لا يسأل عنهم أحد في لأيام العادية. ينشغل الزعيم عنهم بهموم الوطن، والوزير بمسؤولياته، والنواب بأولوية استقطاب الناخبين. لا يفكر أحد بكفاءتهم لشغل موقع حزبي أو إداري. باختصار، لا ينتبه أحد لوجودهم. لكن، فجأة، في السابع من آب من كل عام، منذ عام ٢٠٠١، يتذكرونه.
القسم الأكبر ممن أوقفوا في ٧ آب ٢٠٠١ كانوا ناشطي الصفين الثاني والثالث في التيار الوطني الحر. توافد هؤلاء إلى العدلية للاحتجاج، بعد اعتقال الجيش بقيادة العماد ميشال سليمان معظم قياديي الصف الأول قبل ذلك بيومين، وتحديدا في ٥ آب. لكن وحشية الاعتقال المصوّر في مطلع عهد الاعلام الالكتروني جعل من ذلك اليوم رمزاً لالاف الاعتقالات، ولنضالات شباب بعضهم ينتمي إلى التيار الوطني الحر وآخرون إلى القوات اللبنانية والكتائب والوطنيين الأحرار والكتلة الوطنية ومجموعات يسارية كانت تركز نشاطها في الجامعة الأميركية في بيروت وبعض الشبان التقدميين.
وبالتالي، ليس المعنيون بهذا اليوم من أوقفوا فيه فقط، أو الناشطين العشرة الذين يجري في كل سابع من آب التداول بأسمائهم، وإنما جيل جامعي كامل كان يفترض أن يحل بعد الانسحاب السوري من لبنان محل أبناء البيوتات في الحياة السياسية ومحل الموظفين الفاسدين في الادارات. لم يحصل ذلك. لا بل ساءت الأمور أكثر: أحيت أحزاب هذا الجيل عائلات إقطاعية بعدما كانت رميماً، وثبّتت رموز الفساد من صغيرها إلى كبيرها في الادارة الرسمية، في مقابل تهميش الأحزاب (جميعها من دون استثناء) هؤلاء، مفضلة إما تلامذة المدارس ــــ في حالة القوات ــــ الذين لا يصدعون رأس سمير جعجع بمطالبهم ولا يزايدون عليه بالأثمان التي دفعوها، أو المتقاعدين من الجيش ــــ في حالة التيار الوطني الحر ــــ الذين ينفّذون ثم ينسون أن يعترضوا.
في النتيجة، انكفأ جيل ٧ آب: معدل أعمار المشاركين في اجتماعات التيار الوطني الحر في المتن الشمالي ستون عاماً، وفي الشوف سبعون، وفي جبيل يكاد أن يكون تسعين. أين الجيل العوني الذي خرّجته الجامعات؟ لماذا لا يشرع التيار مكتبه في جونية، مثلاً، للمهندسين والمحامين والفنانين والأساتذة والصحافيين والحرفيين ليتباحثوا ويتناقشوا ويتوصلوا إلى برنامج عمل يفعّل التيار الكسرواني النائم؟ لأن المنسق ــــ كل منسق ــــ يخشى من بروز ناشط «يغطي» عليه.
تجاوز عدد المنضوين في خلية القوات اللبنانية في كلية الحقوق، عام ٢٠٠٣ ــــ ٢٠٠٤، مئتين وخمسين عضواً. مئتان وخمسون في عام واحد! يمكن تخيّل مئتين وخمسين محامياً قواتياً «ينغلون» في مبنى قصر العدل. تخيلوا أن ينشط، في نقابة المهندسين، المهندسون الذين توالوا على النشاط ضمن خلايا القوات في كلية الهندسة. في بعض الأعوام الدراسية، كان عدد المجموعة العونية الناشطة في كلية الآداب يقارب الثلاثمئة ناشط؛ لا تسألوا عن عدد ورشات العمل التي نظمها الوزير العوني غابي ليون مع هؤلاء لبحث ما يمكنهم تقديمه ثقافياً. مرّ في التيار الوطني الحر نحو ألف أدونيس عكرا، لكن، حتى عكرا المعروف لم يأخذ حقه. يفضّل التيار أستاذاً جامعياً كتب ثلاث افتتاحيات صحافية تشتم العماد ميشال عون عام ٢٠٠٤ على نحو مئتي بسام الهاشم. لماذا؟ لا أحد فعليا يعرف.
«أيام السوريين» كان العونيون ينتخبون مسؤوليهم الطلابيين، وكانت الحماسة تدفعهم إلى تبديل المسؤول الطالبي مرتين في العام الدراسي الواحد. أمس، جدد العماد ميشال عون للمسؤول الطلابي نفسه للمرة الثالثة على التوالي. لا حاجة للسؤال عن السبب. ولا حاجة للسؤال عن آخر نشاط طالبي قواتي أو كتائبي أو لتجمع يساري. يمكن تفهم خواء بيوت الكتائب، فعظام المحازبين مكلّسة، لكن لماذا يظهر التيار الوطني الحر بمظهر الحزب الهرم؟ لماذا يفعل النائب دوري شمعون بحزب الوطنيين الأحرار ما لم تفعله القوات اللبنانية والاستخبارات السورية العاملة في لبنان به؟ فعلياً لا أحد يعلم.
يقول أحد العونيين المطلعين ان النائب آلان عون والوزير جبران باسيل وجدا أخيراً أمراً يتفقان عليه: «وضع التيار زفت، لا يمكن التفرج أكثر». لماذا؟ لأن التيار والقوات وكتائب سامي الجميل لم تبحث عن حزبيين، أشخاص متحمسين لتغيير مجتمعهم، وإنما عن مصفقين غير مبادرين. في كل المناسبات الحزبية، لا يوجد غير المصفقين. جيل ٧ آب كان رافضياً تغييرياً، وجريئاً بغالبيته، ولا يشبه الموجود في هذه الأحزاب اليوم بشيء.
استصعب كثيرون السير على غرار النائب إيلي كيروز خلف «الست» لمجرد أنها زوجة القائد، أو ارتضاء لعب دور الحمّال لاحدى الشخصيات الفذة حتى يظهر أطول من حجمه الطبيعي، أو تنظيم الحفل التكريمي تلو الآخر لـ«الست». أما من اخترق منهم قرار الاستبعاد، سواء الحزبي أو التوظيفي أو الانتخابي، فعبر معمودية غيّر بموجبها أحلامه من التجديد إلى التقليد.

