتضييع الوقت.

