هل يحل المتنبي عقدة تشكيل الحكومة؟

هل تشكيل الحكومة العتيدة لغز يستحيل حله؟
رئيس الجمهورية يؤكد ضرورة أن تتشكل حكومة وحدة وطنية لا تستثني أحداً. والمكلف التشكيل يؤكد حرصه على التقيد بأحكام الدستور وما خلصت إليه الاستشارات النيابية. والاستشارات والمشاورات انتهت منذ شهور، حتى أن الرئيس ميشال سليمان رأى أن التشكيل قد أصبح مسؤولية رئيس الجمهورية والمكلف التشكيل، فماذا يمنع التوافق حول التشكيلة بينهما على أساس احترام ما كان قد أعلناه؟
في المنطق، لا شيء يمنع الأمر الذي يعني ان استمرار الوضع الحكومي على ما هو عليه من مسؤولية اللذين أشار إليهما رئيس الجمهورية، خصوصاً أن جميع القيادات السياسية، أو معظمها، أعربوا عن نيتهم في تسهيل مهمة المكلف التشكيل. حتى ان رئيس مجلس النواب نبيه بري أراح الحكومة العتيدة من عقدة إقرار بيانها الوزاري عندما أدرج التوافق حول مضمون البيان كبند أول في مؤتمر الحوار الذي طالب رئيس الجمهورية الدعوة إليه. فلماذا لم يتوافق «الرئيسان» على مراسيم التشكيل وفق ما كان قد صدر عنهما؟
يبدو ان أسباب التأخير باتت تتمحور حول واحد من ثلاثة احتمالات، أو الثلاثة معاً، هي:
وجود «فيتو» من هذا الرئيس أو ذاك على بعض الأسماء التي ترشحها كتلها لتمثيلها في الحكومة، أو إصرار أحدهما على توزير اسم معين لحقيبة معينة لا يلقى قبولاً عند الآخر أو الآخرين، فيصنف كشكل من أشكال التحدي. ويبدو مثل هذا الاحتمال هامشياً، في ظل أزمة وزارية طالت والأجواء القاتمة السائدة في الأوضاع اللبنانية والمنطقة. ولكن مع ذلك يبقى الاحتمال مطروحاً، باعتبار ان كل التصرفات يمكن ان تحصل في بلد كلبنان، كما علمتنا التجارب.
ان تجاوز هذا الاحتمال يمكن أن يحصل «إذا نفعت الذكرى» المعنيين بالتشكيل. ففي جلسة اليوم الأخير من تشرين الأول سنة 1968 تشكلت حكومة رباعية، بعد فوز «الحلف الثلاثي»، وكان ذلك بعد أزمة وزارية لم تنته إلا بتهديد رئيس الجمهورية شارل حلو بالاستقالة. وعند مناقشة البيان الوزاري قال النائب محمد صفي الدين، الذي لم يكن مذهبه الديني ممثلاً بالحكومة:
«يقتضي على المرء في أيام محنته بأن يرى حسناً ما ليس بالحسن».
وعندما ناقش النائب «الكتائبي» لويس أبو شرف بيان الحكومة، التي كان رئيس حزبه عضواً فيها، رد على «السيد» صفي الدين قائلاً:
«ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى عدواً له ما من صداقته بد»
فهل يصلح اليوم ما قاله المتنبي لتشكيل حكومة ومنحها الثقة كما فعل «السيد» وأبو شرف؟ هذا «برسم الرئيسين» والآخرين، فلبنان اليوم في «محنة» واللبنانيون يؤكدون أنهم «أحرار»!
أما الاحتمال الثاني لعرقلة التشكيل فيمكن ان يكون بصعوبة تفهم ما نصّ عليه الدستور في هذا المجال بعد ان أكد المكلف التشكيل تقيده بالدستور، ولكن الدستور كان واضحاً في هذا المجال عند حصر حل العقدة بالبند (أ) من المادة 95 التي جاء فيها: «تمثل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة». ولكن كيف يتم التقيد بالعدالة التي جاءت في هذا النص؟ هنا يبدو الجواب واضحاً بعد ان حدد قواعد تلك العدالة في المادة 24 ـ دستور: المناصفة بين المسيحيين والمسلمين ونسبياً بين طوائف الفئتين. كما ان قوانين الانتخاب خصصت كل طائفة بعدد من المقاعد النيابية وفق حجمها. ولهذا فإن عدالة تمثيل الطوائف في الوزارة تنشأ باحترام نسبة ممثليها في الوزارة بما يتوافق مع نسبة تمثيلها النيابي. والأهم من هذا ان لا ينحصر اختيار ممثلي الطائف بناحية العدد، انما باحترام الانتماء السياسي لنواب العدد التي تتمثل فيه الطائفة في الوزارة. فإذا كان جميع نواب طائفة من خط سياسي واحد، فهل يمكن ان يقال بعدالة تمثيل إذا ما تمثلت الطائفة بمن يعارض ذلك الخط؟ أليست الطائفة هي من اختارت نوابها؟ فهل تتغلب إرادة رئيس أو مكلف على إرادة أبناء الطائفة؟ لذلك فإن عدالة التمثيل الطائفي ليست مجرد عدد، انما هي، وربما أولاً، انتماء. ولهذا فإن ما حرص عليه المكلف التشكيل لجهة احترام الدستور محلول.
يبقى الاحتمال الثالث والأكثر ترجيحاً، وهو انتظار ما ستلد فيه ظروف المنطقة وواقعها اليوم من نتائج لتتشكل الحكومة على صورتها ومثالها! ولكن مثل هذا الاحتمال، إذا ما كان صحيحاً، هو بمثابة «الفضيحة» لأي حكم، ويعبِّر عن انعدام كامل لتحمل المسؤولية الوطنية، ولهذا من الصعب أن نصدقه في لبنان، فاللبنانيون يدركون المسؤولية الوطنية التي يتمتع بها مسؤوليهم.
ان الحكم، أي حكم، لا يكون بانتظار ما سيحصل حتى يسير في ركابه ويستنسخ صورته عنه، انما هو ترقب لتحصين ذاته مما قد يرى أنه يمكن ان يحصل، وأولى خطوات التحصين ان تكون مؤسساته الدستورية مكتملة المسؤولية، وفي مقدمة ذلك تشكيل الوزارة التي تتمثل فيها السلطة الإجرائية. فإذا كان لبنان واللبنانيون والمسؤولون يستشعرون المخاطر التي بدأت منذ شهور ترسم في أجوائنا، فمن واجبهم تشكيل حكومة قادرة على استيعاب هبوب المخاطر، لا التسليم مسبقاً لأي شيء قد يحصل، وهو حاصل بالتأكيد، وإلا ما معنى ان يتّخذ مسؤول القرارات؟ وما معنى نشوء مؤسسات ووجود حكام ورؤساء ومسؤولين؟
نعم اننا بحاجة لمن يحفظ أشعار المتنبي ويعمل بها ليكون عندنا مسؤولون!

السابق
أوساط 14آذار: لا عودة الى الوراء في التعاطي مع نظام الأسد
التالي
شارلي شابلن في البيت الأبيض؟